خمسة أفراد حول نفس المائدة، وخمس شاشات مضيئة، وصمت واحد يجمعهم. هذا المشهد لم يعد استثناء في كثير من البيوت المغربية، بل صار يتكرر كل مساء تقريبا دون أن ينتبه إليه أحد.
تخيل بيتا يجتمع فيه الجميع يوميا حول مائدة العشاء، لكن كل واحد فيهم غارق في هاتفه. الأب يتابع نشرة الأخبار على “فيسبوك”، الأم تتنقل بين قنوات الطبخ، الابن الأكبر منشغل بلعبة إلكترونية، والصغرى لا تكف عن مشاهدة فيديوهات قصيرة لا تنتهي. الجميع حاضر بالجسد، غائب بالفكر والقلب. لا أحد يسأل الآخر كيف كان يومه، ولا أحد ينتظر جوابا حتى لو سأل.
هذه ليست مبالغة أدبية. كثير من الأسر المغربية اليوم تعيش هذا النمط دون أن تسميه “عزلة”، لأن الكلمة في مخيلتنا الجماعية ترتبط بالوحدة والانفراد، لا بأن تكون محاطا بأهلك وتشعر مع ذلك أنك بعيد عنهم. الغريب أن التواصل بين أفراد البيت الواحد صار أحيانا يمر عبر الهاتف نفسه. رسالة على “واتساب” من غرفة إلى غرفة تقول “الماكلة حاضرة”، بدل أن يُنادى الاسم بصوت مسموع، أو أن تُطرق الباب.
الأسباب متشابكة أكثر مما تبدو. جدول العمل أصبح يمتد إلى ساعات متأخرة، والأبناء يقضون وقتا طويلا في المطالعة أو أمام الشاشات، وكل فرد في البيت بات يعيش على إيقاعه الخاص. حتى العطلة الأسبوعية، التي كانت فرصة للجلوس معا، تحولت عند كثيرين إلى وقت إضافي للراحة كل في غرفته. لا أحد يقرر عزل نفسه عمدا، لكن التراكم اليومي لهذه التفاصيل الصغيرة ينتهي بأسرة تعيش تحت سقف واحد وكأنها نزلاء في فندق واحد.
الأجداد هم من يشعرون بهذا التحول أكثر من غيرهم. جيل تربى على السهرات العائلية وزيارات نهاية الأسبوع يجد نفسه اليوم ينتظر مكالمة قد لا تأتي، أو زيارة تختصر في نصف ساعة بين موعدين. كثير من الجدات في المغرب يشتكين، وهن يبتسمن حزنا، من أن أحفادهن “يعرفون كل شيء عن العالم إلا الجلوس معهن دقائق”.
الأطفال والمراهقون أيضا يدفعون ثمن هذا النمط، وإن بشكل مختلف. الطفل الذي يكبر في بيت صامت، حيث لا حوار حقيقي ولا نقاش على المائدة، يتعلم دون أن يدرك أن الصمت هو اللغة الطبيعية للأسرة. وحين يكبر، يستغرب من نفسه أنه لا يعرف كيف يعبر عما بداخله، أو لماذا يشعر بالوحدة رغم أنه لم يكن يوما وحيدا فعلا.
الحل ليس معقدا كما قد يبدو، لكنه يحتاج قرارا بسيطا ومتكررا. وجبة واحدة في اليوم بلا هواتف، ولو استغرقت عشرين دقيقة فقط. سؤال حقيقي يُطرح وينتظر صاحبه الجواب فعلا. زيارة للجد أو الجدة دون مناسبة، فقط للجلوس. لا يحتاج الأمر إلى خطة كبيرة، بل إلى انتباه صغير يتكرر كل يوم.
في النهاية، البيت ليس مجرد جدران تجمع أجسادا تحت سقف واحد. هو المكان الذي يفترض أن يشعر فيه كل فرد أنه مرئي ومسموع. وحين يغيب هذا الإحساس، يصبح السؤال مشروعا: كم من الأسر المغربية تعيش اليوم قريبة جدا من بعضها في المسافة، وبعيدة جدا في المعنى؟