منتدى العمق

كيف تصبح غنياً في 13 يوماً؟

التنافس من أجل المنصب أم من أجل المواطن؟ سؤال قد يبدو بسيطاً، لكنه يصبح أكثر إلحاحاً كلما اقترب موعد الانتخابات، وكلما تحولت الحياة السياسية فجأة إلى ورشة كبيرة من الحركة والتواصل والتعبئة. ففي ظرف 13 يوماً فقط، تستيقظ الأحزاب من هدوء السنوات الماضية، تتحرك فروعها، تنتشر منشوراتها، تفتح هواتفها، وتتحول الأحياء والأسواق والفضاءات العامة إلى ساحات للتواصل. وجوه لم نعتد رؤيتها كثيراً تصبح حاضرة في كل مكان، والمواطن الذي ظل بعيداً عن دائرة الاهتمام السياسي يصبح فجأة «صاحب القرار» و«صاحب الكلمة الفصل».

وهنا، وبشيء من السخرية، يمكن أن نسأل: كيف تصبح غنياً في 13 يوماً؟
الوصفة ليست معقدة. انخرط في حزب، اقترب من قيادته، حافظ على ولائك، انتظر فرصتك، وعندما يحين موعد الانتخابات لا تتردد. انزل إلى الشارع، صافح الناس، زر الأحياء، استمع إلى شكايات المواطنين، وزع المنشورات، نظم اللقاءات، حرّك الشباب والنساء، وتحدث عن المستقبل كما لو أن المستقبل كان ينتظر وصولك وحدك.

ثلاثة عشر يوماً تكفي لتستعيد العلاقة بالمواطن، أو على الأقل لتبدو كذلك.
ثم يأتي يوم الاقتراع، وتُغلق الصناديق، وتُعلن النتائج، وينتهي الموسم الانتخابي. لكن العلاقات التي جرى بناؤها أو توسيعها خلال الحملة لا تختفي بالضرورة. بل قد تبدأ مرحلة أخرى، مرحلة تمتد لخمس سنوات، يصبح فيها الموقع السياسي وشبكة العلاقات والمعارف جزءاً من رأسمال يمكن استثماره وتوسيعه وانتظاره إلى أن تحين لحظة انتخابية جديدة.

وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بالانتخابات وحدها، وإنما بطبيعة العلاقة التي نريدها بين السياسي والمواطن.
هل نريد مواطناً مطلوباً فقط عندما يحتاج السياسي إلى صوته؟ أم مواطناً حاضراً في قلب العمل السياسي حتى عندما لا تكون هناك صناديق اقتراع؟
فالذي يثير الانتباه ليس أن الأحزاب تنشط خلال الحملة الانتخابية؛ فهذا طبيعي ومفهوم. الذي يستحق النقاش هو أن هذه الأحزاب تثبت، خلال 13 يوماً، أنها قادرة على تعبئة الناس، والوصول إلى الأحياء، وتحريك الشباب والنساء، وتنظيم اللقاءات، وتكثيف التواصل. فإذا كانت كل هذه الإمكانات موجودة، فما الذي يمنع استمرارها بعد انتهاء الانتخابات؟ ما الذي يمنع الحزب من أن يظل قريباً من المواطن وهو لا يطلب منه شيئاً؟ لماذا لا تستمر اللقاءات في الأحياء؟ لماذا لا تستمر عملية الاستماع؟ لماذا لا يصبح الحزب حاضراً في النقاش العمومي المحلي طوال الولاية؟ ولماذا لا تتحول العلاقات التي تُبنى أثناء الحملة إلى جسور دائمة بين المواطن والمؤسسات؟

المواطن لا يعيش 13 يوماً انتخابياً. المواطن يعيش خمس سنوات كاملة.
خلال هذه السنوات، تستمر مشاكله، وتكبر حاجياته، وتتغير انتظاراته. البطالة لا تتوقف، والنقل لا يتحسن بمجرد انتهاء الحملة، والمدرسة والمستشفى والإدارة والحي لا تغلق أبوابها في انتظار الانتخابات المقبلة.
وهنا تعود المفارقة التي تطرح نفسها بقوة: إذا كان السياسي يحتاج إلى المواطن خلال 13 يوماً، فإن المواطن يحتاج إلى السياسة طوال خمس سنوات.
من هنا يصبح السؤال الأول أكثر عمقاً: التنافس من أجل المنصب أم من أجل المواطن؟
فالمنصب ليس عيباً، والطموح السياسي ليس جريمة، والتنافس الانتخابي جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية. لكن السياسة تفقد جزءاً من معناها عندما يصبح الوصول إلى المنصب هو الغاية، بينما تصبح خدمة المواطن مجرد وسيلة للوصول إليه.
المواطن لا يحتاج إلى سياسي يتذكره كل خمس سنوات، بل إلى فاعل سياسي يظل حاضراً عندما لا تكون هناك أصوات تُطلب، ولا منشورات تُوزع، ولا صور تُلتقط، ولا صناديق تُفتح.

ولعل الاختبار الحقيقي لأي حزب ليس قدرته على تعبئة المواطنين خلال 13 يوماً، وإنما قدرته على الحفاظ على تلك العلاقة طوال السنوات الخمس التي تفصل بين انتخاب وآخر.
فالوصفة السياسية السريعة تقول: 13 يوماً لكسب الصوت، وخمس سنوات لاستثمار العلاقات.
أما الوصفة الديمقراطية فتقول شيئاً آخر: خمس سنوات من العمل، ثم 13 يوماً لطلب تجديد الثقة.
والفارق بين الوصفتين ليس في عدد الأيام، بل في معنى السياسة نفسها.
لأن المواطن يمنح صوته في يوم واحد، لكنه يمنح ثقته لخمس سنوات.
والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً هو: ماذا يفعل السياسي بهذه الثقة بعد أن تنتهي الأيام الثلاثة عشر؟