منتدى العمق

من الديمقراطية إلى «الذلقراطية»: قراءة نسقية في أزمة الواقع السياسي والدستوري بالمغرب

“ليست السلطوية المعاصرة في إلغاء الدساتير، بل في الاحتفاظ بها كواجهة لتشريع الإذعان. هكذا تولد «الذلقراطية»؛ نسق يمنحك الحق في النص، ويصادره منك في المسطرة”.

يقتضي التحليل الفقهي الدستوري للتحولات المؤسساتية بالمغرب تجاوز المقاربات الوصفية الكلاسيكية، وصياغة أدوات مفاهيمية ذات حمولة إبستيمولوجية قادرة على تكييف الوقائع الميدانية المستجدة. ولئن كان الفقه الدستوري وعلم الاجتماع السياسي يستقران على إدراج «الديمقراطية» كنظام معياري يرتكز على سيادة الأمة، ويضمن المركز القانوني للمواطن كمصدر للمشروعية، في تقابل بنيوي مع «الديكتاتورية» بوصفها احتكارا للسلطة وتجريدا للمحكومين من حقوقهم الأساسية، فإن التدقيق المنهجي في واقع الممارسة المؤسساتية يكشف عن قصور هذين المفهومين في استيعاب تعقيدات الحالة المغربية.

وعليه، تبرز الحاجة العلمية إلى تأطير نشوء نسق تدبيري هجين يفرض نفسه كظاهرة سياسية وواقعة دستورية، نقترح له اصطلاحا مفهوم «الذلقراطية». ويتموقع هذا المفهوم في منزلة تقاطعية: إذ يستعير واجهته المؤسساتية وهندسته الإجرائية من الديمقراطية، في حين يستبطن الجوهر التدبيري القائم على الإخضاع وتقليص الفاعلية الحقوقية، والذي يميز الأنظمة السلطوية.

وعلى صعيد الصياغة وفقه اللغة القانونية، يتأسس مصطلح «الذلقراطية» عبر آلية النحت اللفظي؛ إذ يستند شقه الأول إلى الجذر (ذ – ل – ل)، بما يحيله على الانتقاص من الاعتبار القانوني للمرتفق، وهو ما يلامس حدود مخالفة المقتضيات الآمرة للفقرة الثانية من الفصل 22 من الوثيقة الدستورية التي تحظر كل معاملة حاطة بالكرامة، في حين يستعير شقه الثاني اللاحقة الدالة على ممارسة السلطة.

ومن هذا المنطلق، يتحدد مفهوم النظام الذلقراطي قانونيا وسياسيا بكونه: «ممارسة السلطة العامة والتدبير المرفقي بأدوات تفرز إخضاعا واقعيا، وتجرد المحكومين من الأثر الفعلي لمراكزهم الدستورية، مع إحلال علاقات التبعية الإدارية محل مبادئ المواطنة الفاعلة». ويتقاطع هذا التكييف مع ما يصطلح عليه في الفقه الدستوري المقارن بـ”الدساتير الواجهة”، حيث يتم الاحتفاظ بالنص الدستوري كوثيقة شكلية، وكذا مع نظرية “السلطوية التنافسية” التي تفترض وجود مؤسسات تمثيلية يتم تحجيم محتواها التداولي. وهو ما يجد سنده كذلك في فقه القانون العام المعاصر الذي يحذر من تحويل الالتزامات الدستورية الأصيلة للدولة تجاه المواطن، إلى مجرد رخص إدارية تخضع للسلطة التقديرية والتحكم الإجرائي.

وباستقراء الممارسة من الزاوية الشكلية-الإجرائية، يلاحظ أن النسق المؤسساتي يحرص على الاستيفاء الحرفي للمظاهر الديمقراطية عبر انتظام الاستحقاقات، وضمان التعددية الحزبية، وملاءمة الترسانة التشريعية مع مقتضيات وثيقة 2011. بيد أن الفحص المعياري لمخرجات “السياسات العمومية” يكشف عن انزياح لوظيفة الدولة؛ فبدل الارتقاء بالحقوق والحريات طبقا لمنطوق الفصل 31، وتأمين استمرارية المرفق العمومي كأداة للإنصاف المجالي تفعيلا للفصل 154، يتم الانتقال نحو مأسسة “تدبير الهشاشة”. ويتم ذلك عبر تقنيات الضبط الإجرائي، والفرز المحاسباتي الذي يُخضع المطالب الاجتماعية لمنطق الإكراهات الماكرو-اقتصادية.

وتأسيسا على هذا التكييف، ينهض النسق “الذلقراطي” كآلية منهجية لتفريغ القواعد الدستورية من حمولتها الإلزامية، عبر إخضاعها لمنطق إجرائي معقد يحول النص الدستوري إلى غطاء شكلي تتوارى خلفه نزوعات تحكمية. ويمكن رصد تجليات هذا المفهوم في الوقائع المؤسساتية التالية:

1. الحقوق الاجتماعية بين سمو الدستور والتعقيد الإجرائي: يزخر الدستور المغربي بفصول ذات حمولة اجتماعية متقدمة؛ غير أن تنزيلها يخضع لهندسة إجرائية تحد من جوهرها. ويعتبر ورش الدعم الاجتماعي المباشر تجسيدا واضحا لهذه المفارقة؛ ففي الوقت الذي تم فيه إقرار دعم مالي للفئات الهشة، تم رهن الاستفادة منه بالتسجيل في “السجل الاجتماعي الموحد”، وهو نظام يعتمد خوارزميات ومؤشرات سوسيو-اقتصادية آلية، تُسقط الحق الدستوري بمجرد توفر المرتفق على مؤشرات استهلاك بسيطة كتعبئة الهاتف أو الربط بشبكة الإنترنت.

وفي هذا الصدد، يؤسس هذا النهج لما يصطلح عليه بـ”الاستبداد الخوارزمي”، حيث تنتفي السلطة التقديرية والملاءمة الإنسانية للإدارة، وتُصادر عمليا ضمانات حق المواطن في الطعن الإداري والقضائي (المقرر بموجب الفصل 118 من الدستور) أمام جمود الآلة. وعلاوة على ذلك، يجد المواطن نفسه ملزما بتوجيه هذا الدعم لأداء مساهمات إجبارية لتمويل التأمين الأساسي عن المرض، مما يحول السياسة الاجتماعية التضامنية إلى أداة لإعادة التوظيف الجبائي، ويفرغ الحق المكتسب من محتواه الفعلي.

2. أزمة المساءلة واحتكار القرار العمومي: لئن ارتقى المشرع الدستوري بـ«ربط المسؤولية بالمحاسبة» إلى مصاف المبادئ المهيكلة ضمن الفصل الأول، وحظر كل أشكال تنازع المصالح بموجب الفصل 36، فإن الواقع العملي يفرز ظاهرة استحواذ الفاعلين الاقتصاديين على القرار العمومي، حيث تتداخل دائرة القرار التنفيذي مع المصالح الاستثمارية. ويتجلى هذا التداخل في تدبير الصفقات العمومية؛ فرغم خضوعها الشكلي لمبدأ المنافسة الحرة، يسجل الواقع الميداني استفادة شركات يملكها أو يساهم فيها فاعلون سياسيون يتقلدون مهام حكومية حساسة من صفقات كبرى، لاسيما في مجالات التدبير المفوض وقطاعات حيوية أخرى. وهذا ما يعتبره الفقه الإداري مساسا بمبدأ الحياد المرفقي وتفريغا للفصل 36 من قوته الإلزامية.

وفي سياق متصل، يعمد النسق إلى توظيف الباب الثاني عشر من الدستور المتعلق بمؤسسات الحكامة كواجهة مؤسساتية؛ فرغم إصدار هذه الهيئات، كمجلس المنافسة…، لتقارير ترصد اختلالات بنيوية وتواطؤات احتكارية، تظل مخرجاتها محدودة الأثر الزجري. وهو ما يؤكده جانب من الفقه الإداري حين يشير إلى أن وظيفة لجان المراقبة تقف غالبا عند حدود التشخيص الاستشاري دون أن ترقى إلى تفعيل المساءلة الجنائية، مما يطبع مع ظاهرة الإفلات من العقاب.

3. تهميش البرلمان وتغول “التقنوقراط”: رغم تنصيص الفصل 70 صراحة على اختصاص البرلمان في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، أفرزت الممارسة ما يصطلح عليه في فقه القانون البرلماني بـ”العقلنة البرلمانية المفرطة”، والتي أدت إلى انزياح مركز الثقل التشريعي نحو اللجان التقنوقراطية ومكاتب الدراسات الاستشارية، تحت ذريعة البحث عن النجاعة التقنية.

ونتيجة لذلك، تحولت المؤسسة التشريعية إلى مجرد غرفة للتسجيل والمصادقة. فقد أضحى التصويت على مشاريع القوانين بمثابة إجراء مسطري لاستيفاء الشكليات الدستورية قبل النشر في الجريدة الرسمية. وغالبا ما تكون هذه النصوص نتاج هندسة قبلية لفاعلين اقتصاديين ولوبيات استثمارية تكيف القاعدة القانونية لحماية مصالحها الخاصة. هذا الانحراف المؤسساتي يجعل التشريع مبتعدا عن كونه تعبيرا عن الإرادة العامة، ليصبح أداة لفرض الإذعان القانوني باسم الأغلبية العددية.

4. “القانونوية الإدارية” وعرقلة الحريات العامة: يكفل الفصل 29 من الدستور حريات الاجتماع والتأسيس، مؤسسا للانتقال من نظام الترخيص إلى نظام التصريح. غير أن الممارسة الإدارية تلجأ إلى ما يعرف بـ”القانونوية الإدارية”، أي الاستخدام الشكلي والمتعسف للإجراءات، كحجب وصولات الإيداع المؤقتة والنهائية عن الجمعيات، لعرقلة هذا الحق. وكما استقر على ذلك الاجتهاد القضائي الإداري المغربي في العديد من النوازل، فإن الإدارة غالبا ما تتجاوز سلطتها المقيدة لتمنح لنفسها سلطة تقديرية غير مشروعة (الشطط في استعمال السلطة)، مما يحول الحق الدستوري في التنظيم إلى منحة تخضع للمزاج الإداري، ويفرغ حرية الفعل المدني من محتواها.

5. أزمة التمثيلية وتراجع الوظيفة الديمقراطية للانتخابات: أمام هذه المعطيات مجتمعة، تفقد العملية الانتخابية المقررة بموجب الفصل 11 من الدستور قدرتها على أن تكون آلية فعلية للتداول على صناعة القرار. فبدل أن تشكل محطة لتقرير الاختيارات التنموية، تتحول إلى هندسة شكلية لتجديد النخب دون تجديد السياسات. إن إدراك الهيئة الناخبة لمحدودية سلطة الفاعل المنتخب، واحتكار التقنوقراط لصناعة السياسات العمومية، يُنتج حالة من العزوف الانتخابي العقلاني.

بناء على ما تقدم، يمكن استنتاج أن تفاقم ظاهرة الاستقالة السياسية وتراجع معدلات المشاركة الانتخابية ليسا مجرد تعبير عن لامبالاة مجتمعية، بل هما انعكاس مباشر لإدراك الهيئة الناخبة لهيمنة نسق «الذلقراطية». وغني عن البيان أن تجاوز هذه الأزمة الدستورية لا يتوقف عند حدود التعديلات النصية أو تجويد المساطر، بل يستوجب إحداث قطيعة منهجية مع “الدستورانية الشكلية” التي تشرعن النزوعات السلطوية، والانتقال الفعلي نحو “دستورانية مادية” تضع المركز القانوني للمواطن كغاية أسمى لأي تعاقد سياسي حقيقي.