مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، يبدو حضور الفنانين في النقاش العمومي المرتبط بالانتخابات محدودا، إذ فضل عدد كبير منهم عدم الخوض في القضايا السياسية أو الكشف عن مواقفهم من المرحلة السابقة والبرامج المعروضة، بينما اكتفى بعض من تفاعلوا مع أجواء الاستحقاقات بمحتوى كوميدي على منصات التواصل الاجتماعي، من دون الانخراط في نقاش سياسي مباشر.
وخلال محاولة “العمق” استطلاع آراء عدد من الفنانين حول الانتخابات والشأن العام، برز تحفظ واضح لدى غالبية من جرى التواصل معهم، إذ طلب بعضهم إعفاءه من الإجابة عن أسئلة تتعلق باختياراتهم الانتخابية أو تقييمهم للأداء السياسي، فيما فضل آخرون الحديث بشكل غير معلن، مع التشديد على عدم نشر تصريحاتهم، رغم إبداء بعضهم مواقف وانتقادات تجاه الوضع العام.
ولا يتعلق الأمر فقط بمسألة الإعلان عن الانتماء الحزبي أو دعم مرشح بعينه، بل يمتد إلى تجنب النقاش حول قضايا الشأن العام والبرامج السياسية ومدى تقييم الفنانين للمرحلة السابقة، في وقت يفترض فيه أن تشكل الانتخابات مناسبة للنقاش العمومي وتعدد المواقف، بما فيها مواقف الشخصيات المؤثرة في المجال الثقافي والفني.
وفي مقابل هذا الصمت، ظل حضور فئة محدودة من الفنانين عبر منصات التواصل الاجتماعي أقرب إلى التفاعل الساخر والكوميدي مع أجواء الانتخابات، دون أن يتحول في الغالب إلى نقاش حول البرامج أو السياسات. وهو ما يطرح سؤالا حول أسباب ابتعاد جزء واسع من الوسط الفني عن إبداء مواقف سياسية واضحة، وما إذا كان ذلك ناتجا عن التخوف من تبعات التعبير، أم عن ضعف الاهتمام بالشأن السياسي، أم عن تراجع الثقافة السياسية داخل الوسط الفني.
وفي قراءة لهذه الظاهرة، يرى الناقد الفني عبد الكريم واكريم أن غياب الفنانين عن النقاش السياسي لا يمكن تفسيره بعامل واحد، مشيرا إلى أن الخوف والتحفظ وغياب الثقافة السياسية كلها عوامل حاضرة بدرجات مختلفة.
وقال واكريم، في تصريح لـ”العمق”، إن حضور الفنانين والمثقفين في النقاش السياسي كان أكثر وضوحا خلال فترات سابقة، خصوصا في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كانت مواقف عدد من الفنانين تظهر إما في تصريحاتهم أو من خلال الأعمال التي ينجزونها.
وأوضح أن الموقف السياسي للفنان لا يشترط أن يأتي في شكل تصريح مباشر، إذ يمكن أن يتجسد أيضا في العمل الفني نفسه، سواء تعلق الأمر بفيلم أو مسرحية أو عمل إبداعي يعكس رؤية صاحبه تجاه المجتمع والقضايا التي يعيشها.
واستحضر واكريم، في هذا السياق، فيلم “حلاق درب الفقراء” للمخرج محمد الركاب، معتبرا أن العمل حمل موقفا واضحا، كما أشار إلى عدد من أفلام المخرج الراحل مصطفى الدرقاوي التي كانت -بحسبه- تتضمن مواقف ورؤى مرتبطة بالواقع السياسي والاجتماعي.
ويرى الناقد أن هذا الحضور تراجع خلال السنوات الأخيرة، ولم يعد مقتصرا على الفنانين وحدهم، بل شمل المثقفين أيضا، معتبرا أن “المثقف انسحب من الساحة السياسية”، وهو ما ساهم -بحسب قراءته- في إفراغ الساحة من الأصوات الثقافية والفنية التي كانت تتفاعل مع القضايا السياسية والاجتماعية.
وعن أسباب هذا التراجع، يوضح واكريم أن بعض الفنانين يفضلون الابتعاد عن السياسة تفاديا للدخول في نقاشات قد تكون لها انعكاسات على مسارهم المهني، خصوصا أن عددا من مجالات الفن ترتبط بالدعم العمومي الذي تقدمه الدولة للسينما والمسرح وغيرها من الفنون.
وأشار إلى أن هناك فنانين يمتلكون ثقافة سياسية وآراء واضحة، لكنهم يختارون عدم الإعلان عنها خوفا من عدم مطابقتها لمواقف بعض الجهات أو الأحزاب التي تحظى بحضور أو قرب من دوائر القرار، فيما توجد فئة أخرى لا تجمع فقط بين التحفظ والخوف من التعبير، وإنما تعاني أيضا -بحسبه- من ضعف الثقافة السياسية، وهو ما يجعلها أكثر ميلا إلى الابتعاد عن النقاش العام.
ولا يفصل واكريم بين هذا التحفظ وبين علاقة الفنان بجمهوره، إذ يرى أن الفنان الذي يمتلك رصيدا لدى المواطنين قد يتأثر بالطريقة التي يعبر بها عن مواقفه، خاصة عندما يختار الاصطفاف السياسي أو الإدلاء بتصريحات بشأن قضايا خلافية.
ويميز الناقد، في المقابل، بين مجرد امتلاك الفنان لرأي سياسي وبين توظيف حضوره للدفاع عن قضايا المجتمع، لافتا إلى أن الفنان يمكن أن يتخذ مواقف تجاه ما يعتبره مساسا بحقوق المواطنين أو بمصالحه، كما يمكن أن يختار الانخراط في العمل الحزبي والسياسي بشكل مباشر، غير أن لكل خيار تبعاته على علاقته بالجمهور.
واستحضر واكريم، في هذا الإطار، تصريحات حديثة صدرت عن بعض الفنانين المغاربة، معتبرا أن بعض الخرجات السياسية قد تكون “غير محسوبة”، وأن الفنان قد يخسر جزءا من رصيده لدى الجمهور عندما يتحول حضوره الفني إلى اصطفاف سياسي لا يحظى بقبول المتابعين.