منتدى العمق

إقصاء التلاميذ من النقل المدرسي في العالم القروي… عندما لا تكفي الأرقام لرؤية الواقع

مع بداية الموسم الدراسي 2026/2027، عادت معاناة عدد من الاسر في المناطق القروية باقليم وزان، وخاصة بجماعة زومي، مع تدبير الاستفادة من النقل المدرسي. وبينما تتجه الادارة نحو الرقمنة وتوحيد المعطيات واعتماد التسجيل الالكتروني، تجد بعض الاسر نفسها امام وضعية صعبة لم تكن تتوقعها، خصوصا عندما لا تنسجم المعطيات الادارية مع حقيقة العيش في الدواوير والمداشر.

لا احد يمكنه ان ينكر اهمية الرقمنة في تحسين الخدمات ومحاربة بعض اشكال التلاعب وضمان قدر اكبر من التنظيم والشفافية. لكن الرقمنة تبقى وسيلة وليست غاية. وعندما يتعلق الامر بالتعليم والنقل المدرسي، فان اي نظام مهما كان متطورا يحتاج الى ان يستحضر خصوصية المجال القروي، حيث المسافة ليست مجرد رقم، والطريق ليست دائما كما تظهر على الخريطة، والوصول الى المؤسسة التعليمية قد يتطلب ساعات من التنقل في ظروف صعبة.

في عدد من الدواوير، يعيش التلميذ على مسافة بعيدة عن مركز الجماعة او عن المؤسسة التعليمية، وقد تفصل بينه وبين المدرسة مسالك جبلية وطرق غير مهيأة. وفي المقابل، تعيش اسر كثيرة وضعية اجتماعية لا تسمح لها باداء تكاليف النقل بشكل يومي، ولا تملك ايضا القدرة على تحمل مصاريف الاقامة خارج الدوار.

وهنا تظهر المشكلة بشكل واضح.

عندما يجد تلميذ نفسه بين خيارين، اما النقل المدرسي او الاقامة في دار الطالب والطالبة، فان السؤال لا يتعلق فقط بطريقة التسجيل، بل بقدرة الاسرة على توفير البديل. فهناك اسر قد يكون النقل بالنسبة اليها ضرورة حقيقية، وليس مجرد خدمة اضافية يمكن الاستغناء عنها.

والاشكال الاكبر يبدأ عندما تتحول المعايير الادارية الى حواجز امام الاستفادة، دون ان تكون هناك امكانية كافية لشرح الحالات الخاصة وتصحيح المعطيات التي لا تعكس الواقع.

فالمنظومة الرقمية تعتمد على البيانات التي تدخل اليها، والبيانات بدورها تحتاج الى الدقة والتحيين. لكن الواقع القروي متحرك ومعقد، ولا يمكن دائما اختزاله في خانات محددة داخل نظام معلوماتي. المسافة الفعلية بين الدوار والمؤسسة، وضعية الطريق، طبيعة التضاريس، عدد افراد الاسرة، القدرة المادية، وغياب وسائل النقل العمومي، كلها عناصر ينبغي ان تؤخذ بعين الاعتبار عند تحديد الحاجة الحقيقية للنقل المدرسي.

ومن هنا يطرح عدد من الاسر سؤالا مشروعا: هل المشكلة في المنظومة نفسها، ام في طريقة ادخال المعطيات، ام في معايير الاستفادة، ام في طريقة تنزيل هذه المعايير على ارض الواقع؟

والحديث هنا ليس من اجل مهاجمة الرقمنة او التشكيك في اهميتها، بل من اجل التنبيه الى ضرورة جعلها في خدمة المواطن وليس العكس.
كما ان ربط الاستفادة من بعض الخدمات الاجتماعية بمعطيات رقمية موحدة يحتاج دائما الى آليات للمراجعة والاستدراك، لان الخطأ في معلومة واحدة قد تكون له نتائج كبيرة على اسرة كاملة، وقد يجد تلميذ نفسه خارج وسيلة النقل بسبب معطى لا يعكس وضعيته الحقيقية.

في العالم القروي، لا يمكن النظر الى النقل المدرسي باعتباره مجرد وسيلة لنقل التلاميذ من نقطة الى اخرى. انه جزء من الحق في الوصول الى المدرسة، ووسيلة لمحاربة الهدر المدرسي، خصوصا في المناطق التي تعرف تشتتا سكانيا وبعدا جغرافيا عن المؤسسات التعليمية.
لذلك، فان التعامل مع الحالات المتضررة ينبغي ان يتم بروح المسؤولية، من خلال الاستماع الى الاسر، ودراسة الحالات التي تبدو فيها المعطيات غير منسجمة مع الواقع، وفتح امكانية تصحيح المعلومات عند وجود ما يثبت ذلك.

المطلوب ليس الغاء المنظومة الرقمية ولا العودة الى طرق التدبير القديمة، بل الجمع بين التنظيم الرقمي والمعاينة الواقعية. فالرقمنة يمكنها ان تعطينا الارقام، لكنها لا تستطيع وحدها ان تخبرنا دائما كيف يعيش الناس خلف تلك الارقام.

وقد يكون الحل في خلق آلية واضحة لتلقي تظلمات الاسر، ودراسة الحالات الاجتماعية والجغرافية الخاصة، مع اشراك المتدخلين محليا في تحديد الحاجيات الحقيقية. كما ان تحديث المعطيات بشكل مستمر واعتماد معايير تراعي المسافة وظروف المسالك وعزلة الدواوير سيكون اكثر انسجاما مع خصوصية المجال القروي.

في النهاية، القضية لا ينبغي ان تتحول الى صراع بين الاسر والادارة، ولا الى بحث عن مسؤول نحمله كل الاخطاء. القضية اكبر من ذلك، لان الامر يتعلق بمستقبل تلاميذ قد تكون المسافة والفقر وظروف النقل سببا في ابتعادهم عن المدرسة.

الهدف من كل هذه المنظومات والبرامج هو خدمة المواطن وضمان تكافؤ الفرص. ولذلك، عندما تظهر حالة لا تنسجم فيها المعطيات الرقمية مع الواقع، ينبغي ان تكون هناك دائما نافذة للانصاف والتصحيح.

لان التلميذ الذي يعيش في دوار بعيد لا يمكن ان يكون اقل حقا في الدراسة من التلميذ الذي يسكن بالقرب من المؤسسة.

وفي المناطق القروية تحديدا، تبقى القاعدة بسيطة وواضحة: قبل ان نحكم على الواقع من خلال الشاشة، علينا ان ننظر الى ما يوجد خلف الشاشة.
فحين لا تستطيع المنظومة الرقمية رؤية الطريق والمسافة وظروف الاسرة، تصبح المعاينة الميدانية والاستماع الى المواطنين ضرورة، لا خيارا.
التعليم حق، والنقل المدرسي في المناطق النائية ليس امتيازا، بل وسيلة لضمان الوصول الى هذا الحق.