مقدّمة
تعيش الجالية المغربية في أوروبا وضعًا مركّبًا تتقاطع فيه الضغوط القانونية والاجتماعية مع أعطاب داخلية تضرب المؤسسات الدينية المغربية في العمق. وقد سبق لي أن تناولت هذا الموضوع في أكثر من مناسبة، محذّرًا من تراكم الخلل البنيوي داخل هذه الأجهزة، لكن ما دفعني اليوم إلى العودة للكتابة هو مشهد بسيط في ظاهره، بالغ الدلالة في عمقه: لوحة إشهارية جديدة لبهرجة من بهارج مجلس السيد شنضيض؛ لوحة تختصر كل شيء، وتكشف حجم الانفصال بين المؤسسة وواقع الجالية، وتؤكد أن العطب لم يعد حادثًا عابرًا بل أصبح بنية كاملة فقدت البوصلة.
فبينما تتزايد الحاجة إلى خطاب ديني رصين قادر على مواكبة السياق الأوروبي، تبقى هذه المؤسسات أسيرة أنماط اشتغال متقادمة، ورؤى متكلّسة، وتركيبة بشرية مغلقة لا تملك الأدوات العلمية ولا الكفاءات القيادية التي يتطلبها الواقع الأوروبي.
ومن هنا تأتي ضرورة تفكيك هذا العطب، والوقوف عند مظاهره كما تتجلى في المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة وغيره من الأجهزة الدينية المغربية في الخارج.
ما نراه اليوم داخل المؤسسات الدينية المغربية في أوروبا لم يعد مجرد خلل عابر أو سوء تدبير محدود، بل هو منظومة كاملة فقدت البوصلة، تشتغل بمنطق الصورة لا الرسالة، وبمنطق الوجاهة لا الخدمة، وتعيد إنتاج نفس الوجوه بنفس الخطاب وبلا أثر.
المجلس الأوروبي للعلماء المغاربة نموذج صارخ لهذا العطب البنيوي: جهاز بلا محاسبة، بلا شفافية، بلا تقييم، يستهلك المال العام في أنشطة استعراضية لا تُؤطّر الجالية ولا تحلّ مشاكلها ولا تحترم أولوياتها.
فمن يحاسب السي شنضيض على المال العام؟ لا أحد.
ومن يحاسب خليل مرون في أڤري؟ لا أحد.
ومن يحاسب مرشيش في مسجد محمد السادس؟ لا أحد.
ومن يحاسب الإمام المصري في تورينو؟ لا أحد.
ومن يحاسب آخرين يهدرون المال العام في مواقع أخرى لا يسمح المجال بذكرهم؟ لا أحد أيضًا.
فالمشكلة لم تعد في الأشخاص، بل في غياب منظومة محاسبة حقيقية، وفي تركيبة مغلقة تحمي نفسها بنفسها.
لكن جوهر الأزمة أعمق من هذه الوقائع؛ إنه يكمن في تركيبة المجلس البشرية وآليات اشتغاله.
فالتركيبة البشرية مغلقة، تُعيد تدوير نفس الأسماء منذ سنوات، بلا تجديد، بلا كفاءات جديدة، بلا دماء علمية أو أكاديمية قادرة على إنتاج خطاب يليق بالسياق الأوروبي.
وجوه تُعيَّن لأنها “مضمونة الولاء”، لا لأنها مضمونة الكفاءة؛ تُستدعى للواجهة لأنها تُجيد الظهور، لا لأنها تُجيد التأطير؛ تُكرَّس لأنها جزء من شبكة مصالح، لا لأنها جزء من مشروع ديني يخدم الجالية.
أما آليات الاشتغال، فهي امتداد طبيعي لهذه التركيبة:
قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، أنشطة تُنظَّم بلا رؤية، ميزانيات تُصرف بلا محاسبة، برامج تُعلن بلا أثر، وتواصلٌ بدائي لا يليق بزمن المنصات الرقمية ولا بحاجات الشباب.
إنّ مؤسسة تعمل بهذه الآليات لا يمكنها إلا أن تنتج خطابًا متكلّسًا، أداءً باهتًا، ومشروعًا دينيًا بلا وظيفة.
ويزداد العطب وضوحًا حين نرى الانفصال الكامل عن الواقع الأوروبي:
بينما تواجه الأسر المغربية في أوروبا تحديات الطلاق والحضانة والإرث وفق قوانين لا تشبه الفقه الإسلامي، وبينما يعيش الشباب أزمة هوية حادة، وبينما يعاني الموظف المسلم من معضلة صلاة الجمعة والصيام والحلال في المدارس والمستشفيات والسجون، ينصرف الخطاب الرسمي إلى نقاشات مدرسية ضيقة لا علاقة لها بالواقع، ويغرق في تفاصيل تراثية لا تُغني الجالية ولا تُعينها.
إنّ هذا الانفصال ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لغياب التكوين الأكاديمي المنهجي لدى بعض القيادات، ولغياب فقه الأولويات، ولعدم القدرة على قراءة السياق الأوروبي قراءة علمية تجمع بين الفقه والقانون وعلم الاجتماع وفقه الأقليات.
رئيس مجلس علمي ليس مجرد عالم يبحث ويدرّس، بل قائد مؤسسي يصنع سياسات ويرسم أولويات ويتحدث باسم مجتمع بأكمله. وعندما يُوضع في هذا الموقع من لا يملك الأدوات، تكون النتيجة ما نراه اليوم.
والعبث بلغ مداه حين يتحوّل مسجد مغربي بمال مغربي وجالية مغربية إلى منصة لإمام مصري يخوض في السياسة المصرية ويهاجم السيسي، وكأن المغاربة معنيون بصراع داخلي في مصر أو كأن مؤسسة مغربية مكلفة بالتدخل في الشأن السياسي المصري.
كيف يُعقل ألا نجد إمامًا مغربيًا واحدًا في بلد كامل، فنستورد إمامًا من دولة أخرى ليخطب في الناس بما لا يعنيهم؟
هذا ليس تأطيرًا دينيًا، هذا فقدان كامل للمعايير.
المشكلة ليست في الأشخاص بل في البنية نفسها: غياب المحاسبة، غياب الكفاءة، غياب الرؤية، وغياب آليات اشتغال حديثة وفعّالة.
أنشطة بلا أثر، ندوات بلا مضمون، أمسيات بلا وظيفة، جوائز بلا معنى.
كل هذا ليس سوى ديكور مؤسساتي يلمّع الواجهة ويُخفي العطب الحقيقي: جهاز ديني رسمي يعيش خارج الزمن وخارج الواقع وخارج حاجات الجالية.
والخلاصة التي يجب أن تُقال بحدة: المؤسسات الدينية المغربية في أوروبا تحوّلت إلى جهاز يستهلك المال العام بلا أثر، ويعيد إنتاج نفس الوجوه، بنفس الخطاب، بنفس الأعطاب، وبنفس آليات الاشتغال المتقادمة، بلا محاسبة ولا تقييم. وما نراه اليوم ليس نشاطًا دينيًا بل استعراضًا تنظيميًا جديدًا يُضاف إلى سجل طويل من البهرجة التي لا تُقنع أحدًا ولا تخدم أحدًا.
خاتمة
إنّ الأزمة التي تعيشها المؤسسات الدينية المغربية في أوروبا ليست أزمة أفراد، بل أزمة بنية كاملة فقدت وظيفتها الأصلية.
وما لم تُفتح هذه المؤسسات على المحاسبة والشفافية، وما لم تُجدّد تركيبتها البشرية وآليات اشتغالها، وما لم تُبنَ رؤيتها على حاجات الجالية لا على مصالح الأشخاص، فإنها ستظلّ تكرر نفس الأعطاب، وتنتج نفس الفراغ، وتترك الجالية تواجه تحدياتها وحدها.
لقد حان الوقت لطرح السؤال بصراحة:
هل نريد مؤسسات دينية تخدم الجالية، أم مؤسسات تخدم نفسها؟
وما لم يُطرح هذا السؤال بجرأة، ويُجاب عنه بوضوح، فإنّ العطب سيستمر، وسيظلّ المال العام يُستهلك بلا أثر، وسيظلّ الخطاب الديني المغربي في أوروبا خارج الزمن وخارج الواقع.