منتدى العمق

المقاطعة والعزوف: هل من تمييز؟

يستوقفني سؤال دائما، إنما منبعه الخلط البين بين مفاهيم، قد يكون بعضها مصدره الوعي، بينما الآخر مصدره اللاوعي، ألا وهو: هل مقاطعة الانتخابات يمكن أن تسمى كلها عزوفا أم تتخللها مواقف سياسية مبناها الوعي منعزلة بذاتها؟، وقد تجدد في ذاكرتي هذا السؤال بمناسبة اللحظة الانتخابية

على إثر ذلك أدعي التمييز، بحيث تعد المشاركة السياسية مفهوما أوسع، يشمل كل أشكال تدخل المواطن (متى تملك الوعي بمواطنته) في الشأن العام، والتي من ضمنها: الاحتجاج؛ التنظيم المدني؛ التقدم بالعرائض؛ المشاركة في النقاش العام؛ العضوية الحزبية؛ والمقاطعة كفعل سياسي…

بينما تعد المشاركة الانتخابية شكلا خاصا ومؤسسيا، ضمن نفس النسق والمنظومة القانونية، بحيث تُختزل في فعل التصويت أو الامتناع عنه ضمن إطار العملية الانتخابية، بعدم التصويت للون بعينه (أو دعنا نقول تقصد إلغاء الورقة الفريدة)، لا الامتناع عن الإدلاء به

ولعل الخلط بين المفهومين هو أصل الإشكال: فحين يُقاس المواطن بمعيار “هل صوّت أم لا؟” تُختزل مواطنته في اللحظة، بينما الأصل أننا أمام وحدة ضمن البنية

وبناء عليه، فالمقاطعة ليست ظاهرة متجانسة، فهناك العزوف السلبي الذي يتخذ شرعيته من العفوية: كفقدان الثقة؛ والشعور بانعدام الجدوى؛ واللامبالاة… بقطع النظر عن مدى فهم طبيعة النظام السياسي، بينما هناك المقاطعة الاحتجاجية، والتي تتخذ شكل رفض شروط الانتخاب أو المسألة الدستورية، ثم المقاطعة الاستراتيجية التي تنضبط لحسابات تكتيكية، يكون غرضها تقويض شرعية النظام، أو المقاطعة لانعدام التعددية السياسية… وقد تكون أنواع أخرى من المقاطعة

بالتالي، يمكن التمييز بين أشكال المقاطعة بمدى تحقق شرط الوعي السياسي بالفعل، من خلال الجواب على سؤال ما المغزى من فعل المقاطعة المنتهج؟

وبالتأسيس على سالف القول، يمكن طرح سؤال لماذا لا يمكن وصف كل مقاطعة بالعزوف؟

أولا: العزوف يفترض غياب الفاعلية، فهو حالة سلبية، تتخذ ذريعتها وتعبيرها عن لا مبالاة أو إحباط، بينما المقاطعة السياسية فعل إيجابي يحمل رسالة: “أنا حاضر لكن أرفض هذه المنظومة بشكلها الحالي”

ثانيا: السياق محدد لطبيعة الفعل ومعناه، فالمقاطعة في بلد يشهد انتخابات تنافسية حرة، قد يسمى عزوفا، لكن المقاطعة في بلد تُحسم فيه النتائج سلفا، أو أن شروط الانتخابات تفتقد للنزاهة والحرية، أو أنها ضمن إطار لا يسمح إلا بديمقراطية الواجهة، في سياق تنتفي فيه الديمقراطية الاجتماعية المعضدة لرفيقتها السياسية، قد تكون أرقى أشكال المشاركة السياسية

ثالثا: المقاطعون ليسوا جسدا واحدا، فمن يقاطع لأن شعاره أن “لا أحد يمثله ولا يثق في أحد”، ليس كمن يقاطع لأن “الانتخابات مسرحية” بالنسبة إليه، ولا هذين كمن يقاطع لأن “التصويت لا يغيّر شيئا” فيسلبه تأثيره، ولا ذلك بشبيه بمن يقاطع لأنه يريد تغيير النظام نفسه

نافلة القول، ليست كل مقاطعة عزوفا انتخابيا، فالمقاطعة مفهوم إشكالي يتداخل فيه النفسي بالسياسي، والبنية بالفاعلية، ولعل وصفها كليا بالعزوف تعسف معرفي، يلغي الدوافع السياسية، بل واختزال سياقي أداته المقص، يفصل الفعل عن ظرفه، وتطبيع سلطوي يستقصد الحائط القصير، فيحمل المواطن مسؤولية أزمة شرعية هي أصلا أزمة مؤسسات ونموذج

فالأدق علميا وعقليا، حسبما يفترض، هو التمييز بين أشكال المقاطعة وفق درجات الوعي، والفعل المصاحب، والسياق السياسي، لا إسقاط حكم واحد على المقاطعين ككتلة متجانسة، وما إن يفهم من يدعي كونه فاعل هذا التمييز، حتى يبدأ في العمل على توسيع دائرة الوعي، بحيث لا أعتقد أن هذا السعي مستقل عن تملك أداة تنظيمية، تنبني على تعاقد محركه الالتزام الأخلاقي بالفعل، لا بالشعارات والشكل، الفعل الذي يستقصد قبل الخطاب صنع دائرة التأثير وتوسيعها

أختمها بقولان: أحدهما لجون ماكسويل، الذي يقول: “القيادة هي التأثير لا أكثر ولا أقل”، بينما ثانيها لسقراط الذي يقول: “كيف أعلمه وهو لا يحبني”

محمد خليفة