منتدى العمق

المغرب يرفع التمثيل الدبلوماسي: من التطبيع إلى مأسسة النفوذ

 

  • مقدمة: التوقيت جزء من الرسالة

في السادس عشر من سبتمبر 1982، استيقظ العالم على إحدى أبشع مجازر التاريخ الحديث، مجزرة صبرا وشاتيلا، حيث أُبيد أكثر من 3000 مدني فلسطيني ولبناني أعزل خلال 72 ساعة من الإرهاب الممنهج تحت إشراف وقيادة جيش الاحتلال الصهيوني. واليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود، لا تبدو تلك الوحشية مجرد ذكرى مأرشفة، بل واقعاً حياً يتردد صداه في مشاهد الإبادة والتطهير العرقي اليومية في قطاع غزة والضفة الغربية.

​غير أن المفارقة السياسية الصادمة التي تستفز الضمير الإنساني والوطني هي أنه وفي ذروة هذا النزيف، وتحديداً في سبتمبر 2026، تُعلن الدبلوماسية الرسمية المغربية عن التوافق على الارتقاء بالعلاقات مع تل أبيب إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء عقب لقاء نيويورك، بالتوازي مع تحصينها باتفاقيات لحماية الاستثمار ومنع الازدواج الضريبي وتوسيع الرحلات الجوية.

​إن هذا التوقيت الصادم يتجاوز التعديل الشكلاني في البروتوكول الدبلوماسي، إذ يُمثل انتقالاً خطيراً من “علاقة ظرفية” إلى “مأسسة هيكلية شاملة” تهدف إلى إعادة تشكيل هوية المغرب، والمساس بأمنه القومي، وتفكيك نسيجه المجتمعي الأصيل الموحد حول خيار المقاومة ورفض التطبيع.

  • من «التطبيع» إلى «تطبيع التطبيع»

بدأت علاقة التطبيع، في نسختها الجديدة عام 2020 ضمن حزمة سياسية أوسع ارتبطت، وفق الوثيقة الثلاثية الموقعة آنذاك، باعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء ودعم مقترح الحكم الذاتي، إلى جانب استئناف العلاقات المغربية مع الكيان المحتل وتطوير التعاون الاقتصادي والرحلات الجوية.

لكن ما بدأ كقرار سياسي محدد أصبح، مع مرور الوقت، مساراً يتوسع عبر الاتفاقيات والزيارات والتبادلات والرحلات والاستثمارات والتعاون في مجالات مختلفة.

وهنا يظهر الخطر الحقيقي: التطبيع لا يرسخ دفعة واحدة، وإنما يتقدم بالتراكم.

اتفاقية تجر أخرى، وشراكة تفتح الباب لشراكة جديدة، ورحلات تجعل التواصل يومياً، واستثمارات تنشئ مصالح، وتقنيات تدخل إلى قطاعات حيوية، ثم تتحول العلاقة تدريجياً من قضية سياسية قابلة للنقاش إلى واقع اقتصادي ومؤسسي واجتماعي يصعب تفكيكه.

وهذا هو معنى “تطبيع التطبيع” أن يتحول التطبيع نفسه من موضوع يحتاج إلى تبرير سياسي وأخلاقي إلى أمر عادي لا يحتاج إلى تبرير، وأن يصبح الاعتراض على تمدده هو الاستثناء، بينما يصبح حضوره المتزايد هو القاعدة.

  • تهافت «الأطروحة البراغماتية»: كيف بدّدت أوهام التطبيع السيادة الأخلاقية للمغرب؟

طالما صاغ المدافعون عن مسار التطبيع مقولاتهم في قالب من “البراغماتية السياسية” الباردة والمصلحة الوطنية المجرّدة، واعدين بفتح قنوات اتصال مباشرة أقدر على حماية القدس وإسناد الصمود الفلسطيني، غير أن الاستقراء النقدي للواقع الميداني اليوم لا يترك مجالاً للمواربة، إذ يضع تلك الذرائع أمام اختبار «الحصيلة الصفريّة»، ليعرّي تهافت المقاربة برمتها عبر معطيات قاطعة.

فبينما تُسرع الدبلوماسية الرسمية المغربية الخطى لنزع الصفة الاستثنائية عن الاحتلال وشرعنة العلاقات معه، تمضي سلطات الاحتلال في التغيير الديمغرافي والمعماري القسري لمعالم القدس الشريف، عبر تصعيد الهدم والتهجير والاستباحة اليومية للمسجد الأقصى المبارك، وهو ما يقطع بوجود اختلال هيكلي يجعل مقولة “التبادلية السياسية” مجرد وهم تسويقي تُكذّبه الممارسات الميدانية.

إذا كانت القنوات المباشرة تمنح المغرب قدرة أكبر على التأثير، فأين تظهر هذه القدرة في حماية القدس؟ وأين تظهر في وقف التهجير والاستيطان؟ وأين تظهر في دفع الكيان المحتل إلى مراجعة سياساته تجاه الفلسطينيين؟

هذه ليست أسئلة أيديولوجية، وإنما معايير عملية للحكم على جدوى أي سياسة خارجية، ففي الوقت الذي تتجه فيه العلاقات المغربية مع الكيان المحتل نحو مزيد من المأسسة، توثق الأمم المتحدة استمرار الهجمات في غزة، بما يسبب خسائر بشرية وأضراراً مادية ونزوحاً إضافياً، كما وثقت أكثر من 1600 هجوم استيطاني في الضفة الغربية بين يناير وغشت 2026.

وعليه يصبح من المشروع القول إن البراغماتية سقطت في امتحان تبرير التطبيع، لأنه لم ينتج بالفعل أثراً ملموساً لصالح الحقوق الفلسطينية وإنما شكل يدا ممدودة وطوق نجاة لكيان مطارد عالميا بتهم “الإبادة الجماعية”.

  •  الأمن القومي المغربي يبدأ من البيانات والتكنولوجيا

أخطر ما يرافق الارتقاء بالعلاقات ليس السفارة فقط، وإنما احتمال انتقال العلاقة إلى قطاعات تمس البنية الاستراتيجية للدولة، فالأمن القومي في القرن الحادي والعشرين لم يعد محصوراً في الجغرافيا والحدود والسلاح، لقد أصبح يشمل الأمن السيبراني، والبيانات، والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والبنى الرقمية، والطاقة، والمياه، والتكنولوجيا الحساسة، والبنى التحتية الحيوية.

ومن ثم، فإن فتح هذه القطاعات أمام شراكات أجنبية يستوجب أقصى درجات الحذر والرقابة.

ونظرا للتفوق التكنلوجي والأمني السيبراني للكيان المدعوم عالميا بالخبرة وقواعد البيانات، فإن السؤال الأخطر يصبح: من يملك مفاتيح التكنلوجيا؟ ومن يستطيع تعطيلها؟ ومن يملك البيانات التي تمر عبرها؟

وهنا تتحدد إحدى أهم معارك السيادة في العصر الرقمي.

  •  أخطر التبعية هي تلك التي تبدأ باسم «التعاون»

كل اختراق استراتيجي لا يبدأ بالضرورة من بوابة أمنية، قد يبدأ من بوابة اقتصادية أو تقنية أو تجارية أو أكاديمية علمية.

شركة تدخل السوق، ثم تتوسع، وتقنية تدخل قطاعاً حساساً، ثم تصبح معياراً معتمداً، واستثمار ينشئ مصالح، ثم تتكاثر المصالح حوله، واتفاقية اقتصادية تنشئ التزامات، ثم تصبح مراجعتها مكلفة، وتعاون أكاديمي علمي يصبح تجسسا على الكفاءات وسعيا لتجنيدها.

وهكذا يمكن أن ينتقل القرار تدريجياً من مساحة الاستقلال إلى مساحة القيود. 

لهذا فإن حماية الأمن القومي لا تعني رفض التعاون الدولي، وإنما تعني رفض التعاون الذي ينتج تبعية استراتيجية.

والسؤال الذي ينبغي أن يسبق أي اتفاق جديد هو: هل يضيف هذا الاتفاق قدرة مستقلة للمغرب، أم يجعله أكثر اعتماداً على الخارج؟

هذه هي المعادلة التي يجب أن تحكم العلاقات في القطاعات الحساسة، أياً كان الطرف الخارجي.

  • الاتفاقيات الاقتصادية قد تجعل التراجع أكثر كلفة

رفع مستوى العلاقات إلى السفارات، بالتوازي مع اتفاقيات حماية الاستثمار ومنع الازدواج الضريبي وتوسيع الرحلات، يعني أن العلاقة لا تتجه فقط نحو مزيد من التمثيل السياسي، بل نحو مزيد من التشابك الاقتصادي.

والتشابك ليس محايداً سياسياً دائماً، فكلما ارتفعت الاستثمارات، واتسعت حركة الشركات، وتضاعفت المصالح الاقتصادية، ارتفعت كلفة أي قرار مستقبلي بمراجعة العلاقة.

وهنا يكمن أحد أخطر جوانب مأسسة التطبيع: أن يتحول القرار الذي كان قابلاً للمراجعة إلى شبكة مصالح تجعل المراجعة نفسها مكلفة.

فالسفارة تمنح العلاقة جذوراً سياسية، والاتفاقيات تمنحها جذوراً قانونية، والاستثمارات تمنحها جذوراً اقتصادية، والرحلات تمنحها جذوراً اجتماعية، والتكنولوجيا تمنحها جذوراً استراتيجية، وبعد ذلك يصبح اقتلاع العلاقة من سابع المستحيلات.

  • فلسطين ليست ملفاً في وزارة الخارجية

هنا تحديداً تسقط القراءة التقنية للتطبيع، ففلسطين بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع المغربي ليست ملفاً دبلوماسياً خارجياً يمكن فصله عن الوجدان الوطني، إنها قضية حاضرة في الوجدان والقلب والذاكرة والثقافة والمجتمع المدني والمظاهرات والوعي الشعبي الجماهيري.

ولهذا لا يمكن التعامل مع توسيع العلاقة مع الكيان المحتل باعتباره مجرد شأن بين دولتين، إنه قرار له أثر داخلي أيضاً، فالقرار الدبلوماسي يستطيع أن يفتح سفارة، لكنه لا يستطيع أن يغلق الذاكرة، ويستطيع أن يوقع اتفاقية، لكنه لا يستطيع أن يمحو صورة القدس والأقصى من الوعي الجمعي، ويستطيع أن يوسع الرحلات الجوية، لكنه لا يستطيع أن يلغي ارتباط أجيال مغربية بالقضية الفلسطينية.

ومن هنا فإن أي سياسة خارجية تتجاهل البعد المجتمعي لفلسطين تخاطر بتحويل ملف خارجي إلى مصدر إضافي للتوتر الداخلي.

  • «تطبيع التطبيع» يهدد النسيج المجتمعي

حين ينتقل التطبيع من المجال الدبلوماسي إلى الاقتصاد والسياحة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة والإعلام، فإنه لا يعود مجرد علاقة بين حكومتين، إنه يصبح حضوراً متزايداً في الحياة اليومية.

وهنا يجب التمييز بين أمرين: وجود علاقات رسمية من جهة، وتحول هذه العلاقات إلى نفوذ اجتماعي أو مؤسسي من جهة أخرى.

عادة، ليس كل تعاون اختراقاً، وليس كل شركة أداة نفوذ، وليس كل اتفاقية تهديداً للأمن القومي، لكن الدولة التي تريد حماية نفسها لا تنتظر ظهور الاختراق حتى تضع قواعد الحماية.

إنها تسأل مسبقاً عن حماية البيانات، والملكية الفكرية، والأمن السيبراني، وتعارض المصالح، والقطاعات الحساسة، والتعاون الأمني، والرقابة على الاستثمارات، ومنع أي اعتماد استراتيجي يمكن أن يقيد القرار الوطني مستقبلاً.

السيادة الحديثة أن تعرف ماذا يدخل مؤسساتك، ومن يملك مفاتيحه، وما الذي يستطيع التأثير فيه، خصوصا مع كيان طالت جرائمه العسكرية والتكنلوجية كل محيطه.

  •  القضية الفلسطينية هي أيضاً اختبار للموقف العربي

لا تكمن تداعيات التطبيع على فلسطين في عدد السفارات أو الاتفاقيات فقط، بل في الرسالة السياسية التي يحملها رفع مستوى العلاقات في لحظة استمرار المعاناة الفلسطينية.

فحين تتوسع العلاقات العربية مع الكيان المحتل بمعزل عن سلوك سلطاته في الأراضي الفلسطينية، ينشأ خطر سياسي واضح: فصل مسار التطبيع عن مسار الحقوق الفلسطينية، أي أن العلاقات يمكن أن تتقدم، والاستثمارات يمكن أن تتوسع، والرحلات يمكن أن تتكاثر، بينما تستمر في الجانب الآخر عمليات الإبادة والهدم والتهجير والعنف والاستيطان.

وهنا يطرح منتقدو التطبيع سؤالاً جوهرياً: إذا لم يعد مستوى العلاقات العربية مع الكيان المحتل مرتبطاً بسلوكه تجاه الفلسطينيين، فما الذي يبقى من ورقة الضغط العربية؟

إن فصل المسارين قد يحول التطبيع من أداة يُفترض توظيفها لتحقيق أهداف سياسية إلى غاية قائمة بذاتها.

  • لا ينبغي أن تتحول مكاسب الصحراء المغربية إلى شيك مفتوح للتطبيع

لا يمكن تجاهل السياق الذي رافق استئناف العلاقات المغربية مع الكيان المحتل سنة 2020، فالوثيقة الثلاثية آنذاك ربطت استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية بحزمة أوسع تضمنت الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء ودعم مقترح الحكم الذاتي، إلى جانب تطوير العلاقات الثنائية.

لكن الاعتراف الأمريكي، مهما كانت أهميته في الحساب الدبلوماسي المغربي، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر مفتوح لتوسيع العلاقة بلا حدود.

فالمصلحة الوطنية ليست صفقة واحدة تنتهي بتوقيعها، إنها منظومة متكاملة من السيادة والأمن والاستقلال الاقتصادي والتماسك الاجتماعي والقدرة على اتخاذ القرار.

وإذا كانت العلاقات مع الكيان المحتل قد ارتبطت في بدايتها بحسابات استراتيجية مغربية، فإن استمرار تعميقها ينذر بمخاطر كبيرة على مصالح المغرب وأمنه الاستراتيجي ونسيجه المجتمعي. 

  •  من «الارتقاء الدبلوماسي» إلى «مأسسة النفوذ»

هنا يصل النقاش إلى جوهره، إن الخطر الذي يحذر منه الرافضون للتطبيع ليس أن الكيان المحتل سيصبح موجوداً في المغرب غداً بطريقة مباشرة، وإنما أن تتوسع دوائر حضوره بصورة تدريجية عبر مؤسسات وشركات وتقنيات واتفاقيات وشبكات مصالح، بحيث يصبح وجوده جزءاً من بنية العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية.

وهذا ما يجعل مصطلح “مأسسة النفوذ” أكثر دقة من الجزم بوجود “اختراق”.

فالنفوذ لا يحتاج دائماً إلى السيطرة المباشرة، يكفي أحياناً أن يصبح الطرف الخارجي حاضراً في القطاعات التي يصعب الاستغناء عنها، عندها يصبح التأثير ممكناً حتى من دون تدخل مباشر.

وهذه هي النقطة التي تجعل الأمن القومي المغربي معنياً مباشرة بمسار التطبيع: كلما توسعت مجالات الاعتماد، اتسعت معها إمكانات التأثير.

  •  أخطر لحظة هي عندما يصبح التراجع أصعب من الاستمرار

يمكن للدولة أن تعيد النظر في علاقة دبلوماسية، لكن ماذا يحدث عندما تكون خلف تلك العلاقة شبكة من الاستثمارات والاتفاقيات والمصالح التجارية والرحلات والشراكات التقنية؟ هنا يصبح التراجع أكثر تعقيداً.

وهذه ليست مسألة عاطفية، بل قاعدة معروفة في العلاقات الدولية: التشابك يخلق مصالح مستفيدة من استمرار العلاقة، والمصالح المستفيدة ترفع كلفة تغييرها.

لذلك فإن السؤال الاستراتيجي ليس فقط: ماذا سنربح اليوم؟

بل أيضاً: ما الذي سنصبح غير قادرين على التخلي عنه غداً؟

إن الدولة التي تفكر في أمنها القومي على المدى الطويل لا تقيس العلاقات فقط بما تضيفه، وإنما أيضاً بما يمكن أن تسلبه من حرية المناورة مستقبلاً.

  •  السيادة لا تقبل أن تصبح فلسطين «كلفة جانبية»

لا ينبغي أن تتحول القضية الفلسطينية إلى كلفة جانبية في حسابات العلاقات الدولية، كما لا ينبغي أن يصبح الاعتراف بمكاسب سياسية معينة ذريعة لتعليق الأسئلة حول الكلفة الأخلاقية والسياسية والأمنية لتوسيع العلاقات مع الكيان المحتل.

فالمغرب يستطيع أن يطور علاقاته الدولية، وأن يبحث عن مصالحه، وأن يحمي قضاياه الاستراتيجية، لكن ذلك كله لا يلغي حق المجتمع في مساءلة خيارات السياسة الخارجية عندما تتصل بقضية مرتبطة بتاريخه وحاضرة بقوة في وجدانه.

والأهم أن الدفاع عن فلسطين لا يتناقض، في جوهره، مع حماية المصلحة الوطنية المغربية، بل إن أنصار هذا الموقف يرون أن الاستقلال الحقيقي في السياسة الخارجية يبدأ من رفض تحويل المصالح الآنية إلى تبعية استراتيجية طويلة المدى لكيان مدان عالميا.

  • خاتمة: السؤال «من يملك قرارنا غداً»

إن الاعتراض على مأسسة التطبيع مع الكيان المحتل ليس مجرد رد فعل عاطفي على مشاهد غزة، ولا مجرد سجال أيديولوجي حول العلاقات الدولية، إنه في جوهره نقاش حول السيادة.

السيادة على القرار السياسي، والسيادة على البيانات، والسيادة على التكنولوجيا، والسيادة على القطاعات الاستراتيجية، السيادة على الاقتصاد، والسيادة على القدرة على مراجعة التحالفات عندما تتغير الظروف.

وفي المقابل، فإن القضية الفلسطينية ليست مجرد بند في أجندة السياسة الخارجية المغربية، إنها قضية ارتبطت تاريخياً بالوعي الشعبي المغربي وعقيدته، وبالقدس التي تحتل موقعاً خاصاً في الوجدان المغربي.

ولذلك فإن توسيع العلاقات مع الكيان المحتل في لحظة تستمر فيها الهجمات والدمار والنزوح في غزة، بينما يتواصل العنف الاستيطاني والتهجير في الضفة الغربية، يضع السياسة المغربية أمام اختبار سياسي وأخلاقي واستراتيجي شديد الحساسية.

المشكلة، إذن، ليست في السفارة فقط، المشكلة فيما هو آت بعدها.

فالسفارة قد تفتح الباب، والاتفاقية قد تثبته، والاستثمار قد يوسعه، والتكنولوجيا قد تعمقه، والمصالح قد تحرس استمراره، حتى يصبح السؤال عن التراجع أصعب من السؤال عن الاستمرار.

وهنا ينبغي أن تكون البوصلة واضحة:

لا يجوز أن تتحول البراغماتية إلى تبعية، ولا أن يتحول التعاون إلى اعتماد، ولا أن يتحول الاعتماد إلى نفوذ، ولا أن يتحول النفوذ إلى قيد على القرار السيادي.

إن المصلحة العليا للمغرب لا تُقاس بعدد السفارات والاتفاقيات، وإنما بقدرته على حماية استقلال قراره، وصيانة أمنه القومي، وحماية نسيجه المجتمعي، والاحتفاظ بحرية المناورة أمام القوى الدولية، وفي الوقت نفسه عدم التخلي عن موقع القضية الفلسطينية في وجدانه ومواقفه.

فالسيادة الحقيقية ليست فقط أن تمتلك الدولة حق إقامة العلاقات، بل على أي أساس أخلاقي وسياسي أقامتها، وحق رفض ما يهدد استقلالها ويتعارض مع قناعات وتطلعات شعبها.