أود في البداية الى الإشارة أنني أحترم حق من له موقف مقاطعة الانتخابات التشريعية والمحلية بالمغرب بغض النظر عن مبرراته ودوافعه السياسية لهذا القرار، كما لا أنكر أنني كنت من أنصار مقاطعة الانتخابات التشريعية والمحلية بالمغرب، وأنني ساهمت، رفقة رفاق النهج الديمقراطي، في تفعيل هذا الخيار في الشارع والأحياء والأسواق الشعبية، وتعرضنا بسبب ذلك للتضييق والحصار والاعتداء والتصوير والتنكيل. وكان ذلك، بالنسبة إليّ، موقفاً سياسياً واعياً، لا مجرد عزوف عن الاقتراع. وكنت أكثر حماساً للمقاطعة خلال تجربة حركة 20 فبراير، حين تبنت الجموع العامة للحركة هذا الخيار، انطلاقاً من اعتقاد بأن العزوف الجماعي يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط تزعزع قواعد اللعبة وتفتح الطريق أمام تغيير سياسي أعمق. غير أن التاريخ السياسي لا يُقاس فقط بصواب النوايا، وإنما بقدرة الخيارات على إنتاج نتائج ملموسة. وقد أظهرت التجربة أن مقاطعة الانتخابات لم تُسقط المؤسسات، ولم تغيّر موازين القوى، ولم تُنتج بديلاً سياسياً، بينما استمر الاقتراع واستمرت المؤسسات واستمر الذين شاركوا في تحديد من يمثل المواطنين ومن يدبر الشأن العام.
المقاطعة حين تتحول إلى إخلاء للساحة
يتضح لي أن المشكلة اليوم ليست في حق المواطن في مقاطعة الانتخابات، فهذا حق سياسي لا جدال فيه، وإنما في تحويل المقاطعة إلى استراتيجية دائمة منفصلة عن ميزان القوى وعن القدرة على إنتاج بديل. فالانتخابات لا تتوقف لأن جزءاً من المواطنين قاطعها، والمؤسسات لا تختفي لأن نسبة المشاركة تراجعت، والبرلمان لا يظل شاغراً لأن الديمقراطيين قرروا عدم التصويت. الفراغ السياسي لا يبقى فراغاً؛ هناك دائماً من يملؤه. وحين تنسحب الفئات الأكثر وعياً وتنظيماً، فإن المجال يصبح أوسع أمام أصحاب المال والنفوذ والزبونية والوساطات الانتخابية، وأمام الانتهازيين والسماسرة ومن لا يمتلكون الحد الأدنى من المؤهلات السياسية والمعرفية الضرورية لتحمل مسؤولية التشريع والرقابة.
لا يعني ذلك أن كل منتخب نتيجة المشاركة انتهازي، ولا أن كل مقاطع للانتخابات عديم الجدوى السياسية. لكن الوقائع تفرض سؤالاً بسيطاً: إذا ترك أصحاب الكفاءة والوعي المؤسسات لمنطق المال والولاءات والشبكات الانتخابية، فمن يضمن ألا تتحول السياسة إلى مهنة مغلقة على محترفي النفوذ؟ لا يمكن أن نقاطع الانتخابات ثم نحتج على نوعية المنتخبين؛ ولا يمكن أن نترك البرلمان لمن نرفضهم ثم نشتكي من ضعف التمثيلية. إن مقاطعة الانتخابات، عندما تتحول إلى عزوف فردي أو جماعي غير مصحوب ببناء سياسي وتنظيمي بديل، قد لا تعاقب من نعارضهم بقدر ما تمنحهم مساحة إضافية للتحرك.
ومن هذه الزاوية، تبدو لنا إحدى حدود تجربة المقاطعة التي كنا نراهن عليها. لقد كنا نتصور أن رفض الانتخابات سيكشف أزمة الشرعية، وأن ضعف المشاركة سيضع النظام أمام مأزق سياسي. لكن الشرعية السياسية أعقد من نسبة المشاركة، والنظام الذي يمتلك مؤسسات وأحزاباً وأجهزة وموازين قوى لن يتغير بمجرد امتناع جزء من المواطنين عن التصويت. هنا أستحضر المفكر الإيطالي أنطوني غرامشي ، بغرض فهم أن الصراع السياسي لا يجري فقط في الشارع أو داخل المؤسسات، بل أيضاً في مجال بناء الوعي والقبول الاجتماعي والقدرة على تنظيم المجتمع. ومن دون بناء قوة اجتماعية وسياسية بديلة، تتحول المقاطعة من فعل احتجاجي إلى انسحاب من ساحة الصراع.
من خيار المقاطعة إلى سياسة المشاركة النقدية
لقد دفعتني التجربة، إذن، إلى مراجعة موقفي من الانتخابات، لا إلى التخلي عن موقفي النقدي من النظام السياسي أو من الأحزاب أو من حدود الديمقراطية التمثيلية. المشاركة ليست تزكية للنظام، كما أن التصويت ليس توقيع للشيك على بياض. وهنا الكثير من رفاق الحركة الطلابية من اتخذ قرار الانتماء لأحزاب مشاركة في لعبة السياسية بغض النظر عن مرجعياتها وهو ما يبين أنه يمكن أن تكون مشاركاً انتخابياً ومعارضاً سياسياً، ويمكن أن تدخل المؤسسة وأنت تعرف حدودها، ويمكن أن تصوت ضد حزب أو مرشح دون أن تتحول إلى تابع له. المشكلة تبدأ عندما نخلط بين المشاركة والاستسلام، كما كانت المشكلة تبدأ عندما نخلط بين المقاطعة والتغيير. ولنا في التجربة المتميزة للبرلماني اليساري عمر بلفريج نموذج للسياسي الشجاع والمجتهد والواعي بضرورة الفعل السياسي داخل المؤسسات، والذي عاينت فيه امتدادا لمدرسة عبد الرحيم بوعبيد .
إن المشاركة، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب، يمكن أن تكون مدرسة سياسية حقيقية إذا خرجت من منطق التصويت الموسمي إلى منطق المتابعة والمساءلة. أن تعرف من يمثل منطقتك، ماذا وعد، ماذا فعل، كيف صوت، ومن استفاد من قراراته؛ أن تقرأ القوانين والميزانيات والبرامج؛ أن تتابع النقاش العمومي؛ أن تربط السياسة بالعمل النقابي والجمعوي والطلابي والثقافي؛ أن تجعل من المنتخب موظفاً عمومياً تحت رقابة المجتمع لا زعيماً محلياً فوق المساءلة. بهذا المعنى، تصبح المشاركة فعلاً لتكوين المواطن السياسي، لا مجرد عملية تقنية لاختيار ممثلين.
وهنا تلتقي التجربة مع بعض الدروس الكلاسيكية في الفكر السياسي. فقد ربط جون ستيوارت ميل المشاركة السياسية بتكوين المواطن وقدرته على ممارسة الحكم على الشأن العام، بينما أبرز توكفيل أهمية المؤسسات المحلية في تعويد الناس على ممارسة الحرية والمسؤولية العامة. أما روزا لوكسمبورغ، فيمكن استحضار تجربتها الفكرية للتأكيد على أن الديمقراطية بالنسبة إلى اليسار ليست تفصيلاً ثانوياً ولا مجرد آلية انتخابية، وإنما فضاء للصراع والتعبئة والمبادرة الجماهيرية. والمغزى من ذلك كله أن الديمقراطية لا تُبنى بالغياب من السياسة، بل بتوسيع مجال الفعل السياسي والاجتماعي للجماهير.
من البرلمان إلى سؤال التغيير
لا ينبغي، مع ذلك، الوقوع في الوهم المعاكس: وهم أن دخول البرلمان أو الوصول إلى الحكومة يعني امتلاك السلطة. تجربة حزب العدالة والتنمية تقدم، في هذا السياق، درساً سياسياً مهماً. فقد تمكن الحزب من التقاط لحظة سياسية دقيقة، وقدم نفسه بديلاً عن أحزاب أرهقتها البيروقراطية والريع والزبونية، ووصل إلى تدبير الحكومة في سياق إقليمي بالغ التعقيد. لكن الوصول إلى الحكومة لم يؤد، في حد ذاته، إلى تغيير قواعد اشتغال النظام السياسي أو إلى تحويل ميزان القوى الاجتماعي. وهنا ينبغي التمييز بين إدارة المؤسسات وبين تغيير شروط اشتغالها.
لا يتعلق الأمر بمحاكمة حزب العدالة والتنمية أخلاقياً، ولا بتكرار لائحة أخطائه وقراراته غير الشعبية، وإنما باستخلاص الدرس: الانتخابات وحدها لا تغير النظام، والحكومة وحدها لا تغير المجتمع، والبرلمان وحده لا يصنع الديمقراطية. إن تغييراً حقيقياً يحتاج إلى قوة اجتماعية منظمة، وإلى أحزاب ديمقراطية، ونقابات مستقلة، وحركة شبابية حية، وإعلام حر، ومجتمع مدني قادر على الضغط والمراقبة، ومؤسسات منتخبة تخضع للمساءلة. هنا تصبح إحالة ماركس ضرورية لفهم العلاقة بين المؤسسات السياسية والبنية الاجتماعية والمادية التي تتحرك داخلها، كما يصبح استحضار لينين مفيداً من زاوية أخرى: السياسة ليست مجرد حضور في المؤسسات، وإنما تنظيم للقوى الاجتماعية وصراع من أجل موازين قوى جديدة.
وفي السياق المغربي، لا يمكن فصل هذا النقاش عن سؤال الحداثة السياسية كما طرحه عبد الله العروي، ولا عن نقد محمد عابد الجابري لبنية العقل السياسي العربي وآليات اشتغاله. والمطلوب ليس استحضارهما لإصدار حكم جاهز على الانتخابات التشريعية بالمغرب، وإنما الاستفادة من أسئلتهما حول الدولة والسلطة والعقل السياسي وشروط الانتقال من التقليد السياسي إلى بناء مؤسسات حديثة وفعالة. فالانتخابات بالمغرب لا تصبح ديمقراطية حقيقية بمجرد وجود صناديق الاقتراع؛ الديمقراطية تحتاج إلى مواطن حديث سياسياً، ومؤسسات قابلة للمساءلة، وقواعد واضحة للصراع، وثقافة سياسية لا تجعل من الزعيم أو المنتخب أو الحزب بديلاً عن المؤسسة والمجتمع.
لا نقاطع السياسة
لهذا لم يعد السؤال بالنسبة إليّ اليوم: نقاطع أم نشارك؟ السؤال الحقيقي هو: كيف نشارك دون أن نستفيد من تجارب الماضي؟ كيف ندخل المؤسسات التشريعية والجماعية دون أن نفقد استقلالنا؟ كيف نستخدم الانتخابات دون أن نجعل منها بديلاً عن النضال الاجتماعي؟ وكيف نحول المشاركة من مجرد تصويت إلى ممارسة مستمرة للرقابة والمساءلة والتنظيم؟
لقد فقدت المقاطعة، في نظري، كثيراً من جديتها السياسية عندما تحولت من أداة احتجاج ضمن استراتيجية أوسع إلى موقف قائم بذاته. أما المشاركة فلا ينبغي أن تتحول إلى عقيدة مقابلة. قد تكون المشاركة مفيدة حين توسع مجال التأثير والمساءلة، وقد تكون المقاطعة ذات معنى حين تكون جزءاً من معركة سياسية واضحة تمتلك أهدافاً وأدوات وقوة اجتماعية قادرة على ترجمتها إلى واقع. السياسة ليست طقساً ثابتاً، وإنما هي قراءة لموازين القوى واختيار للأدوات التي تخدم أهدافاً محددة.
لقد أخطأنا، ربما، حين اعتقدنا أن المقاطعة وحدها يمكن أن تغير قواعد اللعبة. لكن الخطأ الأكبر سيكون أن نكرر التجربة نفسها بعد أن كشفت حدودها. فإذا كان الديمقراطيون والتقدميون ينسحبون من الانتخابات، فإن السياسة لن تتوقف؛ ستستمر، وسيصعد آخرون، وسيجلس آخرون في البرلمان، وسيتخذ آخرون القرارات التي تمس حياة الجميع.
لذلك لا أدعو إلى التصويت الأعمى، ولا إلى تزكية الأحزاب، ولا إلى دفن النقد. أدعو إلى شيء أبسط وأكثر صعوبة: ألا نقاطع السياسة.
أن نشارك دون أوهام، ونصوت دون شيك على بياض، ونراقب من انتخبناه، ونحاسبه، ونحتج عليه، ونغيره عندما يفشل. أن ندخل المؤسسات دون أن نغادر المجتمع، وأن نبقى في الشارع حين تقتضي الضرورة، وأن نجعل من الانتخابات إحدى ساحات الصراع لا نهايته.
فإذا كانت «دار لقمان» ما زالت، في جوانب كثيرة، على حالها، فليس الحل أن نتركها بالكامل لمن يتقنون استغلال الفراغ. المطلوب هو تغيير موازين القوى التي تجعل إعادة إنتاجها ممكنة.فلا يكفي أن نرفض السياسة بشكلها الحالي والذي لا نختلف في تشخيص حالته المأزومة؛ علينا أن ننتزع من السياسة حقنا في صناعتها .