2- خصوصية إدارة الأحزاب المتنافسة لحملاتها الانتخابية
يمكن اعتبار إدارة الأحزاب لحملاتها الانتخابية في 2026 إحدى أبرز مظاهر اختلاف هذه الانتخابات عن سابقاتها. لكن الاختلاف لا يكمن فقط في الأدوات المستعملة، بل في طريقة بناء الحملة نفسها: من حملة انتخابية تقليدية تركز على المرشح والدائرة، إلى حملة أكثر مركزية ورقمية ومبنية على الرسالة والأرقام والصورة السياسية. فمن أبرز مظاهر هذا التحول في إدارة هذه الحملة الانتخابية التدشين الشخصي لرؤساء الأحزاب المتنافسة للحملات الانتخابية، وكذا اللجوء إلى آليات الرقمنة في إدارة الحملة الانتخابية، والتراشق اللفظي، وكذا برود انطلاق الحملة الانتخابية بالدار البيضاء.
2.1 شخصنة الحملات الانتخابية
إن تدشين رؤساء الأحزاب للحملات الانتخابية وتقديمهم للمرشحين في مختلف الدوائر والأقاليم يمثل إحدى أبرز سمات إدارة الحملة الانتخابية في تشريعيات 2026، ويمكن قراءته سياسيا بأكثر من مستوى.
– من الحملة المحلية إلى «الحملة الوطنية»
ففي الانتخابات التشريعية السابقة كان المرشح المحلي يحتل غالبا موقعا مركزيا في الحملة داخل دائرته الانتخابية من خلال علاقاته، وشبكته الاجتماعية وقدرته على تعبئة الناخبين. أما حضور رئيس الحزب لتدشين الحملة في عدة أقاليم وتقديم المرشحين، فيعني أن الحزب يحاول إضفاء طابع وطني على المعركة الانتخابية المحلية. فالمرشح لم يعد يقدم نفسه فقط باعتباره شخصا داخل الدائرة الانتخابية، وإنما باعتباره ممثلا لمشروع سياسي وطني يقوده الحزب. حيث يمكن اختصار هذا التحول في: من «المرشح الذي يقدم نفسه للناخب» إلى «الحزب الذي يقدم مرشحه للناخب».
وفي هذا السياق يتحول رئيس الحزب إلى «مُزك انتخابي» لمرشح حزبه. فحين يحضر الأمين العام أو رئيس الحزب شخصيا لتقديم مرشحيه، فإنه لا يقوم بمجرد نشاط بروتوكولي، بل يمنح المرشح شرعية رمزية إضافية تشير إلى أن «هذا هو مرشح الحزب، وهذه هي القيادة التي تقف وراءه».
وبذلك تصبح التزكية ذات مستويين: تزكية تنظيمية داخل الحزب تسمح للمرشح بالترشح، وتزكية انتخابية علنية يقوم بها رئيس الحزب أمام الناخبين. وهذا يرفع قيمة القيادة الحزبية في الحملة التي تقوم بنقل شعبية القيادة إلى المرشح، خصوصا عندما تكون هناك فجوة بين الحضور الوطني للحزب والحضور المحلي للمرشح.
فرئيس الحزب يمتلك رصيدا إعلاميا وشهرة أكبر من كثير من المرشحين، وبالتالي فإن حضوره يمكن أن يعمل كنوع من نقل الرصيد السياسي: رئيس الحزب ← الحزب ← المرشح ← الدائرة الانتخابية.
ومن هنا نفهم لماذا أصبح تدشين الحملة من طرف القيادة، ثم تقديم المرشحين، جزءا من صناعة الصورة الانتخابية لمرشحي جل الأحزاب. ولعل هذه الممارسة الانتخابية تعكس شخصنة متزايدة للحملة الانتخابية.
فالحزب الذي يريد أن يقول إن الانتخابات هي انتخابات برامج ومشاريع، خصوصا مع بروز البرامج المرقمة والأهداف الكمية، هو نفسه الذي يجعل رئيس الحزب حاضرا بقوة في تقديم هذه البرامج والمرشحين. وهكذا تلتقي ثلاثة عناصر: البرنامج المرقم + القيادة الشخصية + المرشح المحلي.
وهذا ينسجم مع ما لاحظناه في استعمال الأحزاب للأرقام، مثل وعود خلق فرص العمل. فالرقم لا يبقى مجرد هدف تقني في البرنامج الانتخابي للحزب، وإنما يحتاج إلى وجه سياسي يقدمه ويضمنه أمام الناخب.
لكن هذا لا يمنع من أن جولات رؤساء الأحزاب عبر الأقاليم تسمح كذلك بفرض قدر أكبر من المركزية الاتصالية تتمثل في رفع شعار موحد؛ وخطاب موحد؛ وأرقام موحدة؛ ورسائل انتخابية موحدة؛ وصورة موحدة للمرشحين؛ وتغطية إعلامية وطنية للنشاط المحلي.
وبالتالي يمكن القول إن إدارة الحملة أصبحت تقوم على صيغة مركزية صناعة الرسالة، ولا مركزية تنفيذ التعبئة. فالقيادة الحزبية تحدد الرسالة والصورة والأرقام، بينما يتولى المرشح والشبكات المحلية ترجمتها إلى أصوات داخل الدائرة الانتخابية.
غير أن هذه الظاهرة لا تشكل قطيعة مع الانتخابات السابقة. فرؤساء الأحزاب كانوا دائما يقومون بجولات انتخابية ويشاركون في الحملات الانتخابية لأحزابهم. لكن الجديد في انتخابات 2026 هو ارتفاع القيمة الاتصالية والسياسية لهذا الحضور، بسبب وسائل التواصل الاجتماعي والفيديو القصير.
فزيارة رئيس الحزب إلى إقليم لم تعد تنتهي بانتهاء التجمع؛ بل يمكن تحويلها إلى عشرات المقاطع والصور والرسائل التي تصل إلى ناخبين خارج الدائرة نفسها. لذلك فإن رئيس الحزب أصبح يؤدي وظيفتين في آن واحد: قائد تعبئة ميدانية ومنتج للمحتوى الانتخابي الرقمي.
وهذا يقربنا من مفهوم «الحملة الانتخابية الهجينة» التي تقوم على قيادة وطنية تتحرك ميدانيا، ومرشحين محليين، وشبكات تقليدية للتعبئة، ومنصات رقمية لإعادة نشر الحملة على المستوى الوطني.
ومن زاوية أعمق، يمكن القول إن انتقال رؤساء الأحزاب بين الأقاليم لتدشين الحملات وتقديم المرشحين يعكس انتقال الانتخابات المغربية تدريجيا من «انتخابات الدوائر» إلى «انتخابات الأحزاب»؛ حيث لا تختفي شخصية المرشح المحلي، لكنها تصبح أكثر ارتباطا بصورة القيادة الوطنية والحزب وبرنامجه.
– بن كيران وشخصنة حملة حزب العدالة والتنمية
عادة ما يقوم الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية منذ بداية حملة الحزب على نقل تحركات الأمين العام بن كيران بشكل مكثف، سواء من خلال مهرجاناته وخطبه وتحركاته الانتخابية. فانطلاق الحملة الانتخابية للحزب في 10 شتنبر 2026 ارتبطت بكلمة بنكيران وهجومه على حكومة أخنوش.
فبنكيران يمثل أقصى حالات «شخصنة الحملة». إذ إن بن كيران لا يحضر كأمين عام لحزب العدالة والتنمية فقط لتقديم البرنامج أو دعم المرشحين، بل هو نفسه جزء أساسي من الرسالة الانتخابية. فهو يجذب الجمهور إلى المهرجان؛ ويصنع العناوين الإعلامية؛ ويهاجم الخصوم السياسيين؛ ويدعو إلى التصويت؛ ويقدم الحزب باعتباره بديلا؛ ثم تنتقل كلمته إلى شبكات التواصل الاجتماعي.
أي أن المرشح المحلي يستفيد من حضور بنكيران، لكن بنكيران نفسه يصبح أحيانا أهم من المرشح في صناعة الحدث الانتخابي. وهذا يختلف عن حزب يستطيع أن يدير حملته من خلال البرنامج والمرشحين والهياكل المحلية حتى مع حضور رئيسه.
فبنكيران ليس مجرد أمين عام لحزب؛ إنه شخصية سياسية معروفة لها خطاب وأسلوب ولغة وسخرية وخصومات سياسية وذاكرة حكومية. ولذلك فإن حضوره يمكن أن يؤدي وظيفة لا يستطيع مرشح محلي عادي أداءها.
وهنا تتحول الحملة من: «صوتوا لمرشح العدالة والتنمية» إلى رسالة أقرب إلى: «صوتوا للمشروع الذي يمثله بنكيران والعدالة والتنمية». وهذا ما يجعل القيادة نفسها أداة انتخابية.
– شوكي وأخنوش وثنائية قيادة الحملة الانتخابية
يلاحظ خلال هذه الحملة الانتخابية لحزب التجمع الوطني للأحرار، المتصدر للحكومة، أن محمد شوكي هو رئيس الحزب رسميا منذ فبراير 2026، لكن عزيز أخنوش يظل أكثر حضورا في الحركية الانتخابية والميدانية للحزب. ففي افتتاح الحملة بمديونة يوم 10 شتنبر 2026، ظهر الاثنان معا، لكن الخطاب الانتخابي ظل مرتبطا بقوة بأخنوش وبالحصيلة الحكومية التي ترأسها.
وهذا يسمح بقراءة الظاهرة على ثلاثة مستويات:
– انفصال نسبي بين «رئاسة الحزب» و«القيادة الانتخابية»، فهذه ربما أهم خصوصية. ففي الحالة العادية يكون رئيس الحزب هو قائد الحملة الانتخابية. أما في حالة الأحرار في 2026 فنجد شيئا أقرب إلى الصورة الانتخابية التالية: شوكي = رئيس الحزب والمنظم السياسي للحملة، وأخنوش هو صاحب الحصيلة والوجه الانتخابي الأبرز.
وهذا يفسر لماذا لا يبدو انتخاب شوكي خلفا لأخنوش بمثابة انتقال كامل للزعامة الانتخابية. فالبرنامج الانتخابي الحالي يقدمه شوكي رسميا، وهو يتحدث عن «كرامة وفرص للجميع» و«مغرب 2031»، لكن أخنوش يظل حاضرا بقوة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن حصيلة الحكومة.
– أخنوش يتحرك باعتباره «صاحب الحصيلة» أكثر من كونه رئيس الحزب. وهنا تظهر خصوصية حزب التجمع. فالأحرار لا يخوضون انتخابات 2026 من موقع حزب معارض يريد تقديم بديل، بل من موقع حزب يقود الحكومة ويريد تجديد التفويض الشعبي لمواصلة مساره.
لذلك فإن أخنوش يمتلك شيئا لا يستطيع شوكي امتلاكه بنفس الدرجة: الرمزية الشخصية للحصيلة الحكومية خلال خمس سنوات. ولهذا يصبح حضوره الانتخابي منطقيا جدا. فإذا كانت الانتخابات استفتاء سياسيا جزئيا على حصيلة الحكومة، فإن الشخص الذي قاد الحكومة يصبح جزءا من الحملة، حتى وإن لم يعد رئيس الحزب.
وهذا يختلف مثلا عن بنكيران، حيث تتحرك الشخصية السياسية لأنها هي نفسها جزء من هوية المعارضة والخطاب السياسي للحزب.
– الأحرار يقدمون نموذجا لـ«ثنائية القيادة». فالتجمع الوطني للأحرار في انتخابات 2026 يدير حملته من خلال ثنائية أخنوش – شوكي. حيث يعطي شوكي الحملة شرعيتها التنظيمية والحزبية الجديدة، وأخنوش يعطيها الاستمرارية الحكومية والرمزية التنفيذية.
وعادة ما يترجم مرشحو هذا الحزب هذه الثنائية محليا داخل الدوائر الانتخابية التي تتمثل في الصورة التالية:
شوكي – الحزب، أخنوش – الحكومة والحصيلة، المرشح – الدائرة الانتخابية
وهذا يفسر أيضا لماذا يصعب اختزال حملة الأحرار في «شخصنة» واحدة؛ فهي ليست شخصنة شوكي، وإنما استثمار سياسي مزدوج لشخصية الرئيس الحالي وشخصية الرئيس السابق للحزب ورئيس الحكومة الحالي.
وقد يكون هذا في حد ذاته مؤشرا على أن التجمع لم يتحول بعد بالكامل من حزب أخنوش إلى حزب شوكي. فشوكي أصبح رئيسا للحزب، لكن الرصيد الانتخابي الذي يحتاج الحزب إلى تحويله إلى أصوات انتخابية ما زال مرتبطا بدرجة كبيرة بأخنوش وبالحصيلة التي تحمل اسمه.
وهنا تصبح انتخابات 2026 اختبارا حقيقيا: فهل يستطيع حزب الأحرار تحويل شرعية الحصيلة المرتبطة بأخنوش إلى شرعية حزبية مستقلة مرتبطة بشوكي؟ فإذا نجح الحزب، سيكون ذلك انتقالا من «حزب القائد» إلى «حزب المؤسسة». وإذا ظل أخنوش هو الوجه الأكثر حضورا في الحملة، فيمكن القول إن الانتقال التنظيمي سبق الانتقال الرمزي والانتخابي.
وهذه النقطة تجعل مقارنة أخنوش/شوكي مع بنكيران مثيرة جدا: بنكيران يقود الحزب والرسالة والشخصية في الوقت نفسه، بينما الأحرار في 2026 يفصلون بين رئاسة الحزب وبين الشخصية التي تحمل أكبر رصيد انتخابي للحملة.
– لقجع كواجهة انتخابية لحملة حزب الأصالة والمعاصرة
تتجاوز تحركات فوزي لقجع خلال حملة البام في انتخابات 23 شتنبر 2026 الدور التقليدي لعضو انضم مؤخرا إلى المكتب السياسي للحزب أو لمرشح انتخابي. بل تقترب من دور واجهة انتخابية وطنية للحزب.
ففوزي لقجع يتحرك كـ«رجل حملة» أكثر منه كمرشح محلي. إذ منذ بداية الحملة، لم يحصر لقجع تحركه في دائرته ببركان، خاصة وأنه لم يترشح فيها، بل ظهر في محطات حزبية متعددة: مراكش، الدار البيضاء، الداخلة وغيرها، إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري وقيادات الحزب. ففي الداخلة مثلا قاد وفدا قياديا للحزب في محطة انتخابية جهوية قبل انطلاق الحملة الرسمية.
وهذا يعطي تحركاته طبيعة وطنية، خلافا للمرشح الذي يركز أساسا على تعبئة ناخبي دائرته.
كما يتحرك حاملا «أرقام البرنامج». وهذه ربما أهم خصوصية في أدائه. فلقجع لا يقدم نفسه فقط باعتباره سياسيا يخاطب الناخبين، بل باعتباره تقنيا وخبيرا في المالية العمومية يحول البرنامج إلى أرقام وتكاليف ومصادر تمويل.
ففي أكادير مثلا قدم تصور البام بتكلفة تبلغ 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، بمعدل 70 مليار درهم سنويا، مع محاولة شرح كيفية التمويل دون زيادة الضرائب.
وبالتالي يمكن القول إن لقجع أصبح في الحملة «المترجم المالي» لبرنامج البام. فحضور لقجع يعطي هذه الأرقام وجها وشخصية وصوتا. بمعنى أن الحزب لا يقول فقط: سنخلق فرص عمل أو سنستثمر كذا، وإنما يظهر لقجع ليشرح: كم؟ كيف؟ وبأي موارد؟ وهذا يحول البرنامج من وثيقة حزبية إلى «عرض سياسي مشخصن».
بالإضافة إلى ذلك، يقوم لقجع أيضا بدور «المهاجم» الانتخابي. فتحركاته ليست تقنية فقط؛ ففي مراكش ثم الدار البيضاء رفع مستوى المواجهة مع الحكومة، منتقدا حصيلتها ومستخدما شعار «تغيير المسار» باعتباره مدخلا للتغيير الحكومي.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: لقجع عضو في الأغلبية الحكومية ووزير فيها، لكنه يتحرك انتخابيا باعتباره أحد الأصوات التي تدعو إلى تغيير المسار الحكومي.
وهذا يمنح البام إمكانية بناء خطاب انتخابي يقوم على ما يلي: «نحن جزء من التجربة الحكومية، لكننا نريد تصحيح مسارها وقيادتها بطريقة مختلفة».
وبالتالي، فدخول لقجع إلى الحملة الانتخابية يخلق، عمليا، مركز ثقل شخصيا جديدا داخل الحزب، من دون أن يعني ذلك إلغاء القيادة الجماعية.
لذلك يمكن وصف تحركاته بأنها «حملة داخل الحملة». فالبام يخوض حملة جماعية، لكن لقجع يخوض داخلها حملة شخصية ذات وظيفة حزبية وطنية تتمثل في شرح برنامج الحزب، والدفاع عن أرقامه، ومهاجمة خصومه، واستقطاب فئات جديدة للانضمام إلى الحزب.
فخصوصية لقجع خلال هذه الحملة ليست فقط في كثرة تحركاته، وإنما في نوع الوظيفة السياسية التي يؤديها داخل الحملة. فهو يتحول من مجرد عضو جديد في البام إلى «واجهة البرنامج الانتخابي» و«رجل الأرقام» و«المهاجم الانتخابي» و«الوجه الوطني» للحزب في آن واحد.
وهذا ما يجعل استقطابه مفهوما في إطار رهان البام على شخصنة البرنامج والأرقام، وعلى تحويل الكفاءة التقنية إلى رأسمال انتخابي وشعبية سياسية.
2-2 رقمنة الحملة الانتخابية
إن الفارق الأكثر وضوحا الذي يميز هذه الحملة الانتخابية عن الحملات الانتخابية السابقة هو اللجوء إلى وسائل الرقمنة. فلم تعد الحملة تعتمد أساسا على: المهرجان والملصق والجولة الميدانية والخطاب. بل أصبحت تعتمد على:
الفيديو القصير → فيسبوك/إنستغرام/تيك توك → إعادة النشر → التعليق والسخرية → صناعة صورة المرشح.
وبالتالي أصبحت الأحزاب تدير الحملة على مستويين في الوقت نفسه: حملة ميدانية محلية للحصول على الأصوات، وحملة رقمية وطنية لصناعة الصورة والرسالة.
ففي السابق كان السؤال الأساسي: ماذا يقول المرشح للناخب؟ أما الآن فأصبح سؤالا آخر مهما: كيف سيظهر المرشح أمام الكاميرا وكيف سيعاد تداول صورته؟
ولهذا أصبحت طريقة الكلام، الملابس، الحضور الجماهيري، المصافحة، الرقص، المزاح، وحتى لحظات الخطأ أو السخرية، كلها يمكن أن تتحول إلى مادة انتخابية.
وهذا يجعل الانتخابات الحالية أقرب إلى حملة سياسية مستمرة على مدار اليوم، وليس مجرد لقاءات انتخابية محددة.
وبالتالي، أصبحت الحملة أكثر اعتمادا على «الفرجة السياسية». فالرقص، والموسيقى، والبندير، واللباس المحلي، والصور الجماعية، والفيديوهات الطريفة، والتفاعل مع الجمهور… لم تعد مجرد مظاهر جانبية، وإنما أصبحت جزءا من استراتيجية التواصل الانتخابي.
بمعنى أن الحزب يحاول ألا يقدم نفسه فقط باعتباره مؤسسة سياسية، بل باعتباره مشهدا سياسيا قابلا للتصوير والمشاركة الرقمية.
وهنا تلتقي الحملة الرقمية مع ما يمكن تسميته «فرجة الانتخابات». فإذا كانت الحملات الانتخابية السابقة تقوم أساسا على تعبئة الناخب داخل الدائرة الانتخابية، فإن حملات 2026 تجمع بين تعبئة الناخب محليا وصناعة رأي انتخابي وطنيا عبر الإعلام الرقمي.
وبالتالي أصبحت إدارة الحملة في 2026 تقوم على أربعة عناصر متداخلة: البرنامج المرقم، والقيادة الشخصية، والتعبئة الميدانية، والفرجة الرقمية.
وهذا يجعل الحملة الانتخابية أكثر احترافا من حيث إدارة الصورة والرسالة، لكنه لا يعني بالضرورة أنها أصبحت أكثر مضمونا سياسيا؛ فقد تتحول كثافة الصور والفيديوهات والأرقام إلى تعويض عن ضعف الاختلاف الأيديولوجي والبرنامجي بين الأحزاب.
لكن لا ينبغي أن يؤدي تركيز الأحزاب المتنافسة على آليات الرقمنة إلى الاعتقاد بأن الحملة القديمة اختفت. ففي الدوائر القروية خصوصا، تستمر أهمية: الأعيان والعلاقات الشخصية والأسواق الأسبوعية والتجمعات والعائلة والشبكات المحلية والتعبئة يوم الاقتراع.
لذلك فإن خصوصية 2026 ليست أنها استبدلت الحملة التقليدية، وإنما أنها أضافت إليها طبقة رقمية وإعلامية قوية.
3-2 التراشق اللفظي والشخصي بين قيادات الأحزاب
يمكن اعتبار التراشق اللفظي والشخصي بين قيادات الأحزاب من سمات الحملة الانتخابية لسنة 2026، لكن الأهم هو فهمه باعتباره تحولا في طبيعة التنافس من صراع بين البرامج إلى صراع بين الأشخاص حول البرامج والحصيلة.
ويظهر هذا بوضوح في المواجهة بين عبد الإله بنكيران وعزيز أخنوش. فقد تصاعدت لهجة بنكيران تجاه أخنوش إلى انتقادات شخصية وسياسية حادة، ووصلت في أواخر غشت إلى التلويح بالمساءلة القضائية والسجن.
كما أن هذا النوع من المواجهة ليس جديدا تماما في السياسة المغربية؛ فقد شهدت مرحلة 2016–2017 أيضا مواجهات كلامية مباشرة بين الرجلين.
«تتجه الحملات الانتخابية لسنة 2026 نحو شخصنة متزايدة للتنافس الحزبي، إذ لم تعد المواجهة تجري فقط بين البرامج والمرشحين، وإنما بين قادة الأحزاب أنفسهم، من خلال تراشق لفظي وشخصي يحول الخصومة السياسية إلى جزء من الفرجة الانتخابية ويجعل شخصية القائد، مثل البرنامج والرقم والصورة، موردا من موارد التعبئة الانتخابية».
فهناك ثلاثة تحولات مهمة تميزت بها هذه الحملة:
أولا: شخصنة الخصومة السياسية، إذ لم يعد الخطاب يقول فقط: «برنامجنا أفضل من برنامج الحزب الآخر»، بل يصبح: «قيادة هذا الحزب فشلت». و«هذا الشخص مسؤول عن الوضع» و«هذه القيادة تمثل الماضي أو الفشل أو التحكم»، مما يجعل الشخصية السياسية نفسها موضوعا انتخابيا.
ثانيا: تحويل الخصم إلى «شخصية انتخابية»، حيث إن مهاجمة الخصم قد تزيد حضوره الانتخابي. فأخنوش مثلا يصبح حاضرا بقوة في خطاب بنكيران حتى عندما يكون بنكيران بصدد تقديم برنامجه هو. وهكذا تنشأ ثنائية:
بنكيران ↔ أخنوش بدلا من: PJD ↔ RNI.
وهذا مهم جدا لأن التنافس يتحول من تنافس مؤسسات حزبية إلى مواجهة بين شخصيات سياسية.
ثالثا: تضخيم وسائل التواصل للتراشق الشخصي. فالعبارة الحادة أو السخرية أو الاتهام الشخصي أصبحت مادة انتخابية بحد ذاتها. فخطاب يستغرق ساعة يمكن اختزاله في مقطع من 30 ثانية، ويعاد نشره خارج سياقه. فالخصومة لا تكتفي بإقناع الناخب؛ إنها تنتج مشهدا انتخابيا.
لكن هناك فرق بين الأحزاب. فليس كل حزب يحتاج إلى التراشق بنفس الدرجة. فهناك أحزاب تجعل الحملة تتمحور حول البرنامج والأرقام والحصيلة، وأخرى تستفيد أكثر من الصدام بين القيادات.
حيث يمكن تصور ثلاثة أنماط:
النمط محور الحملة
حملة البرنامج: الأرقام، الوعود، المشاريع
حملة الحصيلة: ما أنجزته الحكومة
حملة المواجهة: مهاجمة الخصم وقيادته
والأكثر إثارة في الحملة الانتخابية لتشريعيات 23 شتنبر 2026 هو أن هذه الأنماط تتداخل: فالبرنامج يعطي الأرقام، والقيادة تعطيه وجها، والتراشق يعطيه الإثارة والانتشار. لكن يمكن القول إن التراشق اللفظي داخل أحزاب الأغلبية الثلاثة في حملة انتخابات 23 شتنبر 2026 تركز أساسا بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، بينما يبدو حزب الاستقلال أكثر ابتعادا عنه.
فقد عكست تطورات الحملة الانتخابية أن الأحرار والبام هما الثنائي الأكثر اصطداما، لأن المنافسة بينهما ليست فقط على الأصوات، وإنما على من يملك حق قيادة المرحلة الحكومية المقبلة.
فهما شريكان في الحكومة الحالية، لكنهما تحولا خلال الحملة إلى منافسين مباشرين على المرتبة الأولى والثانية وعلى قيادة الأغلبية المقبلة.
لذلك أصبح نقد أحدهما للآخر يحمل ضمنا سؤالا: من يتحمل مسؤولية الاختلالات التي عرفتها هذه الولاية؟ ومن يمتلك الأهلية لقيادة المرحلة المقبلة؟
فكلاهما يريد تقديم نفسه باعتباره قوة حديثة، قادرة على التدبير، ولها حضور قوي داخل مؤسسات الدولة والحكومة.
وبالتالي فالمنافسة بينهما ليست منافسة «هوية» بالمعنى التقليدي، كما كان الحال بين اليمين واليسار، وإنما هي منافسة على الكفاءة في التدبير؛ والإنجاز الحكومي؛ واستقطاب الأعيان والمنتخبين؛ والأرقام والوعود الاقتصادية؛ والقدرة على قيادة الحكومة المقبلة. وهذا ما يجعل الصراع الشخصي واللفظي أكثر احتداما.
أما حزب الاستقلال، وإن كان لا يغيب عن المنافسة، لكنه يرفض إلى حد كبير الدخول في منطق المبارزة الكلامية مع شريكيه بحكومة أخنوش. الشيء الذي أشار إليه أحد قياديي الحزب، عبد الجبار الراشدي، الذي قال صراحة في 13 شتنبر إن الحزب «لا يثير الكثير من الضجيج»، وإنه لا يريد الانجرار إلى نقاشات سياسية لا تقدم أجوبة عن انتظارات المواطنين، مؤكدا أن الحزب يدافع عن أفكاره وبرنامجه.
وهذا الموقف يتطابق مع خطاب الأمين العام نزار بركة عند تقديم البرنامج الانتخابي للحزب، حيث ركز الحزب على الأسرة، والقدرة الشرائية، والخدمات العمومية، ومحاربة الفساد والريع والسيادة، بدل جعل الحملة مواجهة شخصية مع مكونات الأغلبية.
وقد يفسر تصرف هذا الحزب بهذه الطريقة تموقعه في وضعية وسطية. فهو ليس حزبا معارضا يستطيع أن يقول إن هذه الحكومة فاشلة ونحن البديل. وفي الوقت نفسه ليس الحزب القائد للحكومة حتى يستطيع أن ينسب لنفسه وحده إنجازات هذه الحكومة.
فهو شريك فقط في الحكومة إلى جانب الأحرار والبام. ولذلك فإن دخوله في حرب كلامية معهما قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث إذا هاجم الحكومة، فإنه يهاجم جزءا من الحكومة التي شارك هو نفسه في تدبيرها.
لذلك اختارت قيادة حزب الاستقلال «المسافة الآمنة» التي تضمن المنافسة دون القطيعة، والنقد دون التراشق، والتميز دون نسف الأغلبية. مما قد يخدمه أيضا لما بعد 23 شتنبر.
فإذا احتاجت النتائج إلى إعادة تشكيل أغلبية، فإن الاستقلال لا يريد أن يكون قد أحرق جسوره مع الأحرار أو البام خلال هذه الحملة.
فالتراشق الانتخابي قد يكون مفيدا لجذب الانتباه، لكنه مكلف في مرحلة ما بعد الانتخابات، خصوصا بالنسبة لحزب يعرف أنه قد يكون جزءا من أي صيغة حكومية مقبلة.
وهكذا تتميز الحملة الانتخابية لأحزاب الأغلبية بتفاوت واضح في درجة الصدام السياسي؛ ففي الوقت الذي تحولت فيه المنافسة بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة إلى تراشق حول المسؤولية والإنجاز والاستقطاب الانتخابي، اختار حزب الاستقلال استراتيجية أقل صدامية، تقوم على التمايز البرنامجي والاحتفاظ بمسافة من الصراع بين شريكيه، وهو ما يرتبط بوضعه المزدوج كشريك في الحكومة ومنافس انتخابي لهما في الوقت نفسه.
وهذا يجعل حزب الاستقلال أكثر الأحزاب الثلاثة استفادة من عدم التراشق: فهو يترك الأحرار والبام يستهلكان جزءا من رصيدهما السياسي في المواجهة، بينما يقدم نفسه باعتباره «الخيار الهادئ» داخل الأغلبية.