تجدر الإشارة، بداية، إلى أنه كلما اقترب موعد الانتخابات ببلادنا، يتغير المشهد السياسي بصورة ملفتة للنظر، حيث الوجوه التي كانت بعيدة تصبح قريبة، والمرشح الذي كان غائبا يحضر فجأة، والوعود تتناسل، واللقاءات تتكاثر، والخطب السياسية تستعيد بريقها وتؤكد على حيويتها، كأننا أمام موسم جديد لجني محصول انتخابي اسمه “الأصوات”. لكن، ماذا يحدث بعد انتهاء هذا الموسم؟
هنا، تبدأ المشكلة التي نريد أن نلفت الانتباه إليها من زاوية مختلفة. فالانتخابات، من الناحية القانونية والسياسية، ليست مجرد لحظة اقتراع؛ إنها آلية لإنتاج التمثيل والتفويض والمساءلة. أما إذا أصبح حضور المرشح موسميّا، وحضور الناخب مطلوب أساسا يوم الاقتراع؛ فإننا سنصبح دائما أمام علاقة سياسية ستبدأ بقوة ولكنها سرعان ما ستنتهي بكل ضعف.
ومن هنا نطرح سؤالنا المركزي: هل يمكن أن ننتقل من التفكير في الانتخابات باعتبارها موسما لجني الأصوات إلى التفكير فيها باعتبارها علاقة سياسية مستدامة، تتشكل عبر الزمن، وتتأثر بالمكان، وتصنعها خبرات الإنسان وذاكرته؟
إننا لا نقصد بـ “موسمية الانتخابات” مجرد قصر مدة الحملات الانتخابية، فهذا أمر طبيعي ومحدد قانونا؛ وإنما، نقصد موسمية العلاقة السياسية بين الناخب والمنتخب: اقتراب قبل التصويت، تعبئة، تصويت، فوز، ثم تراجع في التواصل، إلى أن يحين موسم انتخابي جديد!
وهنا، تحديدا، المفارقة الكبيرة، حيث نقترح أن ننظر إلى الظاهرة من خلال المقاربة الجيلية، التي لا تقرأ السلوك السياسي باعتباره نتيجة للحظة الراهنة فقط، بل تربطه بتفاعل عناصرها الثلاثة الأساسية: الزمان والمكان والإنسان. فالجيل، من المنظور السوسيولوجي، لا يتحدد بالعمر وحده، وإنما بالموقع المشترك داخل تجربة تاريخية واجتماعية معينة؛ وهو ما يجعل مفهوم الجيل عند عالم الاجتماع المجري الألماني كارل مانهايم KARL MANNHEIM مرتبطا بالموقع الاجتماعي-التاريخي وبإمكانات التجربة المشتركة.
أما عالم السياسة الأمريكي رونالد إنغلهارت RONALD INGLEHART فقد أبرز أثر الخبرات التكوينية في السنوات المبكرة في تشكيل القيم والأولويات السياسية، بما يسمح لنا بفهم الاختلاف بين الأجيال لا باعتباره اختلافا في السن فقط، وإنما اختلافا في التجربة والقيم والتوقعات أيضا. وعليه، نتساءل: كيف نحافظ على قيمة الصوت بعد الحصول عليه؟
أولا: من «جني الأصوات» إلى استدامة التفويض
أعتقد جازما، اليوم، بأننا أمام مفارقة بسيطة ولكنها عميقة: الصوت الانتخابي لحظة زمنية قصيرة، لكن التفويض الذي ينتجه يفترض أن يمتد زمنا أطول، يصل إلى خمس سنين! فهل يعقل هذا الأمر؟
فالناخب لا يمنح مجرد ورقة توضع في صندوق؛ إنه يمنح تفويضا سياسيا. ولذلك فإن اختزال الانتخابات في عملية الحصول على الأصوات يجعلنا نركز على المدخل وننسى ما بعده. ومن هنا نقترح النظر إلى صوت المواطن باعتباره جزءا من دورة سياسية متكاملة: يبدأ بعملية الاقتراب والتعبئة فالاختيار ثم التصويت قبل التفويض. أما الأداء فيستوجب المساءلة من خلال الذاكرة في اقتراب مرة أخرى لموعد الاختيار الجديد. هكذا نعيش في دورة انتخابية، حيث لا تنتهي وظيفة الناخب عند صندوق الاقتراع، ولا تبدأ وظيفة المنتخب يوم إعلان النتائج؛ وإنما، تبدأ العلاقة التمثيلية، فعليا، بعد الانتخابات.
ولهذا فإننا نقترح مفهوم “استدامة الصوت الانتخابي” للدلالة على مدى قدرة الصوت على الاستمرار في إنتاج علاقة تمثيلية ومساءلة وتواصل، وليس فقط على إنتاج مقعد انتخابي.
ومن هذه الزاوية، يصبح السؤال عن “شراء الصوت” جزءا من سؤال أوسع. فالزبونية الانتخابية، كما تظهر في الأدبيات وفي دراسات الحالة المغربية، تتصل بأنماط التعبئة وشبكات المصالح وطبيعة التمثيل السياسي، ولا يمكن اختزالها في واقعة شراء الصوت وحدها.
لذلك، نقترح سؤالا أكثر أهمية: هل تم استحقاق الصوت فعلا؟ لأن الاستحقاق السياسي للصوت يرتبط، في تصورنا، بما يحدث قبل الاقتراع وبعده: وضوح البرنامج، صدقية الخطاب، القدرة على الإنجاز، التواصل مع المواطنين، احترام التفويض ثم إتاحة إمكانات المساءلة.
تبعا لما سبق، يصبح الفرق، في نظرنا، واضحا بين مسارين: مسار موسمية الصوت (اقتراب الموعد، اطلاق الوعود، بدأ التعبئة، كسب الأصوات، تحقيق الفوز، غياب، انتظار ثم العودة بشكل مفاجئ وفي ظل استغراب كبير وغير مفهوم!) وبالمقابل: مسار استدامة الصوت (التواصل، المعرفة، الاختيار، التفويض، الأداء ثم التواصل فالمساءلة والذاكرة قبل الوصول إلى اختيار جديد). وهذا الانتقال هو جوهر نقدنا؛ لأننا لا نريد إلغاء موسم الانتخابات وإنما نريد إلغاء موسمية السياسة.
ثانيا: كيف نقرأ الصوت انتخابيا من منظور جيلي؟
إذا كان الصوت الانتخابي يعيش في الزمن، فإنه يعيش أيضا في المكان، ويحمله الإنسان معه في ذاكرته. وهنا تأتي قيمة المقاربة الجيلية، حيث نسأل حول حياة الناخب: ماذا عاش؟ وأين عاش؟ ومتى عاش؟ وكيف أثرت تلك التجربة في علاقته بالانتخابات؟
فناخب عاش مرحلة سياسية معينة، في مجال ترابي يعاني من خصاص أو تهميش، قد يحمل ذاكرة انتخابية مختلفة عن ناخب آخر عاش تجربة مختلفة في مدينة أو وسط اجتماعي مختلف. وبذلك، تصبح الذاكرة الانتخابية متغيرا مهما في فهم السلوك السياسي.
إننا نقترح، بهذا المعنى، توسيع مجال دراسة الانتخابات من سوسيولوجيا التصويت إلى ما يمكن أن نسميه بـ “سوسيولوجيا دورة الصوت”. فالناخب لا يدخل الانتخابات بذاكرة فارغة، بل يدخلها محملا بما سبق أن عاشه: وعود سابقة، إنجازات أو إخفاقات، حضور أو غياب، قرب أو بعد، ثقة أو خيبة ثم تجربة شخصية أو جماعية.
وهنا، تتقاطع علاقات الأجيال. فقد يكون هناك جيل التجربة الذي تشكل وعيه السياسي من خلال تجارب انتخابية متراكمة؛ وجيل الانتقال الذي عاش تحولات اجتماعية وسياسية متسارعة؛ وجيل الرقمنة الذي أصبحت علاقته بالمعلومة السياسية أكثر سرعة وتنوعا وأقل ارتباطا بالقنوات التقليدية. وفي نظرنا، لا ينبغي التعامل مع هذه التسميات كتصنيفات عمرية جامدة، بل كأنماط تحليلية قابلة للاختبار الميداني.
وفي المغرب، تكتسب هذه المسألة راهنية خاصة في سياق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، حيث تشير تقارير حديثة إلى تحديات مرتبطة بمشاركة الشباب وثقتهم في المؤسسات السياسية، في وقت تحاول فيه الأحزاب السياسية المتنافسة استقطابهم بخطابات تتصل أساسا بالشغل والسكن والفرص الاجتماعية. كما، لا يعني ذلك، أيضا، أن جميع الشباب يحملون الموقف نفسه؛ بل، يعني أن التجربة الجيلية أصبحت متغيرا لا ينبغي للباحث أن يهمله في أبحاثه النظرية ودراساته الميدانية أساسا.
وهنا نصل إلى جوهر النموذج الذي نقترحه كمدخل لفهم التجربة الانتخابية كـ “سوق” للأصوات، وهو: عنصر الزمن، مضاف إليه عنصر المكان، مضاف إليهما عنصر الإنسان. فالانتخابات تتبلور في زمن معين، داخل مجال محدد، ويعيشها إنسان له ذاكرة وتوقعات ومصالح وتجارب. ومن ثم، فإن السؤال الجيلي هو الذي “يصرخ”: كيف تصنع التجربة الجيلية معنى التصويت؟ وكيف تعيد التجربة الانتخابية تشكيل هذا المعنى في المستقبل خارج “سوق الأصوات”؟
ختاما، ولنفكر خارج الصندوق، يجب الخروج من ذلك الصندوق بمعناه المادي والرمزي معا. فالصندوق الانتخابي ضروري للديمقراطية، لكن لا ينبغي أن يصبح نهاية التفكير في الديمقراطية؛ لأن الانتخابات تنتهي في الصندوق، لكن الصوت لا ينتهي هناك؛ بل، يبدأ من هناك ونحو الغاية التي شرعت على أساسها الانتخابات.
إننا، لا نزال، وإلى حدود اليوم، من أجل فهم ظاهرة موسمية السياسة والانتخابات لجني الأصوات وكأننا نجني محصول آخر السنة، بحاجة إلى دراسات تقارن بين الأجيال، وبين المجالات الحضرية والقروية، وبين التجارب الانتخابية المختلفة، وأن تسأل الناخبين عن علاقتهم بالمنتخبين قبل الانتخابات وبعدها، وعن أثر الأداء في الذاكرة الانتخابية، وعن معنى الثقة، وعن أسباب استمرار المشاركة أو المقاطعة او الانسحاب ثم عن الطريقة التي تتحول بها التجربة السابقة إلى قرار انتخابي لاحق، في إطار دورية الانتخابات (عبر كل خمس سنوات).
إننا، بالفعل، بحاجة إلى الانتقال من دراسة لحظة التصويت إلى دراسة العمر السياسي للصوت، خارج منطق السوق، حيث العرض والطلب. فقد يعيش الصوت دورة قصيرة، وقد يعيش دورة طويلة، وقد يتحول إلى ثقة متجددة، وقد يتحول إلى خيبة، وقد ينتقل من جيل إلى جيل باعتباره تجربة سياسية مشتركة. وهنا، يمكن أن تتشكل أجندة بحثية جديدة حول ما يمكن تسميته بالحكامة المستدامة للتفويض الانتخابي والتمثيل السياسي؛ وهي أجندة لا تسأل فقط عن نزاهة يوم الاقتراع، وإنما عن جودة العلاقة التي ينتجها الاقتراع خارج سوق الأصوات.
في النهاية، ربما يكون علينا أن نعيد صياغة صورة موسم جني الأصوات، خارج منطق السوق المختلق؛ لأن الفلاح، في نظري، لا ينتظر موسم الجني لكي يتذكر أرضه، بل إنه يحرث ويزرع ويسقي ويراقب ويعتني حتى يأتي وقت الحصاد. أما السياسة التي لا تتذكر المواطن إلا في موسم الانتخابات، فقد تكون قد فهمت معنى الجني، لكنها لم تفهم بعد معنى الزراعة. ولذلك، نقترح أن يكون السؤال القادم: ماذا يحدث للصوت بين انتخاب وانتخاب؟ بل، أكثر من ذلك، يمكننا التساؤل بعمق أيضا: ماذا يحدث للثقة السياسية بين جيل وجيل؟
إذا كانت الانتخابات موسمية فعلا، فإن المواطنة تواصل دائم ولا تنقطع نهائيا بمناسبة أو من دونها. وإذا كان الصوت لحظة فإن التفويض والتمثيل عبارة عن مسار مستدام. أما الناخب فإن كان يصوت مرة، فإنه يتذكر دائما. أما إذا كان السياسي يحصد الصوت في يوم، فإن حصده للثقة لن يتحقق إلا عبر استدامة الحضور في الزمن. ولذلك فإن السباق الحقيقي، والانتخاب الديمقراطي، لا يبدآن في موسم جني الأصوات، بل يبدآن بعد انتهائه.