وجهة نظر

الترافع المهني ومآلاته التشريعية في تنظيم مهنة المحاماة: قراءة هادئة في القانون رقم 66.23 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة

تتجاوز المحاماة في عمق فلسفتها الوظيفية مجرد كونها تمثيلا إجرائيا أو نمطا من أنماط الترافع القانوني – القضائي، وإنما تعتبر رسالة نبيلة قوامها حماية كرامة الإنسان، وصون روح العدالة وحق الدفاع، كأحد أقدس الحقوق الإنسانية والمبادئ الدستورية الراسخة.

والقانون في جوهره ليس مجرد صياغات جافة أو قواعد تنظيمية، بل هو نظام عقلاني يحدد المراكز القانونية، ويحمي الحقوق والحريات، ومن هذا المنظور الفلسفي، تكتسي العملية التشريعية أهمية استثنائية بحمولاتها السياسية والمجتمعية والحقوقية؛ إذ لا تقاس جودة التشريعات بقدرتها على الضبط والرقابة فحسب، بل بمدى استيعابها لمبادئ الحق والعدل، وقدرتها على بناء التوافقات الوطنية الصائبة، والمواءمة بين متطلبات حكامة المرفق القضائي وضرورات تحصين المبادئ الحقوقية.

وفي هذا السياق المؤسساتي، لم يكن مسار إعداد القانون رقم 66.23 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد عملية تحيين تشريعي أو تقني لنصوص مسطرية، بل تحول إلى محطة تشريعية فارقة واختبار حقيقي لنضج التجربة البرلمانية، فقد وضع المشرع البرلماني نصب عينيه قيمة رسالة المحاماة، وأبعادها الحقوقية والكونية، ولم تغب عنه، ولو للحظة، ما تعرفه العدالة في كافة تجلياتها من إصلاحات ومتغيرات بنيوية ومفاهيمية، حيث استجلب يإمعان وحس مسؤول كافة المقترحات والتعديلات والمرافعات، وفي مقدمتها المقترحات الترافعية الصادرة عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب، ولم تكن هذه المقترحات مجرد مادة للتداول العابر، بل أخضعها المشرع، لاسيما أعضاء لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، لمسطرة دقيقة من التمحيص والموازنة الكلية الشاملة، ونظر إليها بكل تجرد وموضوعية، ووضعها في الميزان القانوني، سعيا لإيجاد نقطة التلاقي والتوازن بين مقتضيات النجاعة القضائية ورهانات حكامة المرفق، وبين ضرورة إدماج مهنة المحاماة ومكانتها الاستراتيجية في صلب التحولات المؤسساتية والتشريعية الكبرى التي تشهدها الدولة المغربية، وهذه كانت الوسيلة والغاية.

ومن هذه الزاوية تكتسب المقترحات التي تقدمت بها جمعية هيئات المحامين بالمغرب أهمية خاصة في قراءة المسار الذي قطعه القانون رقم 66.23 يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، فالمذكرة الترافعية المقدمة لم تقتصر على تسجيل ملاحظات عامة، وإنما انصبت على مواد محددة، واقترحت بشأنها الإبقاء على صيغ قائمة أو تعديل مقتضيات مستحدثة أو إعادة بناء بعض الأحكام بما ينسجم، في نظر واضعيها، مع استقلال المهنة والتنظيم الذاتي وضمانات الدفاع، وقد أثمر العمل التشريعي الرصين المبني على منهجية الضبط والانفتاح، عقلنة متقدمة للمقتضيات القانونية، أسفرت عن استيعاب وإدماج حزمة من التعديلات الجوهرية والمفصلية في الصياغة النهائية للقانون.

وهذه القراءة التحليلية ليست في كنهها جردا كاملا ونصيا للتعديلات المدخلة، بل تهدف إلى إجراء نظرة موضوعية ورصينة للتقاطع الحاصل بين ما اقترحته جمعية هيئات المحامين بالمغرب وما استقر عليه النص القانوني، لبيان المسافة التي قطعتها أهم الأفكار المرتبطة بالمبادئ الكبرى التي تقوم عليها مهنة المحاماة من المجال الترافعي المهني إلى المجال التشريعي، وذلك في إطار تبويب في محورين كبيرين، يتكاملان ويحددان معالم الهندسة التشريعية الجديدة.

المحور الأول: استقلال المحامي وصيانة حصانة الدفاع

يبدو البعد المتعلق باستقلال المحاماة أكثر المجالات حيوية التي تسمح برصد التقاطع بين الخطاب المهني وبنية الضمانات التشريعية، فقد انطلقت مذكرة الجمعية من تصور واضح مؤداه أن استقلال المحامي لا ينبغي أن يظل مبدأ عاما مجردا، بل يتعين أن يجد ترجمته في مختلف الأحكام التي تؤطر ممارسة المهنة، ولا سيما تلك المتصلة بالحصانة وحقوق الدفاع وعلاقة المحامي بالمؤسسة القضائية.

ويتضح ذلك منذ المادة الأولى، حيث دعت المذكرة إلى الإبقاء على الصياغة التي تقرر أن المحاماة مهنة حرة ومستقلة، مع إعادة توجيه صياغة الغاية التي تؤديها المهنة نحو المساهمة في تحقيق العدالة والدفاع عن حقوق الإنسان، بدل الاقتصار على مفهوم المحاكمة العادلة، وقد حافظت الصيغة التي انتهى إليها القانون على جوهر هذا التصور في تعريف وظيفة المحاماة وربطها بالعدالة والدفاع عن الحقوق، بما يجعل التقاطع هنا ذا طبيعة جزئية، لكنه ذو دلالة من حيث فلسفة النص وموقع المحامي داخل منظومة العدالة.

وتبرز المادة 8 بدورها، صورة أكثر تركيبا لمآل المقترح المهني، إذ انصب تدخل جمعية هيئات المحامين على نقطتين متلازمتين: الأولى تتعلق بالتسمية، من خلال الدعوة إلى الإبقاء على لفظ «القسم» بدل استبداله بـ«اليمين»، والثانية تتصل بجوهر المقتضى ومضمونه، وإذا لم تأخذ الصيغة التشريعية بالمقترح في شقه المتعلق بالتسمية، واستمرت في اعتماد لفظ «اليمين»، لاعتبارات دستورية ومؤسساتية متوافق بشأنها، فإن ذلك لا يحجب التقاطع الواضح بينها وبين المقترح المهني على مستوى مضمون اليمين المتبنى؛ إذ حافظ النص على جوهر الالتزامات المهنية التي يقوم عليها أداء المحامي لهذا الالتزام، كما تظهر هذه الدينامية كذلك في المادة 26، بحيث انصب مقترح جمعية هيئات المحامين على حذف مفهوم الشراكة، بالنظر إلى ما قد يثيره من إشكالات مرتبطة بتحديد الإطار المهني والجهة المختصة بالمراقبة والتأديب، وإذا كانت الصيغة التشريعية لم تتبن المقترح بحذافيره، فإنها أعادت بناء المقتضى المتعلق بالشراكة على نحو مختلف، إذ أصبحت مرتبطة بمكتبين، بما يعكس انتقال الفكرة من صورتها الأولى التي تقوم على الجمع بين محاميين تابعين لهيئتين مختلفتين إلى صيغة تنظيمية أكثر ارتباطا بالإطار المهني للمكتب. ومن ثم، فإن مآل هذا المقترح لا يتمثل في المطابقة الحرفية بين الصيغة المقترحة والصيغة اللاحقة، وإنما في إعادة صياغة المجال التشريعي للشراكة بما يستجيب، جزئيا، للإشكال الذي أثارته الجمعية، مع احتفاظ المشرع ببنية تنظيمية مختلفة.

وتزداد دلالة هذا التقاطع عندما ننتقل من المبادئ العامة إلى الضمانات العملية، ولا يكتمل النظر في مآلات الترافع المهني حول استقلال المحامي بمجرد الوقوف عند المبادئ العامة التي صاغها المشرع، إذ تتجلى قيمته العملية بصورة أوضح عندما انتقل النقاش إلى الضمانات التي تحيط بممارسة وظيفة الدفاع، وإلى الآليات التي تؤطر مساءلة المحامي مهنيا، وفي هذا السياق، تكتسي المادة 78 أهمية خاصة، ذلك أن جمعية هيئات المحامين لم تتعامل مع الحصانة باعتبارها امتيازا شخصيا للمحامي، وإنما باعتبارها ضمانة وظيفية متصلة بحماية حق الدفاع واستقلاله، ولذلك اتجه مقترحها إلى إحاطة المحامي بضمانات دقيقة في حالات الاعتقال والحراسة النظرية والتفتيش والاستماع، مع حماية سرية المحادثات والمراسلات والوثائق المتبادلة بينه وبين موكله، وترتيب البطلان على خرق هذه الضمانات. وقد انعكس هذا التصور، وإن بعد إعادة صياغة وترتيب للمقتضيات، في الصيغة التشريعية؛ إذ جرى تكريس «حصانة الدفاع» في بناء مستقل، مع الفصل بين مبدأ الحصانة والضمانات الإجرائية المرتبطة بالاعتقال والتفتيش والاستماع، وبذلك لم يكن المآل مجرد استبقاء لعبارة مقترحة، وإنما انتقالا للهدف الجوهري للمقترح إلى بنية تشريعية تجعل حماية المحامي عند ممارسة مهامه وسيلة لحماية ممارسة الدفاع ذاتها، وما تستلزمه من استقلال وسرية في العلاقة مع الموكل.

ويأخذ هذا المنحى بعدا أكثر تركيبا في المادة 99، التي اتصلت بالمسطرة التأديبية وحدود التوازن بين التنظيم الذاتي للمهنة والرقابة التي تمارسها الجهات الأخرى، فقد اقترحت الجمعية إعادة بناء هذه المسطرة على أساس تحديد دقيق لاختصاصات النقيب ومجلس الهيئة والوكيل العام للملك، وضبط آجال البت، وتعليل القرارات، وتنظيم المنازعة في مقرر الحفظ والطعن فيه، بما يحافظ على خصوصية المساءلة التأديبية للمحامي دون أن يعزلها عن الرقابة القانونية. وقد احتفظت الصيغة التشريعية اللاحقة بجملة من هذه العناصر من حيث منطق توزيع الاختصاصات، وتحديد الآجال، وتعليل القرارات، وإتاحة المنازعة في مقررات الحفظ والطعن في المقررات التأديبية، لكنها أعادت تركيبها داخل هندسة إجرائية مختلفة. ومن ثم، فإن دلالة المادة 99 لا تكمن في القول بتبني المقترح المهني بصورة مطابقة، وإنما في أن بعض أهدافه الإجرائية انتقلت إلى النص بعد إعادة صياغتها، بما يكشف أن أثر الترافع في هذه الحالة اتخذ صورة إعادة تشكيل للتوازن التشريعي بين استقلال التنظيم المهني ومتطلبات الرقابة التأديبية، وليس مجرد قبول أو رفض حرفي للمقترح.

وتظهر الصورة نفسها، وإن بدرجة مختلفة، في المادة المتعلقة بشروط الترافع أمام محكمة النقض. فقد اقترحت المذكرة الإبقاء على تخفيض مدة الأقدمية المطلوبة للتسجيل ضمن قائمة المقبولين للترافع أمام محكمة النقض إلى عشر سنوات، مع تنظيم وضعية بعض الفئات ذات الخبرة القضائية أو الأكاديمية وفق شروط تكوينية خاصة.

ومهما يكن من اختلافات الصياغة والتفاصيل التي طرأت خلال المسار التشريعي، فإن الاتجاه العام نحو إعادة ضبط شروط الولوج إلى الترافع أمام محكمة النقض على نحو يوازن بين الخبرة المهنية والتكوين يندرج ضمن التصور الذي حاولت المذكرة الدفاع عنه.

المحور الثاني: التنظيم الذاتي من مطلب مهني إلى إعادة بناء البنية المؤسسية لهيئات المحامين

يولي القانون رقم 66.23 أهمية واضحة لإعادة تنظيم هيئات المحامين على أساس تكريس مبدأ التنظيم الذاتي، وهو ما يتجلى بصورة خاصة في المقتضيات المنظمة لتشكيل مجالس الهيئات واختصاصاتها، وإجمالا، فقد حدد القانون في المادة 123 الفئات التي ينتخب من بينها أعضاء مجلس الهيئة، وربط التمثيلية بدرجات الأقدمية المهنية، من خلال تخصيص نسب محددة للمحامين المسجلين لأكثر من عشرين سنة، ولمن تتراوح أقدميتهم بين عشر وعشرين سنة، ثم لمن تتراوح بين خمس وعشر سنوات، كما تناولت المادة 124 تأليف مجلس الهيئة، في حين نظمت المادة 125 حالات انتهاء العضوية وكيفية التعويض عنها، وأسندت المادة 126 إلى النقيب مجموعة من الاختصاصات المتعلقة برئاسة المجلس والجمعية العامة، وتدبير المصالح الإدارية والتقنية والمالية، وتنفيذ القرارات وتمثيل الهيئة.

وتكشف هذه المقتضيات عن تصور للمؤسسة المهنية لا يختزل التنظيم الذاتي في مجرد انتخاب الأجهزة، وإنما يجعله نظاما متكاملا لتوزيع المسؤوليات وضبط التمثيلية واستمرارية العمل المؤسسي، ويواصل القانون بناء نفس التصور من خلال تنظيمه لشروط تداول المسؤولية داخل أجهزة الهيئات، فالمادة 130 تحدد مدة ولاية النقيب في ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد، وتجعل مدة عضوية أعضاء مجلس الهيئة ثلاث سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، مع وضع قيد على العودة إلى المجلس بعد ولايتين متتاليتين، كما تحدد المادة 131 شروط الترشح لعضوية المجلس، سواء من حيث الوضعية التأديبية والقضائية أو من حيث العضوية السابقة بالمجلس، وتنظم كذلك إمكان اختيار المحاميات بين الترشح للمقاعد العادية أو المقاعد المخصصة للنساء، ومن خلال هذه المقتضيات يتجه القانون إلى تحقيق توازن بين الخبرة المهنية وتجدد التمثيلية، واستمرارية المؤسسة وتداول المسؤولية داخلها، وهنا يظهر تقاطع آخر مع مذكرة الجمعية، يؤكد أن التصور الذي استقر عليه القانون في شأن مدة الولايات، وتجديد العضوية، وشروط الترشح، وجد له مقابلا في الملاحظات المهنية المقدمة، وظلت نقطة فريدة حصل بشأنها اختلاف في الرؤية، وتعلقت بمفهوم النقيب السابق الذي ليس له الأهلية للترشح، فقد انصرف رأي الجمعية إلى قصر عدم الترشح على النقيب السابق في ظل القانون الجديد، في حين أخدت الصياغة التشريعية النهائية بالمفهوم الواسع للنقيب السابق، وهذا اختيار تشريعي تتجلى غايته في السعي نحو تحقيق قدر من التداول والتجديد في تولي منصب النقيب، مع عدم إقصاء الخبرة التي راكمها النقيب المنتهية ولايته من البناء المؤسس للهيئة.

ويكتمل البناء التشريعي للتنظيم الذاتي من خلال المادة 136، التي جعلت تحقيق مبدأ المناصفة داخل انتخاب أعضاء مجالس الهيئات هدفا تسعى إليه هيئات المحامين، مع وضع حد أدنى لتمثيلية أحد الجنسين لا يقل عن الثلث، وبذلك، فإن قراءة مقتضيات التنظيم الذاتي تكشف عن مسار تشريعي متكامل بدأ من اختيارات المشرع في بناء أجهزة الهيئات واختصاصاتها وقواعد تداول المسؤولية والتمثيلية، ثم يمكن من خلال مقارنتها بمذكرة الجمعية تحديد مواضع التقاطع معها، سواء تعلق الأمر بالإبقاء على بعض الاختيارات أو بإعادة صياغتها، دون الخلط بين مضمون القانون ومضمون الترافع المهني، وهو ما يقال أيضا على المادة 143، التي حصل بشأنها تطابق نصي شمولي بين القانون واقتراح الجمعية، لما احتفظت المادة حصرا بمبدأ تجريم سمسرة الأغيار لفائدة المحامي، وتم حذف ما دون ذلك.

وتأسيسا على ما سبق، تؤكد القراءة التفكيكية لمسار دراسة القانون رقم 66.23  يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، أن العمل التشريعي الناجح لا يقاس بفرض الخيارات أحادية الجانب، بل بالقدرة على إيجاد التوازن التوافقي بين متطلبات الدولة في الحكامة القضائية ونجاعة المرافق، وبين مقومات مهنة المحاماة القائمة على الاستقلالية والتحصين الإجرائي والتنظيم الذاتي.

​وإن التعديلات التي حظيت بالقبول والتثبيت في النص النهائي لا تمثل مجرد مكاسب فئوية للمحامين، بل تشكل حجر الزاوية في بناء منظومة حديثة يمارس فيها الدفاع مهامه بكل حرية وتجرد وأمان، باعتباره الركن الأساسي في تحقيق العدالة وصيانة دولة القانون، كما تكشف المقارنة السابقة أن أثر المقترحات التي تقدمت بها جمعية هيئات المحامين بالمغرب لا يمكن اختزاله في ثنائية بسيطة قوامها القبول أو الرفض، فكثير من المقترحات وجدت طريقها إلى النص بصورة تكاد تكون مطابقة في جوهرها، ومع ذلك، فإن قيمة الترافع المهني لا تقاس فقط بعدد العبارات التي انتقلت حرفيا من المذكرة إلى النص، وإنما كذلك بقدرة المقترحات على إعادة توجيه النقاش نحو القضايا الجوهرية التي تحكم تنظيم المهنة، وبذلك، فإن العمل التشريعي البرلماني وضع مسافة محايدة بين جميع المقترحات والأفكار القانونية، وكرس آلية الاختيار التشريعي للمقتضيات القانونية الموضوعية التي تناسب الأبعاد الغائية من المراجعة الشاملة للقانون، في إطار الحرص التام على المحافظة على المبادئ التي تكرس خصوصية مهنة المحاماة نظريا وعمليا.

 

المصطفى الدحماني

محام ومستشار برلماني