مع اقتراب موعد الاقتراع في الانتخابات التشريعية المغربية، المقرر يوم 23 شتنبر 2026، أجد نفسي أمام سؤال يتجاوز نتائج هذه الانتخابات ومن سيفوز بهذا المقعد أو ذاك: هل ما زالت الطريقة التي ندير بها الحملات الانتخابية قادرة على الوصول إلى المواطن المغربي وإقناعه بالطريقة نفسها التي كانت تفعلها قبل سنوات؟ السؤال ليس اعتراضا على الحملة الانتخابية، ولا على حق الأحزاب والمرشحين في التواصل مع المواطنين بمختلف الوسائل، وإنما هو محاولة لقراءة الطريقة التي جرت بها الحملة الحالية، واستشراف ما يمكن أن تكون عليه الحملات المقبلة.
فمنذ انطلاقها في 10 شتنبر، نلاحظ إلى حد كبير الصور نفسها التي اعتدنا عليها: مسيرات راجلة، قوافل من السيارات، تجمعات انتخابية، خطابات عبر مكبرات الصوت، منشورات وملصقات، مهرجانات خطابية، ولائم، شعبوية مفرطة، تواصل مباشر في الأحياء والأسواق والفضاءات العامة، ثم حضور في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. لكن المجتمع الذي تخاطبه هذه الأدوات تغير كثيرا. تغيرت بنيته العمرية، وتغيرت مصادر معلوماته، وتغيرت طريقة استهلاكه للمعلومة، وتغيرت أدوات التواصل والإقناع. ومع ذلك، يبدو أن جزءا مهما من الحملة الانتخابية ما زال يعتمد على منطق قديم: التواصل مع أكبر عدد ممكن من الناس، بدل الوصول إلى الناخب المعني بطريقة أكثر تركيزا وأكثر إقناعا وأكثر فعالية.
أول سؤال يتبادر إلى الذهن: هل نخاطب الناخب أم نخاطب الجميع؟ ربما تكون هذه واحدة من أهم الملاحظات التي يمكن تسجيلها في هذه الحملة.
الحملة الانتخابية، في كثير من صورها، تبدو وكأنها موجهة إلى المجال العام كله: الشوارع، السيارات، الساحات، الأسواق، الأحياء، وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي. لكن الانتخابات، في النهاية، لا يصوت فيها الجميع. فالمعني المباشر بالاقتراع هو المواطن المسجل في اللوائح الانتخابية. وقد بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة، بعد حصرها في 10 يوليوز 2026، 15,801,162 ناخبا، وهو ما يمثل 43% من مجموع ساكنة المغرب، حسب إحصاء 2024، و56% من الساكنة في سن النشاط وكبار السن (15 سنة فما فوق). ويتوزع هؤلاء بنسبة 54% من الرجال و46% من النساء، و55% في الوسط الحضري مقابل 45% في الوسط القروي. وهذه ليست مجرد أرقام إدارية، بل هي في نظري معطيات ينبغي أن تكون لها انعكاسات مباشرة على طريقة تصميم الحملة.
فإذا كنا نعرف حجم الهيئة الناخبة، ونعرف توزيعها الجغرافي، ونعرف بنيتها العمرية، فلماذا نستمر في التعامل معها باعتبارها كتلة واحدة؟ الهيئة الناخبة ليست جمهورا متجانسا. هناك ناخبون شباب، وناخبون في منتصف العمر، وناخبون تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر، ويمثلون أكثر من 29% من المسجلين، في حين لا تتجاوز نسبة الشباب المسجلين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة 4%. وهناك سكان حضريون وسكان قرويون، وهناك اختلافات كبيرة في الاهتمامات، وفي مصادر المعلومات، وفي القضايا التي تؤثر في القرار الانتخابي.
وهذا يعني أن الحملة التي تخاطب الجميع بالطريقة نفسها قد لا تكون فقط أقل فعالية، بل قد تكون أيضا مشتتة للجهد والوقت والموارد. لماذا إذن لا تصبح الحملة أكثر استهدافا؟ لماذا تنفق حملة انتخابية وقتا وجهدا كبيرين في الوصول إلى أشخاص غير مسجلين أصلا في اللوائح الانتخابية؟ ولماذا تستخدم الرسالة نفسها مع شاب في بداية العشرينيات ومع مواطن في السبعين من عمره؟ ولماذا يكون الخطاب نفسه في حي حضري كبير وفي جماعة قروية؟ لربما نحتاج إلى حملة أكثر تركيزا واستهدافا وتكييفا للرسائل، مع الحفاظ طبعا على المساواة في الوصول إلى المعلومات والضوابط القانونية التي تحكم المنافسة الانتخابية. فالهدف ليس إقصاء أحد من المجال العام، وإنما توجيه الموارد الانتخابية نحو الأشخاص الذين يشكلون الهيئة الناخبة فعليا، وبطريقة أكثر ذكاء ووضوحا.
ومن المفارقات اللافتة في هذه الحملة استمرار بعض الممارسات التي تبدو اليوم بحاجة إلى إعادة نظر، ومنها طريقة تخصيص بعض الفضاءات لعرض لوائح الترشيح، خاصة على أسوار المؤسسات التعليمية. ففي زمن أصبحت فيه المعلومة الانتخابية متاحة رقميا، وتستعمل فيه الأحزاب نفسها شبكات التواصل الاجتماعي للوصول إلى الناخبين، ما زلنا نشاهد تسطير هذه الأسوار على شكل إطارات مخصصة للوائح المشاركة. المشكلة هنا ليست في مبدأ إتاحة فضاء متساو للمرشحين، وهو أمر مشروع وضروري لضمان تكافؤ الفرص، وإنما في شكل الوسيلة ومدى ملاءمتها لعصر الرقمنة.
ففي كثير من الحالات تبقى هذه الإطارات فارغة أو لا تستغل بشكل كامل، بينما تتحمل الجماعات والسلطات والمجال العام في النهاية كلفة الطلاء والتنظيف وإعادة صباغة الأسوار بعد انتهاء الحملة. هنا يطرح السؤال نفسه: هل ما زلنا بحاجة إلى هذه الطريقة بالحجم والشكل نفسيهما؟ ربما يمكن التفكير في بدائل رقمية أو مادية أكثر تنظيما، تسمح بتكافؤ الفرص نفسه، لكن بكلفة أقل، وبمظهر حضري أفضل، وباستعمال أكثر عقلانية للموارد. فالانتقال إلى الرقمنة لا ينبغي أن يعني فقط أن يقدم الحزب برنامجه على فيسبوك أو تيك توك، بل أن يشمل أيضا طريقة تنظيم المجال الانتخابي نفسه.
المشكلة ليست فقط في طريقة الوصول، بل في مضمون الرسالة!
لكن حتى لو نجح المرشح في الوصول إلى الناخب، تبقى مشكلة أخرى: ماذا يقول له؟ هنا أعود إلى الملاحظة الأساسية التي أثارت انتباهي خلال هذه الحملة: الكلام الانتخابي سهل جدا. وفي حالات كثيرة، يبقى الخطاب مجرد كلام، بل قد يتجاوز أحيانا الاختصاص الدستوري والقانوني للبرلماني، بل وحتى حدود الممكن. فكثيرا ما يتحدث المرشح للبرلمان ومناصروه بلسان المنتخب الجماعي أو الجهوي، وتستحضر خطابات الإقناع حصيلة المجالس الجماعية أو الإقليمية أو الجهوية، وكأن الانتخابات التشريعية هي مناسبة لتقديم حصيلة مؤسسات ترابية أو وعود تدخل في اختصاصات مؤسسات أخرى. والإشكال لا يتوقف هنا. فالخلط بين الاختصاصات قد نجده لدى الناخب المتلقي، لكنه قد يظهر أيضا في خطاب بعض المرشحين، في حين يفترض في المرشح للبرلمان أن يمتلك حدا أدنى من المعرفة بالمؤسسات والاختصاصات التي يسعى إلى تمثيل المواطنين داخلها.
يمكن لأي مرشح أن يعد بتحسين التعليم، وخلق فرص الشغل، وتحسين الصحة، ودعم الاستثمار، وتقوية القدرة الشرائية، وتطوير البنية التحتية ومحاربة البطالة. لكن المواطن يحتاج إلى أكثر من الوعد. يحتاج إلى أن يعرف: كيف؟ بأي موارد؟ في أي مدة؟ وضمن أي اختصاص؟ وما الذي يستطيع النائب البرلماني أن يفعله فعلا؟ وما المؤشر الذي يمكن أن نقيس به نجاحه؟ هنا تحديدا ينبغي أن تتغير الحملة.
وبالمناسبة، لا يتعلق هذا المقال بتقييم بروفايلات المرشحين، ولا بمستوى تكوينهم السياسي أو قدرتهم الشخصية على التواصل. هذه مسألة أخرى تحتاج إلى دراسة مستقلة ومعايير واضحة. ما أحاول قراءته هنا هو الحملة في جوانبها التواصلية: كيف تخاطب الناخب؟ ماذا تقدم له؟ وبأي وسيلة؟ وهل تسمح له فعلا بالمقارنة والاختيار؟
ومن المفارقات أيضا أن مشكلة مضمون الخطاب لا تظهر فقط في الكلمات التي يقولها المرشحون. في بعض الأحياء والشوارع، تتحول السيارات التي تجوب الأزقة إلى مكبرات صوت متنقلة، لكن ما يخرج منها لا يكون دائما خطابا انتخابيا، ولا حتى أغنية وطنية أو مادة لها علاقة بالحزب أو بالمناسبة الانتخابية. في كثير من الحالات، نسمع أغاني محلية أو موسيقى لا علاقة لها لا بالبرنامج الانتخابي ولا بالمرشح ولا حتى بالحدث السياسي نفسه. وهنا يصبح السؤال مشروعا: ما الرسالة التي يراد إيصالها؟
هل نحن أمام وسيلة للإقناع السياسي، أم مجرد وسيلة لحضور صوتي في الفضاء العام؟ فالضجيج ليس تواصلا بالضرورة، وارتفاع الصوت لا يعني ارتفاع القدرة على الإقناع. بل ربما يكون العكس في زمن أصبح فيه المواطن أكثر قدرة على اختيار ما يريد سماعه وما يريد تجاهله. الحملة الانتخابية يفترض أن تحمل رسالة، وأن يكون لهذه الرسالة مضمون ومعنى وعلاقة مباشرة بالاستحقاق الانتخابي. لماذا لا تصبح المناظرة جزءا من الحملة؟
لهذا أعتقد أن من أهم الإصلاحات التي ينبغي التفكير فيها مستقبلا تنظيم مناظرات انتخابية إلزامية وحقيقية بين المرشحين. ليس فقط مناظرات بين زعماء وقيادات الأحزاب على المستوى الوطني، وإنما أيضا على مستوى الدوائر الانتخابية. يجلس المرشحون أو ممثلو اللوائح المتنافسة أمام المواطنين، ويجيبون عن الأسئلة نفسها. عندها سيصبح المواطن أمام شيء أكثر قيمة وصدقية من الملصق والخطاب: مقارنة مباشرة بين المرشحين. فالمرشح الذي يستطيع أن يشرح، ويقدم الأرقام، ويدافع عن موقفه، ويعترف بحدود اختصاصه، ويتعامل مع السؤال الصعب ويتميز في ذلك، يقدم للمواطن مادة مختلفة تماما عن مجرد خطاب انتخابي عام.
ربما نحتاج أيضا إلى تغيير ثقافة البرنامج الانتخابي نفسه. لا يكفي أن يقول الحزب إنه سيخلق فرص الشغل. كم فرصة؟ في أي القطاعات؟ بأي موارد؟ وفي أي مدة؟ ولا يكفي أن يعد بتحسين الخدمات الصحية. ما الذي يستطيع النائب أن يفعله في هذا المجال تحديدا؟ ولا يكفي أن نتحدث عن الاستثمار. ما الإجراءات التشريعية أو الرقابية التي يمكن للنائب اقتراحها أو الدفاع عنها؟ البرنامج الجيد ليس البرنامج الذي يحتوي على أكبر عدد من الوعود، وإنما الذي يسمح للمواطن بفهم العلاقة بين الوعد والوسيلة والموارد والنتيجة.
هناك سؤال آخر لا يمكن تجاهله. وماذا عن كثرة اللوائح؟ عندما يجد الناخب نفسه أمام عدد كبير من اللوائح المتنافسة على عدد محدود من المقاعد، تصبح المقارنة أكثر صعوبة. ففي الانتخابات الحالية، تم تقديم 1850 لائحة ترشيح على الصعيد الوطني، تضم 7288 ترشيحا، بمعدل وطني يتجاوز 18 ترشيحا لكل مقعد. كما بلغ عدد اللوائح المقدمة في الدوائر الانتخابية المحلية 1615 لائحة.
التعددية السياسية قيمة مهمة، لكن التعددية تطرح أيضا تحديا عمليا: كيف يستطيع المواطن أن يميز عمليا بين الخيارات؟
وهنا يمكن التفكير مستقبلا في أنظمة انتخابية تسمح بمرحلتين من المنافسة، بحيث تكون الجولة الأولى مجالا أوسع للتعبير عن مختلف الاختيارات السياسية، ثم تنتقل المنافسة في جولة ثانية إلى عدد أقل من الخيارات. هذا ليس اقتراحا جاهزا، ولا يعني أن نظام الدورتين أفضل بالضرورة للمغرب. لكنه سؤال يستحق الدراسة والنقاش، خصوصا إذا كان الهدف هو جعل المنافسة الانتخابية أكثر وضوحا بالنسبة للناخب.
في النهاية، أعتقد أن الدرس الذي يمكن استخلاصه من هذه الحملة يتجاوز 23 شتنبر 2026. نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الحملة الانتخابية نفسه. الحملة ليست فقط أن يصل المرشح إلى أكبر عدد ممكن من الناس. بل أن يعرف من هو الناخب الذي يخاطبه، وما الذي يهمه، وما المعلومة التي يحتاجها، وكيف يستطيع أن يقارن بين الخيارات المطروحة أمامه. وليست الحملة أن نسمع أكبر عدد من الخطب، بل أن يحصل المواطن على أكبر قدر ممكن من المعلومات القابلة للمقارنة وقياس الكفاءة والأحقية.
وليست الحملة أن نطلق أكبر عدد من الوعود، بل أن نختبر قابلية هذه الوعود للتنفيذ. وليست الحملة أيضا أن نملأ الفضاء العام بالصوت والملصقات والألوان، بل أن نملأ المجال العمومي بالمعلومة والحجة والاختلاف المسؤول. ولهذا، ربما نحتاج في المستقبل إلى حملة انتخابية تقوم على ثلاثة مبادئ واضحة: استهداف أفضل للناخب، ومعلومات أفضل، واختبار أفضل للمرشح. فالمغرب تغير، والمجتمع تغير، والمواطن تغير، وأدوات التواصل تغيرت. وربما حان الوقت لكي تتغير الحملة الانتخابية هي الأخرى.
غدا، سيذهب المواطنون المسجلون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم.
أما بعد انتهاء الاقتراع، فينبغي أن يبدأ سؤال آخر: كيف نجعل الانتخابات المقبلة أكثر تركيزا، وأكثر وضوحا، وأكثر قدرة على مساعدة المواطن في الاختيار؟ لأن الديمقراطية لا تتطور فقط بتغيير من ننتخب، وإنما أيضا بتطوير الطريقة التي نختار بها من ننتخب.