وجه المحلل السياسي والخبير في القضايا الدولية، أحمد نور الدين، انتقادات لاذعة ومفصلة لأداء الدبلوماسية المغربية، معتبرا أن المهمة البديهية والرئيسية لأي مسؤول، انطلاقا من وزير الخارجية وصولا إلى أصغر موظف بالوزارة، تتجلى في التحرك العاجل والرد المهني الصارم كلما تم ذكر اسم بلاده بسوء أو مست إحدى مصالحها العليا، مشددا على أن التخلف عن هذا الواجب يعد إخلالا صريحا بالواجب المهني.
وأوضح أحمد نور الدين في تصريح لجريدة “العمق”، أن مقاربته لملف مدينة سبتة المحتلة تنطلق من ربط الأحداث الجارية بالتصريحات الرسمية الصادرة عن الجانب الإسباني، مبرزا أن المظاهرات الحاشدة التي شهدتها إسبانيا في نحو مائتي مدينة والتي تخللها إحراق العلم الوطني المغربي، كانت تستوجب لوحدها إصدار بلاغ رسمي من وزارة الخارجية للرد على هذه الممارسات العدائية.
وأضاف المحلل السياسي أن الأمر كان يتطلب على الأقل استدعاء السفير الإسباني للاحتجاج كما فعلت إسبانيا، وهي المعتدية، مع سفيرة المغرب لديها، وتوقف مطولا عند دلالات غياب الرد الرسمي القوي يوم 10 شتنبر، وهو التاريخ الذي شهد إصدار وزارة الخارجية المغربية بيانا لم يتطرق للقضايا الجوهرية.
وتابع المتحدث مبينا أن البرلمان الإسباني صادق في اليوم ذاته على قانون يتدخل في الشأن السيادي المغربي بشكل فادح وصارخ، موضحا أن الأمر لا يتعلق بقانون عام حول التجنيس يمنح بشكل فردي لمن تتوفر فيه شروط معينة، بل يتعلق الأمر بتشريع يمس السيادية المغربية.
وكشف الخبير ذاته أن هذا التشريع يهدف إلى تجنيس آلاف المغاربة من أبناء الأقاليم الجنوبية بالجملة، وهو تدخل سافر في الشؤون السيادية للمغرب، بالإضافة إلى أنه تم دون أي تشاور مع المملكة المغربية أو استئذان، مما يشكل تناقضا صارخا مع البيان المشترك الذي تلاه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في الرباط خلال شهر رمضان من سنة 2022، بمناسبة إنهاء الأزمة الدبلوماسية التي استمرت لعام كامل منذ سنة 2021 بسبب قضية زعيم الانفصاليين المدعو ابن بطوش.
وأشار أحمد نور الدين إلى أن البند الأول من ذلك الاتفاق الثنائي ينص صراحة وبناء على اقتراح إسباني، على عدم اتخاذ كلا الطرفين لأي إجراءات أحادية الجانب تمس بالطرف الآخر، لافتا إلى أن إسبانيا كانت قد اقترحت هذا البند لحماية مصالحها المتعلقة بترسيم الحدود البحرية.
وأكد المحلل أن الملك كان قد أصدر أوامر واضحة منذ سنة 2017 لترسيم الحدود باعتباره أمرا سياديا، قبل أن تعلن مدريد رغبتها في فتح باب التشاور والتعاون الاستثماري في تلك المنطقة، إدراكا منها بأن الاتفاقية الدولية لسنة 1982 التي تعتبر المرجع الدولي في قانون البحار تصب في صالح الدولة القارية، مما يجعل المنطقة التجارية الخالصة للسواحل الاطلسية قبالة جزر الكناري على الخصوص، خاضعة بأكملها للسيادة المغربية.
واستطرد المتحدث قائلا، إن إسبانيا عمدت الآن إلى التصويت على قانون يسهل حصول الصحراويين على الجنسية الإسبانية، دون استشارة الرباط، “في مساس مباشر بالسيادة المغربية، دون أن يقابل ذلك أي بلاغ استنكاري من الخارجية المغربية يندد بهذا الخرق السافر للاتفاقيات الثنائية، والتدخل في الشؤون الداخلية للمغرب”.
وأضاف: “وحتى إذا صدقنا حجة المسؤولية التاريخية، وهي عذر أقبح من الذنب نفسه، فإن على إسبانيا أن تعتذر للمغرب عن تقسيم أراضيه والتآمر لتفتيت وحدته الترابية والوطنية، وعليها أن تعتذر عن تهجير الآلاف من ابناء الصحراء من الساقية الحمراء تجاه الأقاليم الداخلية بعد عملية جيش التحرير المغربي في العيون، والمعروفة بمعركة إكوفيون 1958”.
وأكد المصدر ذاته أن على اسبانيا أن تعوض ضحايا القصف بالأسلحة الكيماوية في حرب الريف، وهي جريمة ضد الإنسانية، تستدعي تعويضات مالية بمليارات الدولارات لأبناء الضحايا وذوي الحقوق، وللساكنة الحالية بالريف التي تنتشر فيها أمراض السرطان بنسب تفوق المعدلات الوطنية والدولية، ناهيك عن التناقض في هذه الحجة التاريخية نفسها التي تشمل الساقية الحمراء ووادي الذهب وتستثني طرفاية وسيدي افني وتطوان والحسيمة والناظور والعرائش، بحسب تعبيره.
وأضاف أن هذا لوحده يؤكد الطبيعة التآمرية والعدائية لهذه الخطوة الإسبانية التي تريد عرقلة الطي النهائي لنزاع الصحراء، “الذي طالما كان الفزاعة التي يتم بها ابتزاز المغرب من طرف إسبانيا وفرنسا وباقي دول المعسكر الغربي وريث الدول الاستعمارية، قبل أن تسحب واشنطن البساط من تحت الأقدام الاستعمارية السوداء باعترافها بالسيادة المغربية سنة 2020″، مستدركا بأن المسؤولية تقع على الخارجية المغربية في طرح هذه الملفات وغيرها على الطاولة مع اسبانيا، وليس “الهروب إلى الأمام والتنصل من المسؤولية مما يؤجل انفجار القنابل الموقوتة إلى المستقبل ولا ينزع الفتيل من أساسه”.
وأردف المصدر ذاته أن هذا الصمت المغربي تزامن مع خروج وزير الخارجية الإسباني بتصريحات ينتقد فيها تناول المغرب لملف سبتة، وخاصة ما ورد على لسان وزيرين مغربيين تلميحا وليس حتى تصريحا بمغربية سبتة، في حين تبجح رئيس الحكومة الإسبانية أمام برلمان بلاده بكون مدينة سبتة إسبانية وستبقى كذلك إلى الأبد.
ولاحظ الخبير السياسي أن هذه المواقف كانت تفرض ردا عاجلا، غير أن الدبلوماسية المغربية التزمت الصمت ولم تعقب على الوزير الإسباني الذي اعتبر المواقف الصادرة عن وزراء مغاربة، أمثال وهبي وبركة والتوفيق، مجرد مزايدات حزبية لا تمثل الموقف الرسمي للدولة وتتنصل من الدفاع عن مغربية سبتة، وهو أمر خطير في حد ذاته، لأنه اعتراف ضمني بادعاءات إسبانيا. وإلا فماذا يعني أن تصريحات الوزراء المغاربة لا تعبر عن رأي الدولة المغربية بشأن سبتة المحتلة وإنما هي مزايدات انتخابية حزبية، وفق تعبيره.
واعتبر أحمد نور الدين أن عدم الاحتجاج الرسمي يضعف الموقف المغربي، رابطا هذا التراخي بالموقف الأوروبي العام، حيث أشار إلى أن الأوروبيين يتحدثون بثقة عن حدودهم الجنوبية انطلاقا من سردية إسبانية وحيدة تعتبر سبتة أراضي إسبانية، في حين تغيب السردية المغربية المضادة لدى الدول الأوروبية فرادى وكاتحاد. لأن ملف سبتة ومليلية وباقي الجزر المحتلة غائب تماما عن طاولة المفاوضات بين المغرب وكل من إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
وشدد المحلل السياسي على أن الدبلوماسية المغربية مطالبة بوضع قضية سبتة ومليلية ضمن الأجندة الثنائية مع مدريد أولا، ثم في صلب المفاوضات مع أوروبا، مستغربا من بعض التساؤلات الشعبية حول أسباب عدم وقوف الدول العربية والإفريقية إلى جانب المغرب في هذا الملف.
وأجاب المتحدث عن هذه التساؤلات بأن السبب يكمن في أن الرباط لم تطلب أصلا هذا الدعم ولم تعلن عن موقف صارم يستدعي التضامن، حيث لم يطرح المغرب القضية داخل أروقة الاتحاد الإفريقي رغم وجود قمة إفريقية أوروبية تنعقد كل سنتين، كما لم يدرج الملف ضمن أجندة جامعة الدول العربية أو منظمة التعاون الإسلامي. فكيف نطلب من أشقائنا التضامن في قضية المغرب التي لا يثيرها ولا يطالب بها، بل ويعتبرها وزير الخارجية بأنها مجرد مزايدات انتخابية، لا غير.
واستدل أحمد نور الدين بأحداث أزمة جزيرة ليلى، مبينا كيف أن اللجوء إلى جامعة الدول العربية في عهد محمد بن عيسى أثمر نتائج فورية حين انتقل الأمين العام للجامعة آنذاك عمرو موسى بشكل شخصي إلى قرية بليونش وأدلى بتصريحات قوية داعمة للحقوق المغربية على جزيرة “ليلى”، مؤكدا أن هذا النوع من التحرك الدبلوماسي يفتقده المغرب اليوم. لذلك على الخارجية المغربية أن تمسك الثور من قرونه وتطرح قضية سبتة ومليلية والجزر المحتلة على أجندتها الدبلوماسية، بناء على استراتيجية وخطة عمل مدروسة ومحكمة تبلورها الحكومة مع الأحزاب السياسية الحقيقية.
وقال الخبير في القضايا الدولية إنه لا يدعو إلى قفزة في الهواء يتلوها سقوط حر في الفراغ، ولكن ندعو إلى طرح الملف بقبضة من حديد داخل قفاز من حرير، ولدينا تجارب دولية في استرجاع الصين لهونغ كنغ من بريطانيا، وماكاو من البرتغال بعد خمسة قرون من الاحتلال. والمهم هو أن نملك التصور الصحيح ونطرح الملف على الطاولة ولو استدعى الأمر أن يتم ابرام اتفاق يمتد إلى 2055 تاريخ الاحتفال بمائة سنة على استقلال المغرب.