دعونا نتفق في البداية على أن عودة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية بالمغرب والتي جرت يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026 ليس حدثا عاديا، فالحزب الذي خرج من انتخابات 2021 بـ13 مقعدا فقط، عاد هذه المرة بـ54 مقعدا، مستعيدا جزءا مهما من حضوره البرلماني، وإن كان لا يزال بعيدا عن قوته التي بلغها سنة 2016 عندما حصل على 125 مقعدا.
ومن وجهة نظري لا يمكن اختزال عودة “البيجيدي” في عامل واحد، كما لا يمكن فهمها بمعزل عن التحولات التي عرفها مزاج الناخب المغربي خلال السنوات الخمس الماضية.
أول ما يستحق التوقف عنده هو نسبة المشاركة. فانتخابات 23 شتنبر جرت في ظل مشاركة وطنية لم تتجاوز 38.08 في المائة، أي أن أكثر من ستة من كل عشرة مسجلين في اللوائح الانتخابية لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع، مقابل نسبة مشاركة تجاوزت 50 في المائة في انتخابات 2021. وهذه ليست مجرد ملاحظة تقنية، لأن انخفاض المشاركة يغير طبيعة المنافسة الانتخابية ويمنح قيمة أكبر للأحزاب التي تتوفر على قواعد انتخابية ثابتة ومنظمة وقابلة للتعبئة.
ولا يعني ذلك أن كل من قاطعوا الانتخابات كانوا سيصوتون ضد الأحزاب الحكومية أو لصالح العدالة والتنمية لو شاركوا، فهذا استنتاج لا تسمح به الأرقام. لكن ما يمكن قوله إن الحزب الذي يتوفر على كتلة من الناخبين تعرفه وتتعاطف معه ومستعدة للتصويت له في مختلف الظروف، يدخل الانتخابات من موقع مختلف عن حزب يعتمد أساسا على استقطاب الناخب المتردد خلال فترة الحملة. وفي انتخابات لا يشارك فيها سوى أقل من أربعة ناخبين من كل عشرة، تصبح قدرة التنظيم على إخراج القاعدة الانتخابية إلى مكاتب التصويت عاملا لا يمكن تجاهله.
وهنا يمتلك “البيجيدي” أحد عناصر القوة التي راكمها على مدى سنوات. فبغض النظر عن تقييم حصيلته الحكومية، ظل الحزب واضح الهوية، معروفا لدى الناخبين، وله أعضاء وأنصار وناشطون ينظرون إلى الانتماء إليه باعتباره اختيارا سياسيا وفكريا، وليس مجرد ترشح انتخابي عابر. وهذا النوع من القواعد يمكن أن يمنح الحزب نقطة انطلاق ثابتة قبل أن يبدأ التنافس على بقية الأصوات.
وبمعنى آخر، فإن العدالة والتنمية لا يدخل الانتخابات في كل مرة بحثا عن جميع ناخبيه من جديد. جزء من هؤلاء موجود أصلا، وما يحتاجه الحزب هو المحافظة عليهم ثم توسيع الدائرة حولهم. وهذه ميزة لا تتوفر بالدرجة نفسها لدى جميع الأحزاب، خصوصا تلك التي تعتمد أكثر على الشخصيات المحلية والمرشحين والقدرة على بناء تحالفات انتخابية ظرفية.
ويضاف إلى ذلك الخزان البشري والفكري المتقاطع مع حركة التوحيد والإصلاح، بالنظر إلى التقاطع في المرجعية والفضاء المجتمعي ووجود أعضاء يتحركون في المجالين السياسي والدعوي يجعل هذا العامل حاضرا في أي محاولة لفهم قدرة العدالة والتنمية على التعبئة. ولا يتعلق الأمر بالضرورة بأصوات حزبية جاهزة، وإنما بشبكات بشرية ومجتمعية يمكن أن تساعد على الوصول إلى الناخب والتأثير في اختياراته.
لكن التنظيم وحده لا يفسر الانتقال من 13 إلى 54 مقعدا. هنا يعود عبد الإله بنكيران إلى الواجهة، ولكن بصورة تحمل قدرا كبيرا من المفارقة.
كنت قد كتبت قبل هذه الانتخابات أن بنكيران أصبح أحد الأسباب التي جعلت استعادة العدالة والتنمية لجزء من الطبقة المتوسطة أمرا صعبا، خصوصا لدى فئات من الموظفين ورجال ونساء التعليم. فهؤلاء كلما ذكر اسم بنكيران يتذكرون مرحلة حكومية ارتبطت باسمه وبقرارات وملفات كان لها أثر مباشر على حياتهم المهنية والاجتماعية، من إصلاح نظام المعاشات المدنية إلى بداية تجربة توظيف الأساتذة بموجب عقود سنة 2016، فضلا عن مواقف وتصريحات بقيت حاضرة في الذاكرة السياسية. ولذلك من الطبيعي أن تكون هناك فئات احتفظت بمسافة من العدالة والتنمية بسبب إرث المرحلة التي قاد فيها الحزب الحكومة.
لكن المفارقة أن بنكيران الذي يمكن أن يكون أحد أسباب ابتعاد جزء من هذه الفئات عن الحزب، أصبح في انتخابات 2026 أحد أهم أسباب قدرته على العودة إلى الواجهة.
والسبب في اعتقادي أن بنكيران لم يدخل هذه الانتخابات للدفاع عن حصيلة حكومية يتحمل مسؤوليتها، وإنما دخلها من موقع المعارضة، مهاجما الحكومة والأحزاب المشاركة فيها، ومستثمرا في ملفات الغلاء والأسعار والمال والسياسة وما يعتبره مظاهر لزواج السلطة بالمال. وهنا تغيرت المعادلة بالكامل. فالناخب الذي كان يستطيع في السابق أن يسأل بنكيران عن حصيلته الحكومية، أصبح اليوم يسمعه وهو يسأل الحكومة الحالية عن حصيلتها.
وهذا التحول في موقع بنكيران السياسي مهم لفهم النتيجة. فالرجل الذي تحمل جزءا من كلفة تجربة العدالة والتنمية في الحكم أصبح اليوم قادرا على استثمار كلفة تجربة خصومه في الحكومة. وإذا كان جزء من الناخبين قد ابتعد عن الحزب بسبب ما عاشه في عهد حكومتيه، فإن جزءا آخر قد يكون عاد إليه بسبب ما عاشه خلال الولاية الحكومية الأخيرة.
وهنا يمكن أن نفهم جانبا من التصويت للعدالة والتنمية باعتباره تصويتا احتجاجيا. فالناخب الذي يشعر بالاستياء من الغلاء أو من بعض السياسات الحكومية لا يحتاج بالضرورة إلى أن يكون مقتنعا بكل ما فعله “البيجيدي” عندما كان في السلطة حتى يمنحه صوته. يكفي أحيانا أن يرى فيه الطرف القادر على مساءلة الحكومة أو معاقبة الأحزاب التي تحمل في نظره مسؤولية الوضع القائم.
ثم هناك قدرة بنكيران على صناعة الخطاب. فهو يعرف كيف يحول القضايا المعقدة إلى رسائل مباشرة، وكيف يلتقط عبارات تجد طريقها بسرعة إلى شبكات التواصل الاجتماعي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأسعار أو الموظفين أو التعليم أو المال والسياسة. وقد لا يحتاج الناخب في هذه الحالة إلى قراءة برنامج انتخابي كامل حتى يعرف الرسالة التي يريد الحزب إيصالها.
ولا يمكن أيضا تجاهل المرجعية الإسلامية التي يصر الحزب على إبرازها في خطابه. فالعدالة والتنمية يقدم نفسه باعتباره حزبا ذا مرجعية إسلامية، وهي مرجعية يمكن أن تجد صدى لدى فئات واسعة من المجتمع المغربي بالنظر إلى المكانة التي يحتلها الدين في حياة المغاربة. وقد ذهبت بعض الخطابات التي رافقت الحملة، خصوصا على منصات التواصل الاجتماعي، إلى تقديم التصويت للحزب باعتباره دفاعا عن القيم والمرجعية الدينية.
وهذا الخطاب قادر بالفعل على الوصول إلى شريحة من الناخبين، لكنه لا يكفي وحده لتفسير النتيجة. فالعدالة والتنمية لم يحصل سنة 2021 على 13 مقعدا لأن المجتمع المغربي فقد ارتباطه بالدين، كما أن حصوله اليوم على 54 مقعدا لا يعني أن هذه المقاعد كلها جاءت من التصويت الديني. فالعوامل الاقتصادية والسياسية والتنظيمية والشخصية والاحتجاجية تداخلت جميعها في هذه الانتخابات.
كما أن الحزب دخل هذه المرة من موقع مختلف تماما عن موقعه سنة 2021. فقد كان آنذاك حزبا خرج من عشر سنوات من تدبير الحكومة، وتحمل كلفة السلطة وقراراتها، بينما عاد اليوم حزبا معارضا يستطيع أن يضع نفسه في موقع مساءلة الحكومة، وهو موقع يمنح المعارضة هامشا كبيرا في الخطاب السياسي.
الآن وقد حصل ما حصل سيبدأ في نظري الاختبار الأصعب للعدالة والتنمية. فحزب الأصالة والمعاصرة، الذي كان واحدا من أكثر الأحزاب تعرضا لنيران بنكيران والعدالة والتنمية وداعميهم خلال السنوات الماضية، تصدر انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا والاستقلال بـ65، فيما جاء العدالة والتنمية رابعا بـ54 مقعدا.
والسؤال هنا ماذا سيفعل العدالة والتنمية إذا وجد نفسه أمام إمكانية المشاركة في حكومة يقودها أو يتصدرها حزب الأصالة والمعاصرة؟ خاصة إذا استحضرنا أن “البام” لم يكن بالنسبة إلى خطاب بنكيران وحزبه مجرد منافس انتخابي عادي. فقد كان حاضرا لسنوات في مرمى الانتقادات، كما أن جزءا من الخطاب الانتخابي للعدالة والتنمية وداعميه قام على تقديم الأصالة والمعاصرة باعتباره في مواجهة مع منظومة القيم التي يدافع عنها الحزب، ووصل الأمر في بعض الحملات إلى ربط هذا الصراع بالمرجعية الدينية، خصوصا عند مهاجمة وجوه بارزة في الحزب.
ويكفي هنا استحضار عبد اللطيف وهبي، أحد أبرز وجوه الأصالة والمعاصرة ووزير العدل في الحكومة المنتهية ولايتها، والذي كان بدوره هدفا لانتقادات مباشرة من بنكيران. فقد سبق لبنكيران أن هاجم وهبي وغيرها من القيادات داخل حزب الأصالة والمعاصرة. واليوم يجد العدالة والتنمية نفسه أمام واقع سياسي قد يضعه، إذا اتجهت المشاورات نحو ذلك، في موقع الجلوس مع الحزب نفسه الذي كان أحد أبرز أهداف خطابه السياسي.
وهنا تصبح عبارة “أي عدالة وتنمية عاد؟” أكثر إلحاحا. هل عاد الحزب بالخطاب نفسه الذي خاض به معاركه السابقة؟ وهل يستطيع أن يظل وفيا للخطاب الذي قدم به نفسه خلال الحملة إذا أصبح مطالبا بالتفاوض مع خصوم الأمس؟ وهل ستبقى الحدود التي رسمها بنكيران بين “البيجيدي” و”البام” قائمة عندما تنتقل السياسة من منصة المهرجان الخطابي إلى طاولة تشكيل الحكومة؟
ثم هناك سؤال آخر لا يقل أهمية وهو ماذا سيفعل الناخب الذي صوت للعدالة والتنمية لأنه أراد معاقبة الأحزاب الحكومية إذا وجد الحزب نفسه مشاركا معها في الحكومة؟ وهل يمكن أن يتحول التصويت الاحتجاجي الذي أعاد “البيجيدي” إلى البرلمان إلى عبء عليه إذا اضطر إلى تقديم تنازلات سياسية أو المشاركة في تدبير حكومة تضم وجوها كان ينتقدها بالأمس؟
لهذا قد تكون عودة العدالة والتنمية في انتخابات 2026 أسهل من المهمة التي تنتظره بعدها. فالفوز بـ54 مقعدا شيء، وتحويل هذه المقاعد إلى مشروع سياسي مستقر شيء آخر. والأصعب من ذلك أن الحزب قد يجد نفسه أمام امتحان التوفيق بين خطاب المعارضة الذي أعاده إلى الواجهة، ومتطلبات السياسة عندما تتحول من المعارضة إلى المشاركة.