انتخابات 2026

يحياوي: التحاق لقجع بالبام ورقة سياسية.. والأحرار دفعوا ثمن رهان المرشحين غير المسيسين

أكد مصطفى يحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية وتقييم السياسات العمومية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، أن القراءة الأولية لنتائج اقتراع 23 شتنبر 2026 تفرز خمس خلاصات، تتعلق أساسا باستراتيجية حزب الأصالة والمعاصرة، وعودة الطبقة المتوسطة في المدن الكبرى والمتوسطة إلى صناديق الاقتراع، وتراجع حزب التجمع الوطني للأحرار، وطبيعة المرشحين الذين استقطبهم البام، فضلا عن ضعف نسبة المشاركة.

وأوضح يحياوي، في قراءة أولية لنتائج انتخابات 23 شتنبر، أن نتائج اقتراع أمس أكدت أن التحاق لقجع بالبام مثل ورقة سياسية أساسية في استراتيجية الحزب خلال استحقاقات 23 شتنبر، مشيرا إلى أن الطريقة التي تم بها تبريزه في مختلف اللقاءات الميدانية أظهرت أن الغاية كانت الاستفادة من الانطباع العام الذي تولد حول شخصيته خلال الخمس سنوات الأخيرة.

وأضاف أن هذا الانطباع ارتبط، سواء بتأهيل الفرق الوطنية لكرة القدم واستضافة المغرب لمونديال 2030، أم بما يملكه لقجع من قدرات خطابية “حماسية” وموقعه الحكومي في قطاع الميزانية العامة، معتبرا أن هذه العوامل جعلت من وجوده دعامة انتخابية أقل انشغالا بالسياسة بمعناها الحزبي الإيديولوجي، وأكثر اهتماما بجاذبية شخصية “صاحب الإنجازات المستلهمة لمشاعر الفخر الوطني”.

وأشار يحياوي إلى أن هذه المعطيات شكلت مسوغا عقلانيا يدفع بسلالة وبلين (Nudge) للقبول اجتماعيا بسردية الحاجة إلى تغيير بروفيل القائد لحزب يعاني منذ 2009 من غياب شخصية الزعيم “المقبول” لدى الرأي العام، معتبرا أن الاستراتيجية التواصلية للحزب نجحت في استثمار ذلك انطلاقا من ثلاثة محددات كافية لإحداث تأثير سلوكي لدى الناخب الأكثر قابلية للاستمالة.

وأوضح أن المحدد الأول تمثل في التبريز التواصلي الإعلامي للشخصية العمومية الأجدر بالثقة لقيادة المرحلة المقبلة، خصوصا وأن الانزعاج الذي أبدته بعض قيادات حزب الأحرار من وجوده خلال اجتماع المكتب السياسي الأخير في 25 غشت 2026 كان له عائد إيجابي على أهمية حضوره في المنافسة الانتخابية.

وأضاف أن المحدد الثاني تمثل في التمكن بشكل كبير من التحكم في الكلفة السياسية للمعلومات الرائجة على شبكات التواصل الاجتماعي حول تلك الشخصية، وما قد يحدث وجودها من حساسيات داخلية، خاصة مع أعضاء القيادة الجماعية للحزب.

وكشف أن المحدد الثالث ارتبط بنجاح خطة الدعاية الانتخابية للحزب في تجنب كل ما من شأنه أن يحدث خلطا ذهنيا (confusion cognitive) بين شخصية القائد السياسي المثير لحفيظة الشارع وشخصية القائد السياسي الجديد الملهم للحماسة الشعبية، مشيرا إلى أن ذلك حاول لقجع إبرازه من خلال إفصاحه عن عدم رضاه عن القواعد التي اعتمدتها الحكومة في تدبيرها للدعم في قطاع الفلاحة.

وأوضح يحياوي أن البام استطاع، بهذه الاستراتيجية المعقلنة، معاودة حلم تصدر الاستحقاقات التشريعية لـ2016، والتي اكتفى خلالها باحتلال المرتبة الثانية بـ105 مقاعد.

وأضاف أن الفارق بين سياق 2016 و2026 يتمثل في أن تعويل البام على الصدارة هذه المرة كان على حساب حزب التجمع الوطني للأحرار، وليس على حساب العدالة والتنمية، أي من دون كلفة إيديولوجية قد تعرض الحزب إلى مخاطر عدم المقبولية الاجتماعية لاستراتيجية التقاطبية السياسية القائمة على الحداثيين والإسلاميين، خصوصا بعدما تأكد استقطاب مرشحين كان يعول عليهم حزب الأحرار في 23 شتنبر 2026.

وأشار إلى أن حزب الأحرار اعتمد، خلال تشريعيات 2021، على 39 مرشحا التحقوا به من أحزاب أخرى، وقد فاز منهم 36 نائبا، من ضمنهم 17 عضوا سبق له أن انتخب باسم البام في 2011 أو في 2016.

وأوضح يحياوي أن الخلاصة الثانية تتمثل في عودة الطبقة المتوسطة في المدن الكبرى والمتوسطة إلى صناديق الاقتراع عبر إعمال التصويت المفيد والعقابي لفائدة حزب العدالة والتنمية، معتبرا أن التسييس من جديد للأوساط المدينية ذات الكثافة السكانية العالية والمتوسطة في الدوائر ذات المقاعد 3 و4 و5 و6 ساعد حزب العدالة والتنمية على استرجاع جزء من قوته الانتخابية.

وأضاف أن هذه الدوائر تمثل 86% من مجموع المقاعد المحلية البالغ عددها 305، مشيرا إلى أن تركيز بنكيران خلال الأسابيع الأربع السابقة ليوم الاقتراع على اللقاءات الجماهيرية في الدوائر ذات ثلاثة مقاعد أو أربعة قد يفسر ارتفاع حصيلة مقاعده بنسبة تتجاوز 4 المرات حصيلة 2021.

وتابع أن ذلك مكن حزب العدالة والتنمية بالتالي من تجاوز الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية ومنافستهما على أصوات الناخبين الأكثر ميولا لإعمال التصويت العقابي في تلك الدوائر، مشيرا إلى أن قرار حركة التوحيد والإصلاح خلال اجتماع مكتبها التنفيذي الأخير في 5 شتنبر 2026 كان، لا محالة، داعما لطموح تصحيح الحزب لكبوته الانتخابية في 2021.

وأبرز أن مراجعة القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين لم تسعف حزب العدالة والتنمية في تحقيق حصيلته الانتخابية خلال استحقاقات 2011 و2016.

وقال يحياوي إن الخلاصة الثالثة تتمثل في أن حزب الأحرار كان، في اعتقاده، الخاسر الأكبر من اقتراع 23 شتنبر، إذ فقد 35./.، أي 36 مقعدا، من حصيلته في انتخابات 2021، بالرغم من أنه كان، بالمقارنة مع أحزاب الأغلبية، الأكثر تهيؤا والأكثر حضورا على مستوى الأنشطة الحزبية -ترابيا- خلال الولاية الانتدابية الأخيرة.

وأوضح أن مرد ذلك، في اعتقاده، يعود إلى اعتماده المفرط على بروفيلات غير مسيسة تم استقطاب جلها لغاية انتخابية محضة، مشيرا إلى أن ما يناهز 56% من منتخبي الحزب، بما فيهم المستشارون الجماعيون، لا تتعدى مدة التحاقهم بالحزب أكثر من سنتين قبل انتخابات 2021.

وأضاف أن غالبية هؤلاء قدموا من أحزاب أخرى، بما فيها البام، وقد عاد جزء كبير منها إلى أحزابهم الأصلية في 2026، مشيرا إلى أن بعضا منهم ممن يتقلد مسؤولية انتخابية جماعية فضل عدم الإفصاح عن ذلك صراحة، وقد اشتغل أثناء الحملة الانتخابية ضد الحزب، خاصة لفائدة البام.

وأبرز يحياوي، في الخلاصة الرابعة، أنه إذا ما أخذنا بعين الاعتبار بروفيلات المرشحين الذين تم استقطابهم من طرف البام خلال ستة أسابيع التي سبقت يوم الاقتراع، فإن غالبيتهم تتقاسم ملمح الأعيان “الجدد”، أو ما يسمي بـ”المقاولين السياسيين”، من ذوي النفوذ المحلي الأكثر حضورا على مستوى جغرافية القرب الاجتماعي.

وأوضح أن هؤلاء لا يتوفرون على أي توجه إيديولوجي يمكن أن يحسب على تأطير سياسي حزبي خاص، لكنهم الأكثر قدرة على استمالة فئات الناخبين التي عادة ما يتأثر سلوكها الانتخابي بعوامل القرب العائلي والقبلي أو الثقة ويسر التواصل واستمراره، والتي تشكل عادة نسبة 74% من مبررات التصويت لدى الناخبين في أحواز المدن المتوسطة والكبرى.

وأضاف أن وجود بعض هؤلاء المرشحين في رأس اللوائح المحلية أفضى إلى رفع عدد مقاعد الحزب بعشرة مقاعد.

وأشار يحياوي إلى أن هذا المنحى في اختيار المرشحين أهل حزب الأصالة والمعاصرة إلى معاودة رهان 2016 بحصوله على مجموع 97 مقعدا، ويتبوأ المرتبة الأولى من دون أن يصل إلى سقف المائة مقعد، كما جرت العادة في الاستحقاقات التشريعية التي جرت بعد اعتماد الوثيقة الدستورية لـ2011.

وأكد أن الخلاصة الخامسة ترتبط بنسبة المشاركة، موضحا أن انتخابات 2026 أفرزت ثاني أضعف نسبة مشاركة، بلغت 38,08%، مسجلة في تاريخ المسار الانتخابي بالمغرب بعد نسبة انتخابات 2007 التي بلغت 37%، باعتماد مرجع قاعدة لوائح المسجلين.

وأوضح أنه إذا تم اعتماد مرجع عدد السكان ممن هم في سن التصويت، فإن نسبة المشاركة ستكون الأضعف على الإطلاق، بمعدل 22,88%، أي أقل من الربع، بالمقارنة مع النسبة المسجلة في استحقاقات 2007، والتي بلغت 27,83%.

وأضاف يحياوي أن هذه الحصيلة تبقى ضعيفة على مستوى المردودية المجتمعية للتأطير السياسي للأحزاب، وقد تساعد على التدبير المرحلي المؤقت المشروط بالحفاظ على مكسب انتظام الأجندة الانتخابية، لكنها تبقى محدودة الأفق السياسي وذات مخاطر عالية على المدى المتوسط والبعيد.

وختم بأن الحاجة المستعجلة تتمثل، بحسب قراءته، في تأهيل المشهد الحزبي وإرجاع الثقة في جدوى أدوار الأحزاب على مستوى الوساطة السياسية، كما أثبت ذلك مختلف الأبحاث الميدانية المنجزة حول منظومة القيم والتحولات المجتمعية خلال العشرين سنة الأخيرة.