انتخابات 2026

الريسوني يسائل دلالات العزوف في اقتراع 23 شتنبر: هل هو عقاب للأحزاب أم إدانة للانتخابات؟

طرح أحمد الريسوني، الرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، علامات استفهام حول العزوف الواسع عن انتخابات 2026، متسائلاً عما إذا كان هذا الإقبال المحدود على صناديق الاقتراع يعكس عقاباً للأحزاب والمنتخبين، أم أنه يتجاوز ذلك إلى موقف أوسع من العملية الانتخابية برمتها، ومن جدوى المشاركة السياسية.

وقال الريسوني، في تدوينة نشرها على صفحته الرسمية، إن المغرب شهد خلال انتخابات 2026 تراجعاً كبيراً في أعداد المصوتين مقارنة باستحقاقات 2021، مبرزاً أن ملايين المواطنين لم يسجلوا أنفسهم أصلاً في اللوائح الانتخابية، فيما لم يشارك فعلياً في الاقتراع سوى جزء محدود من المسجلين، وهو ما اعتبره مؤشراً يستدعي التمحيص في دلالات العزوف وأسبابه.

وأوضح الريسوني أن الحديث عن “التصويت العقابي” يتكرر عقب كل انتخابات، في إشارة إلى تصويت الناخبين لفائدة حزب أو أحزاب معينة نكاية بالمنتخبين المنتهية ولايتهم ومعاقبة لهم على سوء أدائهم أو عدم وفائهم بالتزاماتهم ووعودهم، معتبراً أن هذا التفسير “قد يكون فيه قدر من الصواب”، لكنه ينطوي في الوقت نفسه على “كثير من سوء الفهم، أو من المغالطة والإيهام”.

وأضاف أن النقاش، في نظره، لا ينبغي أن يتوقف عند التصويت العقابي، وإنما يجب أن يمتد إلى ما سماه “عدم التصويت العقابي”، معتبراً أن العزوف عن المشاركة قد يكون أكثر دلالة على طبيعة العلاقة القائمة بين المواطنين والانتخابات والأحزاب السياسية.

وبالاستناد إلى أرقام وزارة الداخلية، قال الريسوني إن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية برسم استحقاقات 2026 بلغ 15 مليوناً و801 ألف و162 ناخباً، وفق اللوائح المحصورة في 10 يوليوز 2026، مقابل نحو 27 مليون مغربي راشد مؤهل للتصويت.

وأشار إلى أن أقل من 16 مليون مواطن من أصل نحو 27 مليوناً ممن يحق لهم التصويت بادروا إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية، ما يعني، بحسب قراءته، أن أكثر من 11 مليون مواطن راشد لم يهتموا حتى بمجرد التسجيل في اللوائح، وهو الوضع الذي أشار إلى أنه دفع بعض الزعماء الحزبيين إلى المطالبة بفرض عقوبات على غير المسجلين.

واعتبر الريسوني أن الأهم من ذلك يتمثل في حجم المشاركة الفعلية، موضحاً أن عدد المسجلين في اللوائح لم يتحول بأكمله إلى أصوات داخل صناديق الاقتراع، إذ لم يصوت فعلياً سوى أقل من ستة ملايين ناخب، وفق المعطيات التي أوردها، من أصل نحو 16 مليوناً مسجلين ومن أصل 27 مليوناً ممن يحق لهم التصويت.

وأشار إلى أن المغرب انتقل خلال خمس سنوات من نحو 8.79 ملايين مصوت سنة 2021 إلى حوالي ستة ملايين فقط سنة 2026، أي أن صناديق الاقتراع فقدت نحو 2.8 مليون مصوت مقارنة بالاستحقاق التشريعي السابق.

وبناء على هذه الأرقام، قال الريسوني إن أكثر من 21 مليون شخص من أصل 27 مليوناً ممن يحق لهم التصويت أصبحوا “غير مكترثين بها ولا ملتفين إليها”، معتبراً أن هذه النسبة من العزوف تطرح أسئلة تتجاوز مجرد تفسير النتائج الانتخابية إلى طبيعة العلاقة نفسها بين المواطن والانتخابات.

ولفت الريسوني أيضاً إلى ضرورة احتساب الأوراق الملغاة عند قراءة حجم المشاركة الحقيقية، معتبراً أن عدداً من أصحاب هذه الأوراق قد يتوجهون إلى مكاتب التصويت ظاهرياً تفادياً لأن “يسجل عليهم” عدم القيام بالواجب الانتخابي، أو استجابة لرغبة أقاربهم وأصدقائهم ورؤسائهم، لكنهم، في تقديره، “في الحقيقة ذهبوا ولم يصوتوا”.

وانتقد في المقابل بعض أنماط التصويت التي قال إنها لم تعد تقوم بالضرورة على معايير الصلاحية والكفاءة، وإنما على اعتبارات مرتبطة بالمنافع الشخصية أو المجاملة والقرابة والصداقة والزمالة والجوار.

واعتبر أن هذا الوجه من التصويت يمثل بدوره “وجهاً آخر من وجوه التتفيه والتحقير للانتخابات وفوائدها”، مضيفاً أن أصحاب هذا النوع من التصويت “قد يكونون أسوأ على الانتخابات ممن لم يصوتوا أصلا”، قبل أن يعلق على استفادة المرشحين من هذه الأصوات بالقول: “ولكن القائمين على الانتخابات يفرحون بهم بعدما ربحوا أصواتهم.. هزلت!”.

واستحضر الريسوني في تدوينته واقعة تعود إلى إحدى سنوات الثمانينيات بمدينة القصر الكبير، قال فيها إن شاباً حاصلاً على الإجازة تمكن من الوصول إلى البرلمان بفضل دعم أصدقائه وزملائه وأقاربه وأبناء حيه، بعدما تعاطفوا معه بسبب بقائه عاطلاً عن العمل.

وأوضح أن هؤلاء قرروا دعمه في ترشحه وحملته الانتخابية، وأن عدداً من المواطنين تجاوبوا مع هذا “المسعى النبيل”، فصوتوا للشاب الجامعي العاطل بهدف إخراجه من البطالة والفقر، رغم أنه، وفق رواية الريسوني، لم يكن يتوفر على برنامج أو وعود انتخابية.

وفي خلاصة قراءته، قال الريسوني إن “عموم المغاربة أصبحوا عازفين عن الانتخابات، زاهدين في فائدتها وما ينتظر منها”، معتبراً أن المشهد يجمع بين إقبال محدود من جهة، وعزوف واسع من جهة أخرى.

وطرح في هذا السياق مجموعة من الأسئلة حول الدلالة السياسية والاجتماعية لهذا العزوف، متسائلاً: “هل كل ذلك تصويت عقابي؟ أو هو معاملة بالمثل للسياسة والسياسيين؟ أم هو لاتصويتٌ عقابي؟ وهل هو عقاب لمجمل الأحزاب، ومجمل المنتخبين، ومجمل المترشحين؟ أم هو إدانة وتسفيه للعملية برمتها؟”.

كما تساءل عما إذا كان هذا الوضع يمثل “حكماً شعبياً مبرماً، بعدم الجدوى وفقدان المعنى”، قبل أن يؤكد أن مختلف هذه الاحتمالات “تبقى واردة، وتحتاج إلى تمحيص وتقييم واعتبار”.

وختم الريسوني تدوينته بالآية القرآنية: “إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد”، داعياً ضمنياً إلى قراءة أعمق لمؤشرات المشاركة والعزوف التي أفرزتها انتخابات 2026.