للشعب أن يقوم بتقييم المرحلة الانتقالية الممتدة منذ إقرار دستور 2011، في علاقتها بالربيع الديمقراطي ومطالب المحتجين في الشوارع والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، مع ما رافق ذلك من تباين في المواقف والاصطفافات بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار؛ بين رافض للحراك، ومشكك فيه، ومدعم له دون تحفظ، ومساند حاول إلباسه لباس حزبه، وكأن أفكاره سبقت الحراك في الشارع.
امتدت هذه الحقبة عبر خماسيتين برئاسة حزب احتل المرتبة الأولى انتخابيا من حيث عدد المقاعد، ثم أعقبتهما خماسية ثالثة، ليصل الزمن السياسي لهذه المرحلة إلى حوالي 15 سنة؛ وهي مدة أصبح خلالها الطفل شابا، والمراهق ناضجا، والناضج كهلا، والكهل شيخا.
وخلال هذه السنوات، توفي الآلاف، بغض النظر عن أعمارهم وأعمارهن، ممن عايشوا نتائج السياسات الاقتصادية والاجتماعية اللاشعبية، وعانوا من الفقر والخصاص ومختلف الإكراهات، ثم رحلوا وأرواحهم تحمل سخطهم وغضبهم ومتمنياتهم وأحلامهم المجهضة، ورفعوا شكاياتهم إلى العلي القدير، الذي سيختصم عنده أهل الأرض، وليُحاسب عنده الذين تسببوا في مآسيهم وظلمهم بسبب قرارات وقوانين وتصريحات لم تراع ظروفهم ولا أوضاعهم المزرية والمعقدة.
إن الحكماء في الدولة مطالبون بضرورة إيقاف تكرار واستنساخ حكومات تختلف مكوناتها من حيث الانتماءات الحزبية والمرجعيات، لكنها تحافظ، في الوقت نفسه، على سياسات مستندة إلى برامج متوافق عليها لا ترقى إلى مطالب وانتظارات الحركات الاحتجاجية التي شهدها المغرب، سواء في بعدها الوطني أو في مناطق بعينها، لاعتبارات تتعلق بمطالب تشكل أولويات المحتجين.
فتشكيل حكومة جديدة وتنصيبها لا يعني، بالضرورة، استمرار مسارات سابقاتها، بما في ذلك تمطيط أزمنة الأزمات وإعادة تدويرها عبر تغييرات شكلية، قد تبدو أحيانا جوهرية، لكنها تظل في محصلتها محدودة الأثر لأسباب تتعلق بالحكامة وبطء وتيرة التنفيذ، بما يفاقم الأزمة الاجتماعية ويمس بالاستقرار في مختلف مرتكزاته.
نقول هذا لأن الأحزاب التي سيرت حكومات هذه الحقبة هي، عمليا، الأحزاب نفسها. فالأوائل وضعوا سياسات وتشريعات أسهمت في الغلاء والتفقير وتكريس الطبقية المجحفة، والذين حلوا بعدهم أكملوا ما بدأه أسلافهم، وأضافوا إليه ما زاد طين السياسة واللاعدالة بلة على بلة، وفقرا على فقر، وتهميشا على إقصاء.
وهكذا وصلنا إلى 23 شتنبر 2026، بعد حملات انتخابية قبلية ومبكرة قيل عنها إنها سابقة لأوانها، أُنجزت و”طُبخت على نار هادئة” على مرأى من السلطات العمومية المختصة والشعب والأحزاب، إلى درجة تجاوزت مجرد العلم بالأشياء عن طريق الأخبار المتداولة، ووصلت إلى مستوى التواتر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل وحتى من خلال إعلانات وتحركات الوزراء المنشورة في صفحات حساباتهم، والتي وثقت لقاءاتهم وعرفت ببرامجهم وقدمت وعودا مستقبلية.
غير أن نتائج صناديق الاقتراع أفرزت، في النهاية، إعادة ترتيب للأغلبيات، مع بقاء الأحزاب نفسها التي سيرت الخماسية الثالثة لما بعد الربيع الديمقراطي.
وبذلك، قد يرى المشهد السياسي والحزبي والحقوقي والشعبي في الحكومة المقبلة تركيبة قريبة من سابقتها، برئيس حكومة جديد، بما قد يجعلها امتدادا لحكومة احتجت على سياساتها الأحزاب التقدمية والمعارضة والقوى الديمقراطية والمدنية، عبر البلاغات والمواقف، كما خرج “جيل زد” للاحتجاج والاعتراض في عدد من مناطق المغرب.
ولا ينبغي، في هذا السياق، إغفال حركة الهجرة الكبرى التي شهدتها سبتة ومليلية، والتي لا تزال أسباب حدوثها وآثارها السلبية قائمة، وستجد الحكومة المقبلة نفسها أمام تداعياتها.
والسؤال المطروح اليوم وغدا هو: هل ستتشكل أغلبية جديدة تعمل فعلا على تغيير السياسات والقرارات، بل وحتى بعض التشريعات التي ساهمت في أزمات اقتصادية واجتماعية مست قدرات غالبية الشعب المغربي، وعمقت التهميش والعزلة والخصاص في المناطق القروية والحضرية على السواء؟
وهل ستتمكن الحكومة المقبلة من معالجة تراجع مستوى الخدمات في الصحة والتعليم والبنيات التحتية، واتساع دائرة البطالة، وضعف الأجور، وأزمات أوضاع المتقاعدين؟
لهذا وغيره، فإن لسان حال عامة الناس وخاصتهم يقول: كفوا عنا ما يضرنا ويقهرنا، وعجلوا بتعميم العدالة، واجعلوا التنمية تسير بسرعة واحدة في مختلف مناطق البلاد، وضعوا ثروات الوطن في خدمة التنمية والشعب.
والمطلب الأساسي هو: كفى من تغيير المسؤولين والوزراء والتناوب بين الأحزاب مع الإبقاء على الأوضاع السابقة مستمرة.
ذلك لأن الشعب، الذي قبل بصبر ولضرورات مرحلية بتكرار المشهد، قد لا يقبل، في زمن غير متوقع، باستمرار الممارسة نفسها تحت عنوان الديمقراطية ونظام الأحزاب المنصوص عليهما دستوريا، وقد يطرح مطالب لن يكون من السهل على أحد التفاعل معها أو احتواؤها.