يد تضع ورقة اقتراع في صندوق الاقتراع خلال الانتخابات التشريعية 2026
وجهة نظر

ماذا لو فازت العدالة والتنمية بالانتخابات التشريعية؟

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، يطرح المشهد السياسي المغربي سؤالا يتجاوز مجرد معرفة الحزب الذي سيتصدر النتائج: ماذا سيحدث إذا عاد حزب العدالة والتنمية إلى صدارة الانتخابات، بعد خمس سنوات فقط من تراجعه الكبير في انتخابات 2021؟

والأهم من ذلك: هل ستكون عودة العدالة والتنمية إلى صدارة الانتخابات عودة عادية لحزب سياسي، أم أنها ستفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاوض السياسي حول رئيس الحكومة المقبل وشكل الأغلبية الحكومية؟

فالحزب الذي تصدر انتخابات 2011 بـ107 مقاعد، ثم حافظ على صدارته في انتخابات 2016 بعدما رفع رصيده إلى 125 مقعدا، لم يكن حينها مجرد حزب انتخابي عابر، بل كان يعيش واحدة من أقوى مراحله الانتخابية والسياسية. وفي المرحلتين كان عبد الإله بنكيران هو قائد الحزب وواجهته الانتخابية والسياسية.

ومن هنا تظهر مسألة بنكيران كأحد أكثر السيناريوهات حساسية في حال تصدر العدالة والتنمية انتخابات 2026.

إذا تصدر الحزب الانتخابات، فإن السؤال الأول الذي سيطرح مباشرة هو: هل سيعود عبد الإله بنكيران إلى رئاسة الحكومة، أم أن الحزب سيقدم اسما آخر؟

الدستور المغربي ينص في الفصل 47 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. وبالتالي فإن تصدر العدالة والتنمية سيضعه دستوريا في موقع الحزب المعني بتقديم مرشحه لرئاسة الحكومة. لكن الفصل نفسه لا ينص على أن الأمين العام للحزب المتصدر يصبح تلقائيا رئيسا للحكومة، كما لا ينص على اسم شخص بعينه. ومن ثم، فإن الحزب سيكون أمام مساحة سياسية لاختيار الشخصية التي سيقترحها.

وهنا تبرز فرضية سياسية شديدة الحساسية، وهي ما يمكن تسميته إعلاميا بـ”فيتو بنكيران”.

إذا كانت هناك، قبل الانتخابات أو بعدها، إرادة سياسية تحول دون عودة بنكيران شخصيا إلى رئاسة الحكومة، فإن السيناريو المحتمل سيكون أن يتصدر العدالة والتنمية الانتخابات، ثم يقدم شخصية أخرى من قيادته لتولي رئاسة الحكومة.

وهذا السيناريو، إن تحقق، سيطرح سؤالا سياسيا كبيرا: هل يكون الناخب قد صوت على عودة حزب العدالة والتنمية إلى قيادة الحكومة، أم على عودة بنكيران شخصيا؟

الفصل بين الأمرين مهم، لأن بنكيران لم يعد مجرد أمين عام لحزب سياسي؛ فقد تحول خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز الوجوه المرتبطة انتخابيا بالعدالة والتنمية. وتجربته السابقة تجعل اسمه حاضرا بقوة في ذاكرة الناخبين.

ففي انتخابات 2011 قاد بنكيران العدالة والتنمية إلى المرتبة الأولى بـ107 مقاعد، ليتم تعيينه رئيسا للحكومة. وبعد خمس سنوات، وفي انتخابات 2016، تمكن الحزب بقيادته من الحفاظ على الصدارة ورفع رصيده إلى 125 مقعدا، وهي أعلى نتيجة برلمانية حققها الحزب في تاريخه.

وهذا التاريخ يجعل من الصعب فصل القوة الانتخابية للعدالة والتنمية في تلك المرحلة عن شخصية بنكيران نفسه.

لقد أظهر بنكيران قدرة واضحة على تحويل المهرجانات الانتخابية إلى فضاءات للتعبئة السياسية المباشرة، وعلى مخاطبة الناخبين بلغة شعبية يفهمها جمهور واسع. ولذلك يمكن وصفه، بالمعنى السياسي الانتخابي، بأنه “ماكينة انتخابية” للحزب، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتعبئة والحضور الميداني واستقطاب الانتباه الإعلامي.

وفي انتخابات 2026 نفسها، تظهر مؤشرات على استمرار هذا الحضور. فقد قاد بنكيران الحملة الانتخابية للحزب، وشارك في مهرجانات خطابية متعددة، وأعلن أن العدالة والتنمية ينافس على صدارة الانتخابات.

ومن هنا فإن سيناريو تصدر الحزب دون بنكيران قد يكون معقدا من الناحية السياسية.

فإذا حصل الحزب على نتيجة كبيرة بفضل تعبئة انتخابية ارتبط جزء مهم منها بشخصية أمينه العام، ثم جرى اختيار شخصية أخرى لرئاسة الحكومة، فقد يطرح ذلك نقاشا حول مدى قدرة الحزب على نقل الزخم الانتخابي من بنكيران إلى مرشح آخر.

لكن في المقابل، قد يكون الحزب قادرا على تقديم شخصية توافقية تحافظ على الصدارة الانتخابية وتفتح الطريق أمام تشكيل أغلبية حكومية أكثر سهولة.

وهنا يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات أساسية لبنكيران في حالة تصدر العدالة والتنمية.

السيناريو الأول: تصدر الحزب وتكليف بنكيران بتشكيل الحكومة.

وهو السيناريو الذي سيكون الأكثر مباشرة من الناحية السياسية، إذا اعتبر الحزب أن بنكيران هو المرشح الطبيعي لرئاسة الحكومة، خاصة إذا كانت النتيجة الانتخابية قوية، وإذا كان قادرا على بناء أغلبية برلمانية.

لكن عودة بنكيران إلى رئاسة الحكومة ستعني أيضا عودة شخصية سياسية سبق أن قادت الحكومة بين 2012 و2017، وبالتالي ستعيد إلى الواجهة كثيرا من الملفات والخلافات التي طبعت تلك المرحلة.

السيناريو الثاني: تصدر العدالة والتنمية مع استبعاد بنكيران واختيار شخصية أخرى.

وهنا سيكون الحزب أمام اختبار سياسي حقيقي.

قد يكون المرشح الجديد شخصية من الصف الأول داخل الحزب، أو شخصية ذات طابع توافقي، قادرة على التفاوض مع الأحزاب الأخرى وتشكيل أغلبية حكومية.

لكن نجاح هذا السيناريو سيتوقف على سؤال أساسي: هل يستطيع المرشح الجديد أن يحافظ على الزخم الذي صنعه بنكيران خلال الحملة الانتخابية؟

فالانتخابات قد تفرز حزبا متصدرا، لكن تشكيل الحكومة يحتاج إلى تفاوض وتحالفات وقدرة على إدارة الأغلبية.

السيناريو الثالث: تصدر العدالة والتنمية مع استمرار بنكيران كقائد سياسي للحزب، دون أن يكون بالضرورة رئيسا للحكومة.

وهنا يمكن أن يظهر نموذج سياسي مختلف: رئيس حكومة من الحزب، مقابل بقاء بنكيران أمينا عاما وقائدا سياسيا للحزب.

هذا السيناريو قد يسمح بالفصل بين الوظيفة الحكومية والوظيفة الحزبية، لكنه في الوقت نفسه قد يخلق ازدواجية في مركز القرار السياسي داخل الحزب، خصوصا إذا ظل بنكيران حاضرا بقوة في المشهد الإعلامي والسياسي.

ولا يمكن أيضا استبعاد سيناريو آخر أكثر تعقيدا: أن يفوز العدالة والتنمية بالانتخابات، لكن بعدد مقاعد لا يسمح له بتشكيل الحكومة منفردا.

في هذه الحالة سيكون الحزب مضطرا إلى البحث عن حلفاء.

وهنا سيظهر السؤال الأصعب: من هي الأحزاب التي يمكن أن تدخل معه في الحكومة؟

فالتحالفات التي تبدو مستبعدة خلال الحملة الانتخابية قد تصبح ممكنة بعد إعلان النتائج، كما أن الخطاب الانتخابي لا يكون دائما هو نفسه خطاب التفاوض الحكومي.

وقد يؤدي ضعف عدد المقاعد إلى حكومة ائتلافية واسعة، تضم ثلاثة أو أربعة أحزاب أو أكثر، بحسب الخريطة البرلمانية التي ستفرزها صناديق الاقتراع.

أما إذا حصل العدالة والتنمية على 198 مقعدا على الأقل من أصل 395، فإنه سيكون قد حصل على الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب، وهو سيناريو سيغير بصورة كبيرة طبيعة مفاوضات تشكيل الحكومة.

غير أن الأغلبية المطلقة لا تعني أن الحزب يستطيع إدارة جميع الملفات دون مراعاة طبيعة النظام السياسي المغربي واختصاصات مختلف المؤسسات الدستورية.

وفي المقابل، فإن حصول الحزب على المرتبة الأولى بعدد مقاعد أقل بكثير من 198 سيجعل المعركة الحقيقية تبدأ بعد إعلان النتائج: معركة تشكيل الأغلبية.

وهنا قد تكون تجربة 2016 حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية المغربية.

ففي انتخابات أكتوبر 2016 تصدر العدالة والتنمية بـ125 مقعدا، لكنه لم يحصل على الأغلبية المطلقة، واستمرت مفاوضات تشكيل الحكومة لأشهر قبل أن تنتهي في 2017 بتعيين سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة خلفا لبنكيران.

ولهذا فإن عودة العدالة والتنمية إلى الصدارة في 2026 لن تعني بالضرورة عودة تجربة 2011 أو 2016 نفسها.

فالظرف السياسي تغير، والخريطة الحزبية تغيرت، وتجربة الحزب في الحكومة تركت رصيدا سياسيا متباينا، كما أن العدالة والتنمية نفسه تغير بعد النتائج القاسية التي حصل عليها في انتخابات 2021.

لكن المفارقة ستكون كبيرة إذا استطاع الحزب الانتقال من 13 مقعدا في انتخابات 2021 إلى المرتبة الأولى في انتخابات 2026.

ففي انتخابات 2021 تصدر التجمع الوطني للأحرار بـ102 مقعدا، بينما حصل العدالة والتنمية على 13 مقعدا فقط. وبالتالي فإن العودة إلى المرتبة الأولى بعد خمس سنوات فقط ستشكل تحولا كبيرا في الخريطة البرلمانية.

وفي هذه الحالة لن يكون السؤال فقط: هل عاد العدالة والتنمية؟

بل: من أعاد العدالة والتنمية؟

وهنا تبرز شخصية بنكيران مرة أخرى.

فحتى لو لم يكن هو رئيس الحكومة المقبل، فإن قوة حضوره خلال الحملة وقدرته على التعبئة السياسية ستجعل من الصعب تجاهل دوره في أي قراءة لنتائج الحزب.

وقد تكون هذه هي المفارقة الأكبر في انتخابات 2026: أن يكون بنكيران قادرا على قيادة الحزب نحو الصدارة انتخابيا، ثم يجد الحزب نفسه أمام ضرورة اختيار شخصية أخرى لقيادة الحكومة.

وهذا السيناريو، إذا تحقق، سيكون اختبارا مزدوجا: اختبارا لقدرة العدالة والتنمية على تحويل القوة الانتخابية إلى قوة حكومية، واختبارا لقدرة الحزب على الانتقال من قيادة شخصية قوية إلى قيادة جماعية أكثر توافقية.

في النهاية، فإن فوز العدالة والتنمية، إن تحقق، لن يكون نهاية المعركة السياسية بل بدايتها.

ستكون هناك أولا مسألة من سيقود الحكومة، ثم مسألة من سيشكل الأغلبية، ثم مسألة البرنامج الحكومي، وبعد ذلك السؤال الأهم: هل تستطيع الأغلبية الجديدة الحفاظ على تماسكها طوال الولاية؟

أما بنكيران فسيبقى، في كل هذه السيناريوهات، أحد المفاتيح الأساسية لفهم المشهد.

فإذا عاد الحزب إلى الصدارة، فإن ذلك سيعيد إلى الواجهة الرجل الذي قاد العدالة والتنمية إلى انتصاري 2011 و2016، والذي أثبتت الحملة الانتخابية الحالية أن حضوره داخل الحزب لم يتحول إلى مجرد حضور رمزي.

وبذلك قد تكون انتخابات 23 شتنبر أمام احتمال سياسي غير مألوف: عودة حزب العدالة والتنمية إلى المركز الأول، وعودة بنكيران إلى واجهة المشهد، لكن دون أن تكون عودته إلى رئاسة الحكومة أمرا محسوما.

وهنا تحديدا سيبدأ السؤال الحقيقي: هل يستطيع الحزب أن يفوز ببنكيران، ثم يحكم بدونه؟