بعد ما كانت سلطات الحماية الفرنسية تركز على المجال القروي بهدف السيطرة على الأراضي الفلاحية وتوجيه الإنتاج لصالح المعمرين وربطه بالسوق الرأسمالي العالمي، مما أدى إلى تغييرات عميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة، أصبح تدخل الدولة مع بداية الاستقلال في تسيير المجال القروي يتم بواسطة الأعيان والنخب، كما جاء في كتاب “ريمي لوفو” (1932ـ2005) الفلاح “المغربي مدافع عن العرش” (1976)، حيث كان المغرب بلدا قرويا بامتياز (8.2 ملايين نسمة أي 70%) مقابل ما يقارب 3 ملايين بالمدن في سنة 1960 وهو أول إحصاء قامت به السلطات المغربية. وكانت البنية الاقتصادية تعتمد على القطاع ألفلاحي التقليدي وتربية الماشية.
ولقد انكب كثير من الباحثين لدراسة البنيات الاقتصادية والاجتماعية والتحولات التي طرأت عليها؛ وهكذا ظهرت السوسيولوجيا القروية بالمغرب كفرع أساسي من علم الاجتماع يدرس بنيات المجتمع القروي والقبلي، وتطوراتها عبر التاريخ. فمع المرحلة الكولونيالية ظهرت دراسات لخدمة الإدارة الاستعمارية وفهم تنظيم القبائل (إدموند دوتي وروبير مونطاني…).
أما المرحلة الوطنية (ما بعد الاستقلال)، فبرزت المدرسة المغربية بجهود جيل التأسيس مثل بول باسكون ومحمد جسوس وعبد الكبير الخطيبي، لنقد المفاهيم الاستعمارية ودراسة الواقع ألفلاحي والتنمية. ويعتبر بول باسكون رائد السوسيولوجيا القروية، وصاحب مفهوم “المجتمع المركب” الذي يفسر تعايش أنماط تنظيمية مختلفة في نفس المكان والزمان.
ولقد تناولت كثير من الأقلام نظريات ودراسات الباحث بول باسكون، وحتى تعم الفائدة، ولقابلية الموضوع للتحيين، نُعيد طرح ما جاء في نظرية المجتمع المركب.
يعتبر الباحث بول باسكون (Paul Pascon) من أهم علماء الاجتماع الذين طوروا البحث السوسيولوجي حول المجتمع المغربي منذ بداية الستينات حتى أواسط الثمانينات من القرن الماضي. ورغم قصر حياته التي توقفت إثر حادثة سير مفجعة بينما كان بصدد إنجاز دراسة علمية لصالح منظمة التغذية العالمية بموريتانيا رفقة الباحث أحمد عارف الذي فارق الحياة في نفس الظروف (1985)، فإن “بول باسكون” يعتبر بحق أهم عالم اجتماع في مغرب ما بعد الاستقلال نظرا لدقة تحاليله واتساع مجال أبحاثه وارتباطها الوثيق بالميدان، ولا سيما واقع العالم القروي الذي يعرفه “باسكون” حق المعرفة لأنه ترعرع في هذا الوسط منذ الطفولة (ولد سنة 1932 بقرية الضويات قرب مدينة فاس).
انكب بعد عودته إلى المغرب سنة 1960 على تأسيس فريق بحث متعدد التخصصات للبحث في العلوم الانسانية بهدف تزويد الدولة بدراسات سوسيولوجية تهم تحولات المغرب العميق. كان لهذه التجربة تأثيرا كبيرا في مساره البحثي.
في نهاية الستينات استعمل الباحث “بول باسكون” مفهوم المجتمع المركب (la société composite)، هذا المفهوم له قابلية للتحين من وجهة نظر “باسكون” الذي استعمله لأول مرة في سنة 1969 في محاضرة عمومية ونشره في مقال يحمل عنوان: (La formation de la société marocaine BESM Janvier 1971).
تركيبة المجتمع المغربي حسب بول باسكون: “انطلق (ب. باسكون) من فكرة مفادها أنه يصعب بناء نموذج نظري لفهم المجتمع دون العودة إلى التاريخ. إن المجتمعات البشرية (ولو كانت حديثة النشأة أو منغلقة على نفسها) هي مجتمعات تاريخية تتميز بدينامكية داخلية، وهذه الدينامكية تولد تناقضات بين مختلف المستويات التي يتشكل منها الواقع الاجتماعي وتعطي لهذه المجتمعات طابع التركيب وغياب التوافق والانسجام بين مكوناته”.
يستنتج “باسكون” من هذا التحليل أن المجتمع المغربي مجتمع مركب، لا يمكن اختزال بنيته إلى نمط إنتاج واحد وموحد مهما كانت درجة انتشاره لأنه لا ينتمي إلى صنف المجتمعات المتجانسة (sociétés homogènes) التي قامت بتصفية حساباتها مع الماضي وتطورت في إطار مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي متكامل وواضح المعالم.
وخلص باسكون واصفا طبيعة المجتمع المغربي كالتالي: “إن نماذج عدة من التنظيمات الاجتماعية، التامة في ذاتها، تتصارع داخل هذا المجتمع. ونحن أمام مظاهر جزئية من مجتمعات عديدة تتعايش أحيانا في نفس اللحظة وفي نفس المكان”.
إن شخصية الإنسان – حسب باسكون – الذي يعيش في المجتمع المركب لا بد أن تتأثر ببنيات هذا المجتمع المتنافر في أنماط الإنتاجية ومرجعياته لينتج لنا سلوكات مركبة ومتناقضة حسب السياقات. لذا فإسقاط هذا المفهوم على ضوء ما يعيشه المجتمع المغربي على مستويات متعددة منها الاجتماعية والثقافية والسياسية.. كفيلة بفهم وتشخيص مكامن الاختلالات في المجتمع المغربي في أفق الخروج من وضعية المجتمع المركب إلى مجتمع متجانس كقيمة أخلاقية وبناء عقلاني.