منتدى العمق

اللاهوت الإسلامي في مونستر: استقلال المعرفة واختبار الاستقطاب

تواجه المجتمعات المتعددة امتحانا يتجاوز قدرتها على جمع المختلفين في مكان واحد: هل تستطيع أن تمنحهم موقعا متكافئا في إنتاج المعرفة؟ يضع تأسيس كلية مستقلة للاهوت الإسلامي في جامعة مونستر هذا السؤال داخل الجامعة الألمانية نفسها. فمن يدرس الدين، ويعد معلميه، ويحدد موضوعات البحث فيه، يشارك أيضا في تشكيل الصورة التي يعرف بها المجتمع أحد مكوناته. لذلك تستحق الكلية قراءة تتجاوز خبر افتتاحها إلى معنى استقلالها وحدود الدور المنتظر منها.

نشأت الكلية من مركز الدراسات الإسلامية الذي أسسته جامعة مونستر عام 2012. وتضم اليوم نحو 450 طالبا وطالبة، ويتولى التدريس فيها ثمانية أساتذة، أربع نساء وأربعة رجال. يقودها عميدها المؤسس، البروفيسور مهند خورشيد، بعد إدارته المركز لسنوات، فيما ارتبط تأسيسها بالمسار المؤسسي الذي قاده رئيس الجامعة، البروفيسور يوهانس فيسلز، بالتعاون مع هيئات جامعية وجهات معنية بالتعليم العالي. ومع بدء عملها الدراسي في الفصل الشتوي 2026/2027، تدخل دراسة اللاهوت الإسلامي مرحلة جديدة في مونستر، بعد أن كانت تمارس ضمن مركز تابع لكلية أخرى.

يعني الاستقلال هنا امتلاك الكلية صلاحيات أوسع في تطوير مناهجها وبرامجها البحثية، وتنظيم امتحاناتها، والمشاركة في اختيار أساتذتها، والإشراف على المسارات الأكاديمية العليا. وتكتسب هذه الصلاحيات قيمتها من أثرها في البحث نفسه؛ فهي تتيح للتخصص أن ينمو وفق الأسئلة التي تنشأ داخله، وأن يتحمل مسؤولية الإجابة عنها وفقا للمعايير العلمية. غير أن الاستقلال يفرض بدوره التزامات ثقيلة: جودة التدريس، ونزاهة البحث، وإتاحة المجال لقراءات متعددة للتراث والواقع.

وتزداد أهمية هذا المشروع في مناخ ألماني يتصاعد فيه الاستقطاب حول الهجرة والهوية والدين. ففي انتخابات البرلمان الاتحادي عام 2025، حصل حزب «البديل من أجل ألمانيا» على نسب مرتفعة في ولايات شرقية؛ إذ نال نحو 38.6 في المئة من الأصوات الثانية في تورينغن، ونحو 37.3 في المئة في ساكسونيا. لا تفسر هذه النتائج بموقف واحد من الإسلام، ولا يجوز اختزال ناخبي الحزب في تصور واحد عن المسلمين. لكنها تكشف اتساع المجال السياسي لخطابات تجعل الانتماء والاختلاف الثقافي من قضايا التنافس الحاد.

في هذا السياق، لا تستطيع كلية جامعية معالجة أسباب صعود اليمين المتطرف، وهي أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية متشابكة. لكنها تستطيع الإسهام في أمر يقع ضمن اختصاصها: تقديم معرفة دقيقة عن الإسلام والمسلمين، وتكوين معلمين قادرين على إدارة الأسئلة الدينية داخل مدارس متنوعة، وفتح البحث للنقاش العام. وقد يسهم العمل العلمي الرصين في مقاومة الصور المبسطة، شرط أن يخاطب المجتمع بحجج واضحة، وأن يبقى مستعدا لمراجعة أفكاره هو أيضا.

وهنا تظهر حساسية المهمة. فالمسلمون في ألمانيا ليسوا جماعة تتطابق خبراتها وآراؤها، واللاهوت الجامعي لا يملك أن ينطق باسمهم جميعا. ما يملكه هو القدرة على دراسة النصوص وتاريخ تأويلها وأسئلة الحاضر بحرية ومسؤولية. ويتطلب ذلك مسافة علمية من ضغوط السياسة، ومن توقعات المؤسسات الدينية، ومن رغبة الجمهور في إجابات سهلة. فالجامعة تضع قيمتها المعرفية على المحك كلما سمحت بسؤال صعب، ثم منحته ما يستحق من بحث.

ومن المقرر أن تجاور الكلية الإسلامية الكليتين الكاثوليكية والإنجيلية في حرم جامعي مخصص للاهوت والدراسات الدينية. تتيح هذه الجيرة فرصة لحوار يتأسس على الدراسة المشتركة والاختلاف المدروس، ويمتد أثره إلى الطلاب الذين سيحملون تلك الخبرة إلى المدارس ومجالات العمل العام. أما نجاح تجربة مونستر، فلن تحدده صفة «الأولى» التي رافقت افتتاحها. سيحدده ما إذا كانت ستجعل الاستقلال حرية للبحث، والبحث معرفة يتسع بها فهم الناس بعضهم لبعض.