تكشف قراءة مقارنة للنتائج النهائية للانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 مع نتائج اقتراع 2021 عن مفارقة انتخابية لافتة؛ فبينما تغير ترتيب الأحزاب بشكل واضح، وتبدلت مواقع القوة بين المتصدرين، ظل الوزن الإجمالي للأحزاب الأربعة التي تحتل المراتب الأولى اليوم شبه ثابت داخل مجلس النواب.
وأظهر تحليل أجرته جريدة “العمق” للنتائج، أن أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال والعدالة والتنمية حصلت مجتمعة في اقتراع 2026 على 282 مقعدا من أصل 395، مقابل 283 مقعدا كانت الأحزاب الأربعة نفسها تتوفر عليها مجتمعة عقب انتخابات 2021.
وبذلك انتقلت حصتها المجمعة من نحو 71.65 في المائة من مقاعد مجلس النواب سنة 2021 إلى نحو 71.39 في المائة في الانتخابات الأخيرة؛ أي بفارق مقعد واحد فقط، رغم التحولات الكبيرة التي عرفتها النتائج داخل هذه الكتلة الحزبية.
وكانت وزارة الداخلية قد أعلنت أن النتائج النهائية، بعد انتهاء لجان الإحصاء الإقليمية والجهوية من عمليات حصر الأصوات، جاءت مطابقة للنتائج العامة المؤقتة، بتصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، والاستقلال بـ65 مقعدا، ثم العدالة والتنمية بـ54 مقعدا.
93 مقعدا تغير موقعها بين الأحزاب الأربعة
وراء الاستقرار شبه الكامل في مجموع مقاعد الأحزاب الأربعة، تظهر تحولات كبيرة على مستوى حصة كل حزب. فالأصالة والمعاصرة انتقل من 87 مقعدا سنة 2021 إلى 97 مقعدا حاليا، محققا زيادة بـ10 مقاعد، في حين تراجع التجمع الوطني للأحرار من 102 إلى 66 مقعدا، أي بخسارة 36 مقعدا.
كما انتقل حزب الاستقلال من 81 إلى 65 مقعدا، متراجعا بـ16 مقعدا، مقابل صعود كبير للعدالة والتنمية من 13 مقعدا فقط سنة 2021 إلى 54 مقعدا في الاقتراع الأخير، بزيادة قدرها 41 مقعدا.
واللافت حسابيا أن الأحرار والاستقلال فقدا معا 52 مقعدا مقارنة بانتخابات 2021، بينما زاد رصيد الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية معا بـ51 مقعدا. ولا تسمح هذه الأرقام، في حد ذاتها، بالقول إن الناخبين انتقلوا مباشرة من حزب إلى آخر، بالنظر إلى تعدد العوامل المؤثرة في النتائج وطبيعة الاقتراع وتوزيع الأصوات على الدوائر؛ لكنها تكشف بوضوح حجم إعادة توزيع القوة البرلمانية بين الأحزاب التي تتصدر المشهد بعد اقتراع 23 شتنبر.
ومن حيث عدد المقاعد، سجل العدالة والتنمية أكبر زيادة بين الأحزاب الأربعة مقارنة بنتائج 2021، بعدما أضاف 41 مقعدا إلى رصيده، فيما سجل التجمع الوطني للأحرار أكبر تراجع عددي بفقدانه 36 مقعدا.
أما الأصالة والمعاصرة، الذي انتقل من المرتبة الثانية سنة 2021 إلى صدارة انتخابات 2026، فقد رفع رصيده بعشرة مقاعد، بينما خسر الاستقلال 16 مقعدا. وهكذا، لم تتغير فقط أسماء الأحزاب الموجودة في مقدمة الترتيب، بل تغيرت كذلك المسافات بينها؛ إذ كان الفارق سنة 2021 بين الأحرار، المتصدر حينها بـ102 مقعد، والعدالة والتنمية، الذي كان يتوفر على 13 مقعدا، يصل إلى 89 مقعدا، بينما لا يتجاوز الفارق اليوم بين الحزب الأول والرابع 43 مقعدا.
أحزاب الأغلبية السابقة تفقد 42 مقعدا
وتكشف المقارنة كذلك عن تحول مهم في الوزن البرلماني للأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية خلال الولاية 2021-2026. فقد كان التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال يتوفرون مباشرة بعد انتخابات 2021 على 270 مقعدا، بما يعادل نحو 68.4 في المائة من مجلس النواب.
أما في انتخابات 2026، فقد حصلت الأحزاب الثلاثة مجتمعة على 228 مقعدا، أي ما يقارب 57.7 في المائة من المجلس، بخسارة إجمالية بلغت 42 مقعدا مقارنة ببداية الولاية السابقة.
ومع ذلك، يظل مجموع مقاعدها حسابيا أعلى من عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعدا، بفارق 30 مقعدا، دون أن يعني ذلك بالضرورة إعادة إنتاج التحالف الحكومي السابق، باعتبار أن تشكيل الأغلبية الجديدة يرتبط بالمشاورات والقرارات السياسية للأحزاب المعنية.
وتشير النتائج، من زاوية أخرى، إلى تقلص الفوارق داخل مقدمة الترتيب. ففي انتخابات 2021، فصل 21 مقعدا فقط بين الحزب الأول والثالث، لكن العدالة والتنمية كان بعيدا بفارق واسع عن الثلاثة الأوائل.
أما في انتخابات 2026، فقد باتت أربعة أحزاب تتوفر على أكثر من 50 مقعدا لكل واحد منها: البام بـ97، والأحرار بـ66، والاستقلال بـ65، والعدالة والتنمية بـ54 مقعدا. وأصبح الفارق بين الحزبين الثاني والثالث مقعدا واحدا فقط، بينما تفصل 12 مقعدا بين الأحرار صاحب المرتبة الثانية والعدالة والتنمية صاحب المرتبة الرابعة.
وبذلك تكشف الأرقام أن اقتراع 23 شتنبر لم يؤد فقط إلى تغيير الحزب المتصدر، بل أعاد توزيع الوزن داخل مقدمة الخريطة البرلمانية: صعود للأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية، وتراجع للأحرار والاستقلال، في مقابل بقاء الوزن المجمع للأحزاب الأربعة المتصدرة حاليا شبه مطابق لما كانت تتوفر عليه الأحزاب نفسها قبل خمس سنوات.