من المفارقات التي ستبقى مرتبطة بانتخابات 23 شتنبر أن واحدة من أكثر الوقائع التي أثارت الجدل حول نزاهتها حدثت في الوقت نفسه الذي كانت فيه العملية الانتخابية، في مجملها، تقدم صورة مختلفة عما ألفناه في محطات سابقة. فمنذ انطلاق الحملة الانتخابية، سجلت تصريحات لقيادات من أحزاب مختلفة حياد وزارة الداخلية ووقوف الإدارة على مسافة واحدة من المتنافسين، ولم تتحول الإدارة، كما كان يخشى البعض، إلى طرف في المنافسة السياسية. وهذه مسألة ينبغي تسجيلها بموضوعية، بصرف النظر عمن فاز ومن خسر، لأنها مكسب للمسار الديمقراطي المغربي قبل أن تكون شهادة لحكومة أو وزارة أو حزب. ولذلك سيكون من غير المنصف أن نمحو، بسبب ما وقع في مكتب أو مركز انتخابي بطنجة، صورة عملية انتخابية وطنية جرت عبر عشرات الآلاف من مكاتب التصويت؛ كما سيكون من غير المقبول، في الاتجاه المقابل، أن نستعمل نجاح العملية في مجموعها للتقليل من خطورة ما وقع في مدرسة القدس أو اعتباره مجرد تفصيل عابر. الواقعة خدشت، بلا شك، صورة هذا الاستحقاق، على الأقل على المستوى الرمزي، وطريقة التعامل معها هي التي ستحدد إن كان هذا الخدش سيبقى أم أن المؤسسات قادرة على استيعابه بكشف الحقيقة كاملة.
وفي تناول واقعة مدرسة القدس ينبغي، قبل السياسة وقبل الاصطفافات، أن نستحضر قاعدة قانونية ودستورية لا تحتمل المزايدة: الأصل هو البراءة. فمذكرة البحث ليست إدانة، وفتح البحث أو قيام الاشتباه لا ينقل الشخص من مركز المفترض براءته إلى مركز المدان. وكل مشتبه فيه أو متهم، بمن في ذلك عمدة طنجة وكل من قد تشملهم الأبحاث في هذه القضية، يظل بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناءً على محاكمة عادلة تتوافر فيها جميع الضمانات القانونية. بل إن الشك، وفق القاعدة التي كرسها قانون المسطرة الجنائية، يفسر لفائدة المتهم. ولذلك لا يجوز أن تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى محاكم موازية تصدر أحكامها قبل القضاء، ولا أن تتحول الخصومة السياسية إلى إدانة مسبقة لأشخاص لم تثبت مسؤوليتهم بعد. والأمر نفسه ينطبق على ما أثير بشأن وجود العمدة خارج المغرب وتصريحه المتداول بأنه يوجد في عطلة مع أسرته؛ فبين وصف الأمر بأنه «هروب» وبين القول إنه مجرد «عطلة» توجد وقائع ينبغي أن تكشفها الأبحاث، لا الانطباعات ولا الخصومات السياسية. وفي المقابل، فإن قرينة البراءة لا تمنع النقاش العام ولا تحظر طرح الأسئلة المشروعة حول واقعة تهم نزاهة الانتخابات، وإنما تمنع تحويل السؤال إلى حكم، والشبهة إلى إدانة، قبل أن يقول القضاء كلمته.
والسؤال، في تقديري، لا ينبغي أن يتوقف عند معرفة من كانت بحوزته الأوراق أو من قام بالتأشير عليها أو حاول استعمالها، بل يجب أن يعود خطوة، وربما خطوات، إلى الوراء: من أين جاءت هذه الأوراق أصلاً؟ وكيف وصلت إلى حيث ظهرت؟ فالتحقيق، حتى يكون شاملاً، ينبغي ألا يقف عند الحلقة الأخيرة التي ظهرت للعموم، وإنما أن يتتبع السلسلة كاملة: مصدر الأوراق، وكيفية إعدادها وتسليمها وحفظها وتوزيعها، والأشخاص والجهات التي مرت عبرها، وأن يحسم أولاً فيما إذا كانت الأوراق موضوع البحث أصلية ومن الأوراق المعدة فعلاً للاقتراع، أم مستنسخة أو مصطنعة. فإذا ثبت أنها أصلية، يصبح السؤال أكثر أهمية: كيف خرجت من المسار الذي يفترض أن يحكم تداولها؟ فهذه أوراق انتخابية يفترض أن تخضع لمسار مضبوط وأن تكون تحت عهدة الجهات المكلفة قانوناً بتدبير وحفظ أوراق التصويت، وبالتالي فإن ظهور كمية منها خارج ذلك المسار، إن ثبتت أصالتها، يطرح سؤالاً مؤسساتياً يتجاوز بكثير الشخص الذي وجدت لديه أو المكتب الذي ظهرت فيه. الوصول إلى الحقيقة كاملة يقتضي، إذن، تتبع مسار الورقة نفسها، لا الاكتفاء بتتبع من ظهر حاملاً لها؛ لأن معرفة مصدرها والطريق الذي سلكته قد تكون، من زاوية حماية نزاهة الانتخابات مستقبلاً، أهم من الواقعة النهائية ذاتها.
وهنا بالضبط ينبغي الفصل بين المسؤولية القضائية والمسؤولية السياسية. القضاء وحده سيحدد من فعل ماذا، ومن يتحمل مسؤولية جنائية إن وجدت، أما سياسياً فإن الحزب الذي ارتبط اسمه بالواقعة، وهو الحزب الذي خرج متصدراً انتخابات 23 شتنبر، معني بما وقع بصرف النظر عن المآل القضائي للأشخاص، لأن الصورة الحزبية لا تنتظر دائماً الأحكام النهائية حتى تتأثر. وليس المطلوب من الحزب أن يدين أحداً قبل القضاء، كما ليس مطلوباً منه أن يتولى الدفاع عن أحد قبل معرفة الحقيقة؛ المطلوب أن يتعامل بصرامة مع كل ممارسة يمكن أن تسيء إلى صورته، وأن يستفيد من مرحلة ما بعد الانتخابات لمراجعة بعض الأساليب والوجوه والمحيط التنظيمي الذي قد يتحول مستقبلاً إلى عبء عليه. فالصدارة لا ينبغي أن تكون فقط بعدد المقاعد، وإنما أيضاً في القدرة على تحمل المسؤولية السياسية وحماية الثقة العامة. وأخطر ما يمكن أن يقع فيه أي حزب هو أن يلتصق به وسم سياسي معين، لأن الملفات القضائية تنتهي يوماً ببراءة أو إدانة، بينما الصور التي تستقر في الوعي الجماعي قد تعيش سنوات بعد انتهاء الملفات.
وفي المقابل، سيكون من المبالغة أيضاً تحويل مدرسة القدس إلى دليل جاهز على فساد انتخابات المغرب برمتها. واقعة محلية، مهما كانت خطورتها، لا تسمح وحدها بالقفز إلى استنتاج بهذا الحجم، خصوصاً في استحقاق سجلت خلاله قيادات سياسية من اتجاهات مختلفة حياد الإدارة ووقوفها على مسافة واحدة من المتنافسين. ومن حق كل الأحزاب، سواء كانت في موقع الأغلبية أو المعارضة، أن تطالب بكشف الحقيقة وأن تمارس الرقابة والنقد السياسي، بل إن ذلك جزء من وظائفها في النظام الديمقراطي؛ لكن لا يستقيم أن تصبح الأصوات والمقاعد التي حصل عليها طرف دليلاً في ذاتها على نزاهة الانتخابات، بينما تتحول أصوات ومقاعد خصومه إلى محل شبهة جماعية بسبب واقعة محددة لم يقل القضاء كلمته فيها بعد. لا أحد يحتكر النزاهة، كما لا أحد ينبغي أن يكون محصناً من المساءلة، ولا يمكن أن نقبل بنتائج العملية الانتخابية حين تخدم موقعاً سياسياً ثم نشكك في القواعد نفسها حين تنتج نتيجة لمصلحة منافس آخر. النقد مشروع، والطعن والبحث والتحقيق في المخالفات ضرورية، لكن تعميم الشبهة على استحقاق وطني بكامله يحتاج إلى وقائع وأدلة تتناسب مع خطورة هذا الاستنتاج.
ربما لهذا السبب تكون واقعة طنجة أهم مما توحي به حدودها الجغرافية، وأقل مما يريد البعض أن يجعل منها على المستوى الوطني. هي ليست دليلاً، في ذاتها، على فساد انتخابات 23 شتنبر، لكنها ليست أيضاً حادثاً ينبغي دفنه تحت أرقام عشرات الآلاف من مكاتب التصويت. إنها اختبار إضافي للمسار الديمقراطي المغربي نفسه: فحياد الإدارة لا يقاس فقط بما تفعله خلال الحملة ويوم الاقتراع، وإنما كذلك بما تفعله عندما تظهر شبهة بعد الاقتراع. وإذا ذهبت الأبحاث إلى نهايتها، وتتبعت الأشخاص كما تتبعت مصدر الأوراق ومسارها، ورتبت المسؤوليات دون اعتبار للمواقع والصفات والانتماءات، فإن واقعة كان يمكن أن تخدش الثقة في الانتخابات قد تتحول، على العكس، إلى دليل على أن المؤسسات قادرة على اكتشاف الخلل عندما يقع، والتحقيق فيه ومعالجته. فالنزاهة لا تعني أن ندعي أن انتخابات بهذا الحجم لا يمكن أن تعرف تجاوزاً؛ النزاهة الحقيقية هي ألا يجد التجاوز، متى وقع، مكاناً يختبئ فيه.