الكاتب مصطفى منيغ
منتدى العمق

للخالق صناعة أكثر سطاعة /1من5

النِّبراس مليء بنور عرق المبدعين، وشكله يحمل تحضرا فطريا يمنح الدليل على استقرار حالة اجتماعية ميّزها البحث عن المحصول المادي الحلال، مصبوغا بالانتماء إلى مكان سيظل أهله أوفياء لوطنهم، معتزين بهويتهم، ومتمسكين بتقاليدهم.

وقد عرف هؤلاء كيف يدبرون حياتهم دون أن يمدوا أيديهم لطلب المساعدة لغير المنعم المقتدر الرزاق.

إنها حرف دبّر بها الصناع الأوائل أمورهم بدقة وإحكام، وأنتجوا تحفا فنية راقية شهد لها العالم أجمع؛ من ملبوسات ومفروشات، ومصنوعات خشبية ونحاسية وفخارية وجلدية، إلى منتجات تزيينية أخرى أضحت جزءا من المعمار الأصيل ومصدرا للرزق بالنسبة إلى عائلات شريفة كادحة ومجتهدة.

ومع مرور الزمن، تحولت هذه الصناعات إلى منتج سياحي بامتياز، أثار إعجاب زوار المدن العتيقة، وخاصة مدينة تطوان، التي احتضنت عائلات صناعية متمرسة في فنون عريقة عرفها الأندلس قبل قرون عديدة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: إلى أين سيؤول حال هذه الحرف التقليدية وأهلها، المنهكين بهمّ ضمان قوت يومهم وإعالة أسرهم؟

السؤال يزداد إلحاحا أمام تدهور البنية التحتية للمجمع الذي يحتضنهم، والذي سيصادف قريبا الذكرى السنوية الأولى لتدشينه من قبل صاحبة السمو الملكي الأميرة للا حسناء.

فمجمع الصناعة التقليدية بتطوان أصبح، منذ عدة أشهر، خاليا في ظاهره، غير أن ما يوجد بداخله، وما يظهر عند عتبته ومدخله الرئيسي، يلخص حجم التهميش والإهمال الذي طال هذه المنشأة، وهي مسؤولية تتحملها وزارة الصناعة التقليدية ومن يمثلها بمدينة تطوان.

[الصورة: مدخل المُجَمَّع يلخص حاله الداعي للشفقة والحيرة ومستوى الإهمال المَتروك فيه من لدن وزارة الصناعة التقليدية ومن يمثلها في تطوان]

مدخل المجمع يلخص حاله ومستوى الإهمال الذي يشتكي منه الصناع، في انتظار تدخل الجهات المعنية.

ويعد المجمع معلمة تاريخية وحضارية عريقة، يعود تاريخ بنائه إلى بداية ستينيات القرن الماضي، ويتوسط محيطا سكانيا جعله في قلب النسيج العمراني لمدينة تطوان.

ويتكون المجمع من 65 ورشة، منها 55 مخصصة للإنتاج و10 للعرض والتسويق والتجارة.

وكان المجمع قد خضع لعمليتي ترميم وإصلاح؛ الأولى سنة 2012، بتمويل من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والمجلس الجماعي لتطوان، والثانية سنة 2016، بغلاف مالي قُدّر بأربعة ملايين درهم، مولته وزارة الصناعة التقليدية.

غير أنه، في منتصف سنة 2025، جرى إخلاء المجمع من شاغليه بحجة إخضاعه لعملية جديدة للترميم والإصلاح، وهو ما حرم الصناع من مورد رزقهم ومن استقبال زبائنهم وطالبي خدماتهم، علما أن من بينهم صانعات تعلمن الحرفة منذ نعومة أظافرهن.

وأمام هذا الوضع المتأزم، حضرت لجنة من وزارة الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني للوقوف على حالة المجمع، وبعد معاينتها له، وعدت صناعه بتسريع وتيرة الأشغال.

لكن هذا الوعد، بحسب المعنيين، لم يتحقق إلى حدود الساعة، ليظل المجمع في وضعيته الحالية، في وقت كان من المفترض أن تكون فيه الأشغال قد انتهت، وأن يحظى بحلة جديدة تليق بمقام مدشنته، صاحبة السمو الملكي الأميرة للا حسناء.

وكان المنتظر أيضا أن تستعيد هذه المنشأة بريقها السابق، وأن تعيد الأمل إلى الصناع والصانعات، وتنصفهم، وتحمي حرفا عريقة من الاندثار، وتعيد الثقة إلى المستثمرين في القطاع، وتشجع الشباب على الانخراط فيه، وتساهم في التنمية المستدامة للمدينة.

وإذا كانت وزارة الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني مطالبة بتحمل مسؤوليتها تجاه هذا المجمع، فإن ممثليها بمدينة تطوان مطالبون، بدورهم، بتحمل مسؤولياتهم، وفي مقدمتها تتبع أشغال الترميم والإصلاح، والوقوف على سيرها، والتواصل المستمر مع الصناع والصانعات، والاستماع إلى انشغالاتهم والعمل على معالجتها، فضلا عن تطوير القطاع بالمدينة وتسويق منتجاته.

غير أن عددا من الصناع يشتكون من غياب التواصل والمتابعة الميدانية، في وقت تتطلب فيه وضعية المجمع حضورا مستمرا وتدخلا مباشرا من الجهات المسؤولة.

ولا يفوتني في هذا المقام أن أتوجه بالشكر إلى عامل إقليم تطوان على عنايته بالقطاع، وحرصه على تتبع ملف المجمع، وتدخلاته لدى الجهات المعنية من أجل تسريع وتيرة الأشغال، وتفهمه لمعاناة الصناع والصانعات.

كما تبقى المسؤولية مطروحة على مستوى ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة، باعتبارها جهة معنية بالتنمية الترابية، من أجل التدخل لتسريع إخراج هذا الملف من حالة الجمود، وحث وزارة الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني على الوفاء بالتزاماتها، واستكمال الأشغال وإعادة الصناع والصانعات إلى ورشاتهم في أقرب الآجال.

ختاما، فإن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى اندثار حرف عريقة توارثتها الأجيال، وإلى تعميق معاناة عشرات العائلات التي تعتاش منها، فضلا عن الإضرار بصورة مدينة تطوان التي ظلت عبر تاريخها واحدة من أبرز حواضر الصناعة التقليدية بالمغرب.

فهل من مستجيب لنداء استغاثة صناع مجمع الصناعة التقليدية بتطوان؟

(يتبع)