الزاهيد مصطفى، باحث
وجهة نظر

هل يمكن أن تمنع الصلاة امرأة من رئاسة الحكومة في ظل دستور 2011؟

بداية يمكن القول إن هذا سؤال فقهي يليق بدولة دينية وليس بدولة مدنية؛ فلو كنا في العصر الأموي أو العباسي، أو في سياقات ثقافية كانت ولاية المرأة فيها محل نظر فقهي خالص، تقيد فيه مساحة الرأي ويحدد الحكم بشأنها، لكان سؤالا ملائما للسياق. أما في المجتمع المغربي الذي حددت العلوم الإنسانية تعقيد بنيته، والذي راكم خلال عقود مسارا متدرجا في التحديث السياسي والديني باحثا لنفسه عن طريق نحو ديمقراطية متجذرة في الأذهان وليست فقط طقوسا مختزلة في الانتخابات والإجراءات المسطرية والتقنية، فالواضح أن استدعاء هذا السؤال اليوم يبدو في ظاهره غريبا، لكنه في العمق ليس سؤالا هامشيا على الإطلاق؛ لأنه يكشف شيئا أبعد من مجرد إثارة هاجس بروتوكولي عابر. بل يكشف عن بروباغاندا سياسية تحاول أن تدخل من نافذة البروتوكول ما لا يستطيع أن يدخل من باب الدستور، وأن تجعل من بعض الترتيبات المرتبطة بالمناسبات الدينية مدخلا للالتفاف، ولو تأويلا، على منطوق الدستور وروحه الديمقراطية.

فما إن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية الأخيرة، وفق النتائج المؤقتة التي أعلنها وزير الداخلية في 24 شتنبر بحصوله على 97 مقعدا، حتى انتقل النقاش بصورة طبيعية إلى سؤال تشكيل الحكومة ومن يمكن أن يقع عليه الاختيار داخل الحزب المتصدر. ومع تداول اسم فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، ضمن الأسماء الممكنة لرئاسة الحكومة، ظهر سؤال آخر رمي به عنوة إلى النقاش العام من الإسلاميين وغيرهم من الأصوليين الأكثر تحرجا من موضوع قيادة المرأة للدولة، وهو سؤال لف بالصيغة الآتية: ماذا لو كان رئيس الحكومة امرأة؟ ومن هنا أخذ السؤال الماكر شكله الأكثر بساطة والأكثر دلالة في الوقت نفسه: كيف ستؤدي فاطمة الزهراء المنصوري بصفتها رئيسة للحكومة الصلاة إلى جانب الملك في بعض المناسبات الدينية؟

هذا اللبس، الذي جرى اصطناعه أو على الأقل استثماره اليوم في خلق الموانع، يستعمل بخسة للتشجيع على الالتفاف على التأويل الديمقراطي للدستور، بذريعة عقدية يراد لها أن تمنح مشروعية لخيار سياسي غير ديمقراطي، مستغلة عواطف الناس الدينية عبر تحويل النقاش من سؤال السلطة ومشروعيتها وبرامجها ومؤسساتها وثقافتها إلى سؤال الطقس الديني وكيفية أدائه. وفي اعتقادي أن خطورة المسألة تكمن ليس في كون البعد الديني أو البروتوكولي غير مهم، بل في أن الدولة الدستورية لا يجوز أن تجعل من البروتوكول مصدرا لشرط لم يضعه الدستور لممارسة السلطة. فحين يطرح الطقس باعتباره حجة على الأهلية السياسية، يصبح الدين، من حيث لا نشعر، أداة لإعادة توزيع إمكانات الوصول إلى السلطة؛ فلا يعود السؤال: من يستوفي الشروط الديمقراطية لممارسة السلطة؟ بل يصبح: من يستطيع أن يؤدي الطقس بالشكل الذي نتصوره ملائما للسلطة الدينية والزمنية؟ وهذا انقلاب هادئ لكنه ارتكاسي، يؤدي بنا إلى الانتقال من الدستور إلى العرف، ومن القاعدة إلى الرمز، ومن الشرعية السياسية إلى المخيال الاجتماعي المغذي للاستبداد واللامساواة. وللتذكير فالفصل 47 واضح في تحديد القاعدة الدستورية، خاصة حين ينص صراحة على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. والفصل 19 يقرر أن الرجل والمرأة يتمتعان، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات، بينما نص الفصل 6 على المساواة أمام القانون، وقد جعل الفصل 30 من تكافؤ الفرص بين النساء والرجال مبدأ في الولوج إلى الوظائف الانتخابية. كما أن المحكمة الدستورية نفسها أكدت أن مبدأ المناصفة لا يقتصر على الوظائف الانتخابية، وإنما يمتد إلى تعزيز ولوج النساء إلى المهام العمومية غير الانتخابية.

وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن فاطمة الزهراء المنصوري أحق دستوريًا برئاسة الحكومة لمجرد كونها امرأة، أو لمجرد كونها منسقة للحزب الفائز؛ فالدستور لا ينص على أن رئيس الحكومة يجب أن يكون الأمين العام للحزب المتصدر للانتخابات، وهذه نقطة ينبغي ألا نغفلها. لكن الأمر يختلف جذريًا حين يُستبعد اسم امرأة لا لاعتبار دستوري أو سياسي، وإنما لمجرد كونها امرأة، استنادًا إلى تفصيل بروتوكولي يُراد له أن يتحول إلى عائق ديني بسبب مسألة الصلاة، مع أن البروتوكول، بحكم طبيعته، قابل للتنظيم والتدبير بما يحفظ مقتضيات المناسبة دون أن يتحول إلى قيد على الاختيار السياسي. بل إن تجاوز هذا التفصيل التنظيمي بدل تحويله إلى مانع من شأنه أن يحافظ على دلالة إحدى أهم محطات ممارسة السلطة في المغرب: محطة تحتفظ فيها إمارة المؤمنين برمزيتها الدينية، وباختصاصها في تمثيل المشترك الديني خارج منطق التنافس الحزبي والسياسي. ومن هذا المنظور، فإن تنظيم البروتوكول بما يسمح باستمرار هذه الرمزية، مع الفصل الواضح بين المجال الديني الرمزي ومجال السلطة السياسية والتدبير الحكومي، يمكن أن يكون جزءًا من تطور النموذج المغربي نفسه نحو صيغة أكثر تمييزًا بين السلطتين، من دون استنساخ النموذج الأوروبي أو استيراد تصور جاهز للعلمانية. وهو ما أسميه بالإسلام العلماني.

وهنا يلتقي الأمر مع التصور الذي سبق أن عبرت عنه بشأن المستقبل الممكن للنموذج المغربي: إمارة المؤمنين بوصفها ضمانة لتجربة مغربية في العلمانية، لا بمعنى القطيعة مع الدين، ولا بمعنى استنساخ المسار الأوروبي، وإنما باعتبارها صيغة تاريخية ومؤسساتية مغربية يمكن أن تنتج تمييزًا وظيفيًا بين المجال الديني ومجال التنافس السياسي، مع بقاء المشترك الديني خارج مجال التنازع الحزبي. ولذلك فإن اتخاذ تفصيل بروتوكولي متعلق بالصلاة ذريعة للبحث عن رجل من الحزب نفسه لتولي رئاسة الحكومة بدل منسقته، بدعوى وجود عائق ديني، لن يبقى مجرد ترتيب بروتوكولي؛ بل سيحوّل البروتوكول إلى مانع سياسي من خارج النص الدستوري، ثم يمنحه غطاءً دينيًا وأخلاقيًا. والخطر في ذلك لا يكمن فقط في أثره على حالة سياسية بعينها، وإنما في ما قد يرسخه تدريجيًا في الوعي والمخيال السياسيين: أن كون المرء امرأة يمكن أن يتحول، في حد ذاته، إلى سبب يمنعها من ممارسة السلطة السياسية.

وفي نظري المتواضع، لا يعود الإشكال إلى عمومية الفصل 47 أو عدم دقته، وإنما إلى الطريقة التي تقرأ بها السلطة المهيمنة الوثيقة الدستورية، وإلى ما إذا كنا نريد أن نقرأه باعتباره نصا مؤسسا لمنظومة جديدة في ممارسة السلطة، أم أن نستمر في تحميله أعرافا وتصورات لم ينص عليها. فالبروتوكول ينظم ممارسة السلطة ويحدد شكل حضورها، ويمنحها لغتها السيميائية التي تعبر بها عن هيبتها وسحرها وقوتها؛ لكنه، في النهاية، سيمياء للسلطة وليس مصدرا لمشروعيتها، ولا ينبغي أن يتحول إلى مصدر لتحديد من يحق له ممارستها.

وبالعودة إلى الذاكرة ولمرحلة اعتلاء جلالة الملك محمد السادس للحكم، أستحضر هنا حالة الراحلة زليخة نصري، لا باعتبارها دليلا على كيفية أداء الصلاة، فهذا أمر لا نملكه ولا ينبغي اختراعه، وإنما باعتبارها شاهدا مغربيا على شيء أكثر أهمية: لقد كانت أول امرأة تتولى منصب مستشارة للملك، بعد أن شغلت أيضا منصب كاتبة للدولة، ثم تولت مسؤوليات عمومية رفيعة داخل الدولة، ولم ينظر يوما إلى كونها امرأة باعتباره يشكل تعارضا مؤسساتيا مع موقعها داخل المجال الملكي. بل إن تجربتها تضعنا أمام مفارقة تستحق التأمل: إذا كانت المرأة قد استطاعت أن تكون داخل الدائرة العليا لصناعة القرار، وأن تمارس مسؤولياتها في قلب المجال الملكي من دون أن تتحول أنوثتها إلى مانع مؤسساتي، فلماذا يراد اليوم تحويل تفصيل بروتوكولي إلى سؤال عن أهليتها لتولي وظيفة دستورية؟ فليس المقصود من استحضارها أن نقول إن التاريخ يمنحنا جوابا جاهزا عن الحاضر، وإنما أن نذكر بأن الدولة المغربية نفسها راكمت، عبر تجربتها، أشكالا متعددة من حضور المرأة في مواقع القرار، ولم تكن الأنوثة في ذاتها عائقاً مؤسساتيا أمام الاقتراب من أعلى دوائر السلطة. ولم يسأل يوما: هل الراحلة زليخة نصري كان ضروريا أن يكون بإمكانها الصلاة إلى جانب الملك كما هو الشأن للمستشارين الذكور؟ أم أن جلالة الملك بإيمانه بمغرب الحداثة -الذي كان شعار اعتلاء العرش- لا وجود لهذا المانع في تصوره، وأن ما يطرح الآن هو تعبير عن رغبة البعض الشخصية داخل الحزب في إبعاد منسقته من منصب رئاسة الحكومة؟

وعليه، فإن تحويل الصلاة إلى مشكلة دستورية لرئاسة الحكومة يبدو، في أحسن الأحوال، خلطا بين مستويين لا ينبغي الخلط بينهما: مستوى الرمز الديني والبروتوكول التنظيمي، ومستوى القاعدة الدستورية التي تحدد شروط ممارسة السلطة. فرئيس الحكومة، في الممارسة الرسمية، يوجد في فضاءات متعددة إلى جانب الملك في المناسبات الدينية والوطنية؛ والمصادر الرسمية، مثلا، توثق أن رئيس الحكومة يتقدم للتهنئة في هذه المناسبات، وأن ترتيباتها جزء من المراسم الرسمية للدولة. لكن الدستور لا يتضمن قاعدة تقول إن رئيس الحكومة يجب أن يؤدي الصلاة في مناسبة محددة أو في الوضعية ذاتها التي يؤدي بها الملك الصلاة. وإذا كان البروتوكول يحتاج إلى ترتيب فالترتيب ممكن: يمكن تنظيم المكان، وتحديد صفوف الصلاة، وضبط المراسم؛ فهذه كلها مسائل تتعلق بكيفية ممارسة الوظيفة، لا بأهلية صاحبها أو صاحبتها لتوليها. أما أن يتحول الترتيب إلى مانع، ثم المانع إلى حجة دينية، ثم الحجة الدينية إلى استبعاد سياسي، فهنا نكون قد انتقلنا، من حيث لا نشعر، من الدولة الدستورية إلى شيء آخر: دولة تستخرج فيها شروط ممارسة السلطة من الأعراف غير المكتوبة، ثم تعاد هذه الأعراف إلى الدستور وكأنها كانت موجودة فيه منذ البداية. وهذا هو الجزء الأكثر خطورة في المسألة؛ ففي اعتقادي هناك فرق جوهري بين الدولة التي تنظم الاختلاف بين الجنسين، والدولة التي تجعل الاختلاف بين الجنسين سببا لمنع الوصول إلى السلطة.

فالدستور لا يقول فقط إن المرأة يمكن أن تشارك في الحياة العامة، بل أعاد صياغة موقعها داخل الدولة على أساس المساواة والمناصفة وتكافؤ الفرص. وبالتالي، فإن كل ممارسة مؤسساتية جديدة ينبغي أن تقرأ في ضوء هذا التحول الدستوري، لا أن نستدعي من البروتوكول القديم ما يعيد إنتاج حدود لم يعد الدستور يعترف بها. وإذا كانت الدولة قد استطاعت، طوال تاريخها، أن تستوعب تغيرات كثيرة في أشكال ممارسة السلطة، فلا يبدو منطقيا أن تصبح صلاة العيد أو ليلة القدر مثلا فجأة معيارا غير مكتوب لتحديد جنس من يستطيع أن يكون رئيسا للحكومة. بل إن المفارقة أكبر من ذلك: فقد نصل إلى وضع يصبح فيه الرجل قادرا على تولي رئاسة الحكومة لأنه يستطيع أداء طقس معين، بينما تمنع المرأة من المنصب لأنها لا تستطيع أن تشارك في الطقس بالطريقة نفسها. وإذا حدث ذلك، فنحن لم نعد أمام بروتوكول، بل نحن أمام شرط ديني وسياسي جديد لم يضعه الدستور.

وهنا ينبغي أن نكون دقيقين: ليس كل تعيين لرجل بدل امرأة تراجعا عن الدستور؛ فالملك، دستوريا، يملك سلطة الاختيار داخل الحزب الفائز، والفصل 47 لا يجعله ملزما باختيار قائد الحزب آليا. لكن إذا أصبح جنس المرشح، أو عدم ملاءمته لبروتوكول ديني، هو سبب الاستبعاد، فإن السؤال الدستوري يصبح مشروعا بقوة: كيف انتقلنا من المساواة التي أقرها الدستور إلى مانع لا وجود له في نصوصه؟ وربما تكون هذه هي اللحظة التي ينبغي فيها أن نقرأ الدستور لا باعتباره مجموعة فصول فقط، وإنما باعتباره تحولا في فلسفة الدولة؛ فهو لا يطلب منا أن نلغي الدين من المجال العام، ولا أن نلغي خصوصية إمارة المؤمنين، ولا أن نتجاهل البروتوكول الملكي، لكنه يطلب شيئا أكثر تركيبا: أن تتعايش هذه الخصوصيات مع دولة المواطنة والمساواة.

والاختبار الحقيقي، إذن، ليس هل ستجلس امرأة في الصف نفسه، بل هل تستطيع الدولة المغربية أن تحافظ على ثوابتها ورمزيتها الدينية، وفي الوقت نفسه تظل وفية للمبدأ الدستوري الذي يقول إن الرجل والمرأة متساويان في الحقوق السياسية؟ هذا هو السؤال الذي يستحق النقاش، لا اختزاله كله في: “ولكن كيف ستصلي فاطمة الزهراء المنصوري؟” فالدول الحديثة لا تختبر فقط في قدرتها على المحافظة على بروتوكولها، وإنما في قدرتها على تكييف البروتوكول مع تطور قواعدها الدستورية. واليوم، بينما يتردد اسم فاطمة الزهراء المنصوري في أروقة النقاش السياسي كأحد الأسماء الممكنة لرئاسة الحكومة، يبقى الامتحان الفعلي معلقا لا على قدرتها هي على تجاوز تفصيل بروتوكولي، بل على قدرة الدولة نفسها على ألا تبحث في الممرات الجانبية عن باب أغلقه الدستور بنفسه حين فتح الباب أمام المساواة.