لم تكن مجتمعاتنا يوماً فقيرة إلى الحديث عن الأخلاق؛ امتلأت الكتب بالمواعظ، والمنابر بالخطب، والألسنة بكلمات الصدق والأمانة والرحمة. لكن المأساة ليست في قلة الكلام، بل في المسافة التي اتسعت بين ما نقول وما نفعل.
نعيش زمناً يكثر فيه الحديث عن الفضيلة، بينما يقل حضورها في السلوك، حتى أصبح من العسير أن نميز بين الغث والسمين، وبين الصادق والمتصنع، وبين صاحب المبدأ وصاحب المصلحة.
والمشكلة ليست في الدين، حاشا لله، وإنما في الإنسان حين يجعل الدين مرآة يرى فيها عيوب الآخرين، ولا يجرؤ أن ينظر بها إلى نفسه.
والأخلاق الحقيقية لا تظهر حين تكون المبادئ منسجمة مع المصالح، وإنما حين تتعارضان.
هناك، حين تستطيع أن تكذب ولا تكذب، وأن تغش ولا تغش، وأن تنتقم ثم تختار العفو، وأن تأخذ ما ليس لك ثم تتركه لأن قلبك لا يطيق الحرام؛ هناك تبدأ تربية الروح.
أما أن يكون المرء صالحاً ما دامت الظروف تخدمه، ثم تتبدل مبادئه حين تتبدل مصالحه، فذلك ليس ثباتاً على الخلق، وإنما براعة في إدارة المصلحة.
من المؤلم أن يتحول التدين عند بعض الناس من مجاهدة للنفس إلى وصاية على الآخرين.
نعرف الحلال والحرام حين يتعلق الأمر بغيرنا، ونبحث عن المخارج حين يتعلق الأمر بنا. نشدد في أخطاء الآخرين، ونلتمس لأنفسنا الأعذار.
نطالب بالصدق ثم نكذب حين تصبح الحقيقة مكلفة، ونتحدث عن الأمانة ثم نغش في البيع والشراء، ونطلب البركة في الرزق ثم لا نتورع عن إخفاء عيب في سلعة أو استغلال حاجة إنسان.
وهنا لا تعود المشكلة مجرد خلل في السلوك، بل خللاً في البوصلة الداخلية.
فالتدين الذي لا يجعل صاحبه أصدق وأرحم وأبعد عن الظلم، لم يتجاوز حدود اللسان إلى القلب.
وقد قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
فليست الغاية أن تبدو صالحاً في أعين الناس، بل أن تصبح صالحاً حين لا يراك أحد.
قد يتجمل الإنسان في المسجد والمجلس، لكن السوق يكشف معدنه.
عند المال تظهر الأمانة، وعند الربح تظهر حقيقة الضمير، وعندما يستطيع البائع أن يخفي عيباً لا يراه المشتري تبدأ المحكّة الحقيقية.
فالبركة ليست في كثرة ما تجمع، وإنما في طهارة الطريق الذي جاء منه ما جمعت.
وما أقسى أن يتحول الدين إلى كلمات على اللسان، بينما يأكل الإنسان من أموال الناس ما لا يحل له.
ومن وجوه أزمتنا الأخلاقية أننا كثيراً ما نحاكم المواقف بحسب أصحابها.
إذا أحببنا شخصاً، التمسنا لأخطائه الأعذار، وإذا اختلفنا معه تضخمت زلاته في أعيننا. ما يقوله القريب حكمة، وما يقوله الخصم جهل؛ وخطأ من نحب زلة، وخطأ من نكره فضيحة.
وهنا يفقد الحق استقلاله، فلا يعود حقاً لأنه حق، بل لأنه صدر ممن نحب.
وما أحوجنا إلى عدلٍ لا يتغير بتغير الأسماء، وإلى ضمير يستطيع أن يقول: أخطأ من أحب، وأصاب من أختلف معه
لقد وسّعنا عباءة الإسلام حتى أردنا أن نُدخل فيها أهواءنا وتعصبنا ومصالحنا ورغبتنا في الانتصار والظهور، ثم تعجبنا حين تمزقت.
الإسلام أوسع من أخطائنا، لكنه ليس غطاءً لأهوائنا.
نأخذ منه ما يرفع شأننا، ونترك ما يطالبنا بالتواضع. نستحضر النص حين يكون في صالحنا، وننساه حين يطالبنا بحقوق الآخرين.
وهكذا يتحول الدين، من حيث لا نشعر، من رسالة لتزكية النفس إلى وسيلة لتبريرها.
التصوف الذي نحتاجه اليوم ليس زخرفة في الكلام، ولا ادعاءً للمقامات، وإنما عودة صادقة إلى القلب.
أن يخلو الإنسان بنفسه ويسأل:
هل أنا صادق حين لا يراني أحد؟
هل ظلمت أحداً ثم أقنعت نفسي أنني على حق؟
هل أكلت مالاً لا يحل لي؟
هل فرحت بسقوط أخي؟
هل حفظت كرامة من اختلفت معه؟
هل عفوت حين قدرت على الانتقام؟
هذه الأسئلة البسيطة قد تكون أعمق من كثير من المواعظ.
فالعارف ليس من أكثر الحديث عن الله، وإنما من أكثر خشيةً منه وأقل أذى لعباده. والزاهد ليس من ترك الدنيا بلسانه، وإنما من لم تستعبد الدنيا قلبه.
نحتاج إلى تاجر يخاف الله في بضاعته، وموظف يقول: هذا ليس حقي، وصاحب سلطة يعدل حين يستطيع الظلم، وصديق يحفظ السر حتى بعد الفراق، ومتدين إذا أخطأ قال ببساطة: أخطأت.
نحتاج إلى دين إذا دخل القلب رقّ، وإذا دخل البيت سكن، وإذا دخل السوق أمان، وإذا دخل الخصومة عدل.
فربما لا يحتاج الناس منا إلى مزيد من الخطب بقدر حاجتهم إلى أن يروا أخلاقاً صادقة تمشي أمامهم.
ولعل أول الطريق أن نخلع القناع عن أنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بخلع أقنعتهم.
أن نقلل من محاكمة الناس، ونكثر من محاسبة النفس.
فقد ينسى الناس ما قلناه، وما ارتدينا، وما حفظناه من النصوص، لكنهم لن ينسوا كيف جعلناهم يشعرون حين مررنا في حياتهم.
فإن لم يجعلك تدينك أرحم، وأصدق، وألين قلباً، وأحفظ للحقوق، وأبعد عن الظلم، فاسأل نفسك: ماذا تغيّر في داخلي؟
فالعبادة التي تبقى على اللسان قد تُسمع، أما العبادة التي تبلغ القلب فإنها تظهر في الأخلاق.
وحينها فقط…
لن نحتاج إلى أن نرتدي عباءة الإسلام، لأن الإسلام سيكون قد ارتدى أخلاقنا.