وجهة نظر

العراق الراهن.. الاقتصاد أولاً والسياسة خادمة

مولد فكرة هذه المقالة هو خطاب رئيس الوزراء العراقي السيد علي فالح الزيدي في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 25 سبتمبر 2026، وأنا هنا لا اريد تقييم القدرة اللغوية للسيد الزيدي، فهو في تحسن مستمر لكنه يحتاج الى المزيد من التمكن، لما للغة العربية من جمالية تعطيها الكلمة للمعنى، ثم لم تكن مشكلة الحكومات العراقية السابقة التي فشلت في كل خطط التنمية في القدرة اللغوية، والضلوع في النحو والصرف، وانما كانت في الرؤية والبرنامج ثم الالتزام بالبرنامج والتقيد بالمواعيد وتنفيذ الوعود الأساسية والجانبية، غريب ان ترى التصفيق الحارّ في مجلس النواب على برنامج جاء ثمرة الحوار والمحادثات، ثم يتلكأ عنها الحائز على التصفيق الحارّ أو يتراجع، وفي تبرير تراجعه يستخدم القدرة اللغوية وما يشار عليه من البلاغة واللعب بالكلمات، هو هروب من الوعود وإقناع مخادع للنفس، لكن الشارع في النهاية يعلم ان تراجعاً قد حصل، وأن الأمور لن تتحرك كثيراً سوى ما يكفي للتغطية الإعلامية ومادة الاستهلاك الانتخابي الدوري.

إذن، إذا كان السيد علي الزيدي قد رفع من مستوى الطموح، فلا مفرّ من رفع مستوى التقييم، وجدية الوعود توجب الجدية في الحكم والتقويم.

ليس من الإخلاص للوطن مجاراة المسؤول على تقصيره، او التملق له من اجل نيل رضاه وادراج ذلك في الاحترام، الحكم المنصف، السيد الزيدي تصريحاته تقول إنه لا يرحم كل من يقطع الطريق على بناء الدولة أو يسرق لقمة عيش المواطن، فعليه ان يكون شجاعاً لكي ينجح، لا أن يكون رقماً في التسلسل.

من هذا المنطلق يجب تسجيل خطاباته وما يقول به ويعد، لأن هذه مستقبل ليس البلد وإنما الشعب والأمة، خطاب السيد علي الزيدي على مبنر الأمم المتحدة، يمكننا تناوله في النقاط التالية لمعرفة خططه المستقبلية الهادفة لإستقرار البلد وتنمية الحياة الاقتصادية فيه، لأن أبناءه ينتظرون ذلك من عقدين بزيادة ثلاث سنوات وستة أشهر: –

  • بدا أن الرجل القادم من عالم المال والتجارة قد جاء بالفكرة والتجرية الى قيادة الحكومة، وربما هو ما يحتاجه العراق الان مع مستلزماته الأخلاقية والسياسية، فالرجل منهجه اقتصادي جداً، ركز على الاتثمار كثيراً وحثّ الشركات للقدوم الى العراق للإستثمار فيما يمتلك من ثروات في مختلف القطاعات. وحديثه عن السياسة جاء تالياً مع المرور مروراً كراماً على ملفات دولية واقليمية كانت تحتل الأولوية في خطايات الساسة العراقيين السابقين. كأنه يريد القول إن السياسة خادمة الاقتصاد في العراق الراهن، ولن تكون السياسات الدولية والإقليمية معرقلةً لتطور البلاد، والاقتصاد يحتاج إلى الاستقرار والأمن المستتب، وهنا يأتي ملف السلاح غير القانوني.
  • هذا النهج والنوايا التي ابان عنها في الكلمة الأممية، يؤثر بلا شك على السياسة الخارجية العراقية، سواء كان في الإقليم أو الدولي، فحديثه المقتضب في أسطر قليلة على الحرب الحالية القضية الفلسطينية يوحي بأنه يجعل العراق أولاً ولن يكون رهينة أحداث المنطقة، أوضح الرؤية والنظر الى قضية فلسطين، لكنها لن تكون الورقة التي تحدد السياسة الخارجية العراقية، ولا ترسمها سوى تنمية البلاد وتعافيها الاقتصادي، هما غايتان لا تتقدم عليهما شيء آخر، لكن هذا لا يعني الدخول في النزاعات الإقليمية، لأن ذلك يعرقل التطور الاقتصادي والتنموي، فالجار هو المنفذ الأول لبناء اقتصاد حركي، فلا صراعات مع الجيران ولا تبعية، الأمران مرفوضان.
  • لكن إذا كانت التنمية والإستثمار لن يمرّا إلا عبر النظام المالي العالمي، فهذا يعني التطابق على الأقل في المرحلة الحالية مع الولايات المتحدة، من دون المشاركة في خوض حروبها، وتجنب مزاج ترامب وذلك لسببين: –

أولهما: الإستثمار مع الشركات الأميركية، لأن حضور تلك الشركات يعني حماية العراق من الاهتزازات التي تخلقها السياسة الإقليمية، والاقتصاد الإقليمي مرتبط الى حد كبير بواشنطن، وهي تتحكم في سياسات دوله.

ثانيهما: اتخاذ سياسة مع إيران لا تظهر منها على انها تحدي للولايات المتحدة الأميركية، ولكن من دون الدخول في معترك صراع مع طهران، فهي الجارة، وهي التاريخ والجغرافيا، أما التطابق شبه الكامل مع إيران فهذا يكون من الممنوعات الأميركية على السيد علي الزيدي، اتخاذ خط وسط متوازن يكون العراق فيه اولاً، ويمكن الدخول في حوار مع الاميركيين عن التساهل تجاه العراق في التعامل مع إيران، لأنها ليست كأية دولة، والتواصل العراقي الإيراني لا يضاهيه التواصل مع أي دولة أخرى ولا أي شعب آخر.

هذه النظرات قد ثبتها السيد علي الزيدي في مقال له منشور في “واشنطن بوست” بتاريخ 12-7-2026 وذلك قبيل زيارته الى البيت الأبيض، أراد التوضيح والجواب على سؤال “لماذا أذهب الى واشنطن؟”، تحدث بوضوح بأن الاستثمار في المال والثروة العراقية متاحة ومن أجل ذلك لابد من توفير الأمن والإستقرار مع تنشيط الاتفاقية الاستراتيجية الشاملة مع الولايات المتحدة في شراكة طموحة، وان بناء الاقتصاد والتنمية “سنفعلها مع أصدقائنا الأمريكيين”، بهذه الجملة الواضحة حدّد السيد رئيس الحكومة وجهته الأساسية العامة، هو مع الأمريكيين.

هذه الجرأة وهذا الوضوح، بحاجة الى الكثير من العمل والجهد والكدح، والذكاء والوفاء، لكي يكون شخصية انعطافية في تاريخ العراق، وإلا لن يكون أكثر من مجرد شخصية استعراضية تضاف الى اللائحة.