مجتمع

عبد العالي بنعمور.. رحيل شخصية استثنائية تركت أثرا بالمؤسسات ومدرجات الجامعة

لم يكن عبد العالي بنعمور بالنسبة للوزير الأسبق عبد السلام الصديقي، في البداية، اسما في كتاب، ولا مسؤولاً في مؤسسة، ولا شخصية في النقاش العمومي. كان أستاذا يقف أمام الطلبة في جامعة محمد الخامس بالرباط، يشرح الاقتصاد بلغة تجمع بين الصرامة والوضوح.

ومن مقعد الطالب بدأت الحكاية، قبل أن تتغير المواقع بعد سنوات، فيصبح الأستاذ زميلاً، ويصبح الدرس الجامعي جزءاً من ذاكرة رجل سيقضي عقوداً بين الجامعة والمؤسسات والعمل العام.

الصديقي، الذي عرف بنعمور أولا أستاذا ثم زميل عمل، لا يستعيده من خلال المناصب التي مر بها، بقدر ما يستعيده من خلال أثره في قاعة الدرس. يتحدث عن صرامة علمية ووضوح نادرين، وعن فكر حر ونزاهة فكرية كبيرة. وفي هذه الشهادة تظهر صورة مختلفة للرجل؛ ليس فقط الاقتصادي الذي شغل مواقع متعددة، وإنما الأستاذ الذي بقيت الجامعة حاضرة في صورته حتى بعد أن غادر مدرجاتها.

بنعمور الذي حصل سنة 1968 على دكتوراه الدولة في العلوم الاقتصادية من جامعة السوربون بباريس، بعد تكوين في الاقتصاد بفاس والرباط وباريس، فارق الحياة يوم الخميس 24 شتنبر 2026، في الدار البيضاء، عن عمر ناهز 85 سنة. ولد في 10 شتنبر 1941.

عاد بنعمور إلى المغرب، وكانت الجامعة أول فضاء طويل استقر فيه مساره. بدأ التدريس بجامعة محمد الخامس سنة 1966، قبل أن يواصل تجربته الأكاديمية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، حيث ظل أستاذاً إلى سنة 2001. أكثر من ثلاثة عقود قضاها في التعليم العالي، قبل أن تتوسع دائرة حضوره إلى مؤسسات وفضاءات أخرى.

وفي سنة 1971، تولى بنعمور إدارة المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات (ISCAE)، واستمر في هذه المهمة إلى سنة 1976. هنا لم يعد دوره يقتصر على تقديم الدرس، بل أصبح مرتبطاً بتدبير مؤسسة تعنى بالتكوين في التجارة والتدبير.

وبعد سنوات، عاد إلى فكرة التعليم من موقع المؤسس؛ ففي سنة 1988 أسس المدرسة العليا للتدبير (HEM)، ومنذ ذلك الحين ارتبط اسمه بالمؤسسة التي أصبحت إحدى أبرز محطات مساره في التعليم الخاص.

لكن الطريق لم يبق داخل الجامعة. ففي سبعينيات القرن الماضي، دخل بنعمور أيضاً إلى الحياة السياسية، فانتُخب نائباً عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالدار البيضاء بين 1976 و1981، كما شغل مسؤوليات جماعية بالمعاريف ثم عين الشق بين 1976 و1992.

وفي سنة 1995، أسس جمعية “بدائل”، وترأسها إلى سنة 2002، قبل أن يواصل حمل صفة الرئيس المؤسس. وكانت الجمعية إحدى المحطات التي وسعت حضوره من المجال الأكاديمي والاقتصادي إلى النقاش العمومي.

وبالتوازي مع التدريس والعمل المؤسساتي، ترك بنعمور إنتاجاً مكتوباً في الاقتصاد والتعليم. ومن بين مؤلفاته: “Intermédiation financière et développement économique du Maroc” الصادر سنة 1968، و”La comptabilité nationale marocaine” الصادر سنة 1971، و”Le Maroc Interpellé” الصادر سنة 1993، و”Repenser l’École” الصادر سنة 2007، إضافة إلى “D’une société de rente à une société de mérite”، وهو من الكتب التي تناولت قضايا الاقتصاد الريعي، بحسب شهادة عبد السلام الصديقي.

وفي غشت 2008، انتقل بنعمور إلى واحدة من أبرز محطات مساره، بعدما عُيّن رئيساً لمجلس المنافسة. وظل في هذا المنصب إلى سنة 2018، في فترة كان فيها المجلس يعيش نقاشاً حول موقعه وصلاحياته ودوره في تنظيم المنافسة داخل الاقتصاد المغربي.

وخلال هذه المرحلة، انخرط بنعمور في النقاش حول تقوية دور مجلس المنافسة وتطوير صلاحياته. وتزامنت فترة رئاسته مع إصلاح الإطار القانوني للمنافسة سنة 2014، الذي عزز صلاحيات المجلس ومنحه، ضمن اختصاصاته، إمكانية الإحالة الذاتية في القضايا الداخلة ضمن مجال اختصاصه.

ولم يكن مجلس المنافسة المحطة الوحيدة خارج الجامعة. فقد شغل بنعمور عضوية مجلس إدارة بنك المغرب بين 1994 و2003، وكان عضواً في اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين (COSEF) بين 1999 و2005، كما كان عضواً في المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.

تتعدد العناوين إذن: أستاذ، ومدير للمعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات (ISCAE)، ومؤسس للمدرسة العليا للتدبير (HEM)، وبرلماني، وفاعل جمعوي، واقتصادي، ثم رئيس لمجلس المنافسة. لكن وسط هذه الأسماء والمواقع تعود صورة واحدة باستمرار: صورة الأستاذ.

ذلك ما يفسر، ربما، حضور شهادة عبد السلام الصديقي في الحديث عن بنعمور. فالصديقي لم يعرفه أولاً في مؤسسة رسمية أو من موقع سياسي، وإنما من مقعد الطالب. وبعد سنوات، عاد الرجلان إلى الجامعة نفسها من موقع مختلف: الأستاذ الذي يواصل مساره، والطالب الذي أصبح زميلاً له.

هكذا، لا تبدو سيرة عبد العالي بنعمور مجرد انتقال بين مناصب ومؤسسات. خلف كل محطة كانت هناك عودة، بشكل أو بآخر، إلى الأسئلة التي بدأت في الجامعة: الاقتصاد، والتعليم، والتكوين، ودور المؤسسات.

وحين تطوى سيرة امتدت لعقود، قد لا يكون أكثر ما يبقى منها عدد المناصب التي شغلها الرجل، بل الأثر الذي تركه في الأشخاص والمؤسسات. وهذا تحديداً ما تستعيده شهادة الصديقي: أستاذ بدأ أثره من قاعة الدرس، ثم خرج منها إلى فضاءات أوسع، من دون أن يفقد الصلة الأولى التي بدأت منها الحكاية.