إن تعيين امرأة على رأس الحكومة في المغرب يحمل عدة دلالات تتمثل بالأساس في الدلالة السياسية المرتبطة بتدبير السلطة والحكومة، والدلالة الرمزية المرتبطة بصورة المرأة ومكانتها داخل الدولة والمجتمع بالمملكة خصوصاً في سياق انتخابات تشريعية.
أولاً: الأبعاد السياسية لتعيين أول رئيسة حكومة بالمغرب
إن تعيين الملك رئيسة للحكومة سيكون انتقالاً من مرحلة تعزيز حضور النساء في البرلمان والحكومة والإدارة إلى وصول امرأة إلى أعلى موقع تنفيذي حكومي. وهذا سيعطي مضموناً عملياً للخطاب الرسمي. فاختيار شخصية نسائية رئيسة للحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، سيجعل الكفاءة والخبرة التدبيرية والشخصية التوافقية عناصر أكثر بروزاً في تشكيل الحكومة، إلى جانب الانتماء الحزبي. كما أن هذا الاختيار سيعيد بلا شك توزيع مراكز القوة داخل النخبة السياسية بالمغرب. فرئيسة الحكومة لن تكون مجرد رمز للمرأة؛ فهي ستصبح مسؤولة عن تنسيق العمل الحكومي، وتنفيذ البرنامج الحكومي، والعلاقة مع البرلمان والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. وبالتالي فإن التعيين سيكون، سياسياً، اختباراً لقدرة النخبة النسائية على ممارسة السلطة التنفيذية في أعلى مستوياتها. وكذا إشارة إلى تطور المكونات النسائية للنخبة السياسية المغربية.
حيث سيُقرأ باعتباره استمراراً لمسار طويل من إدماج النساء في مؤسسات الدولة، لأنه سيكون أكثر وضوحاً من حيث الانتقال من تمثيل المرأة في المؤسسات إلى توليها قيادة مؤسسة تنفيذية مركزية. إذ سيكون هذا التعيين بمثابة انتقال من الحضور النسائي في الحكومة والبرلمان والإدارة إلى الوصول إلى أعلى منصب تنفيذي بعد الملك. وهذا سيعطي مضموناً سياسياً عملياً لمبدأ المناصفة الذي ينص عليه الدستور، والذي تعتبره الدولة هدفاً تسعى إلى تحقيقه. حيث أن الأمر لن يتعلق فقط بزيادة عدد النساء في مواقع القرار، وإنما بكسر الحاجز الرمزي المرتبط بمن يتولى قيادة الحكومة. كما أن تعيين رئيسة حكومة يمكن أن يُقرأ باعتباره إشارة إلى أن الكفاءة والخبرة والمسار السياسي أصبحت، من حيث المبدأ، أهم من كون المرشح رجلاً أو امرأة.
الشيء الذي يعتبر مهما خصوصاً بعد انتخابات 23 شتنبر 2026 التي أعادت ترتيب موازين القوى الحزبية؛ بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات بـ97 مقعداً، وأصبح النقاش منصباً على الشخصية التي ستخرج من الحزب لتشكيل الحكومة. مما سيعيد تعريف صورة الحزب المتصدر للانتخابات. فإذا كانت رئيسة الحكومة من حزب الأصالة والمعاصرة، فإن التعيين سيمنح الحزب دلالة إضافية، حيث أن الحزب الذي تصدر الانتخابات لن يقدم فقط تغييراً في موقعه داخل الخريطة البرلمانية، وإنما يمكن أن يقدم أيضاً وجهاً جديداً للسلطة التنفيذية. وهنا تصبح رئيسة الحكومة جزءاً من إعادة بناء صورة الحزب على مستوى الدولة والمجتمع، وليس مجرد شخصية مكلفة بتدبير الحكومة.
بالإضافة إلى ذلك، فهذا الوضع سيزيد من تعزيز شرعية المشاركة السياسية للنساء. فهذا التعيين يمكن أن تكون له آثار تتجاوز الحكومة نفسها. فوجود امرأة على رأس السلطة التنفيذية قد يعطي دفعة للنقاش حول مشاركة النساء في القيادة الحزبية؛ وترشيح النساء للمناصب الانتخابية؛ ووصول النساء إلى مواقع القرار؛ وتشجيع الأجيال الشابة من النساء على الانخراط السياسي. وبالتالي قد يتحول التعيين من حدث مؤسساتي إلى رمز سياسي.
في حين أن هذا التعيين سيساهم في إعطاء الحكومة وجهاً سياسياً جديداً. فبعد تجربة حكومة عزيز أخنوش، سيكون اختيار رئيسة حكومة جديدة أيضاً جزءاً من إعادة تشكيل صورة السلطة التنفيذية. فالمسألة لن تتعلق فقط بمن يدير مجلس الحكومة، وإنما بالوجه الذي ستظهر به الدولة والحكومة أمام المواطنين خلال الولاية 2026-2031. وهذا مهم خصوصاً في سياق نتائج انتخابية أعادت ترتيب الأغلبية والمعارضة، وفي ظل حاجة الأحزاب إلى استعادة الثقة السياسية.
وعلى العموم، فسيلخص هذا التعيين انتقال المغرب من مرحلة إدماج المرأة في المؤسسات السياسية إلى مرحلة أعلى تتمثل في وصول المرأة إلى مواقع القيادة السياسية العليا. وبالتالي، فإن رئيسة الحكومة ستكون رمزاً للانتقال من سياسة التمثيلية النسائية إلى سياسة القيادة النسائية.
ثانياً: الأبعاد الرمزية لتعيين أول رئيسة حكومة بالمغرب
ظلت رئاسة الحكومة بالمغرب تاريخياً موقعاً ذكورياً في مختلف الحكومات التي تعاقبت على تسيير دواليب الحكم بالمملكة. فقد عين الملك محمد الخامس مبارك البكاي لهبيل ليترأس أول حكومة بعيد الاستقلال، ليخلفه أحمد بلافريج وعبد الله إبراهيم، في حين تعاقب على الحكومة طيلة حكم الملك الحسن الثاني أحمد بلافريج (يناير 1963 – نونبر 1963) وأحمد باحنيني (نونبر 1963 – يونيو 1965)، ومحمد بنهيمة (نونبر 1967 – أكتوبر 1969) وأحمد العراقي (أكتوبر 1969 – غشت 1971)، ومحمد كريم العمراني (غشت 1971 – نونبر 1972) وأحمد عصمان (نونبر 1972 – مارس 1979) والمعطي بوعبيد (مارس 1979 – نونبر 1983) ومحمد كريم العمراني (نونبر 1983 – شتنبر 1986) وعز الدين العراقي (شتنبر 1986 – غشت 1992) ومحمد كريم العمراني (غشت 1992 – يونيو 1994) وعبد اللطيف الفيلالي (يونيو 1994 – فبراير 1998) وعبد الرحمان اليوسفي (فبراير 1998 – يوليوز 2002). بينما تم في عهد الملك محمد السادس، وفي إطار دستور فاتح يوليو 2011 الذي أتى في سياق حراك 20 فبراير 2011، تعيين كل من عبد الإله بن كيران والدكتور سعد الدين العثماني عن حزب العدالة والتنمية الذي تصدر انتخابات 2012 و2016، قبل أن يخلفهما عزيز أخنوش عن حزب التجمع الوطني للأحرار الذي تصدر انتخابات 2021.
وبالتالي فإن تعيين امرأة كرئيسة حكومة لأول مرة في تاريخ دولة الاستقلال سيكون بمثابة كسر احتكار رمزي للموقع التنفيذي الأعلى من طرف تعاقب ذكوري على هذا المنصب. في حين سيحمل رسالة رمزية تتجاوز الشخص المعين إلى صورة المرأة المغربية نفسها، تتضمن إشارة سياسية ورمزية بأن المرأة بالمملكة ليست فقط ناخبة أو برلمانية أو وزيرة، بل يمكن أن تكون في موقع قيادة الحكومة. كما ستشكل رسالة قوية ومباشرة إلى الأجيال الشابة، خاصة لدى الفتيات والشابات، لأنها ستجعل الوصول إلى أعلى مستويات القرار السياسي أكثر قابلية للتصور باعتباره مساراً ممكناً، وليس استثناءً بعيداً.
إلى جانب ذلك، فهذا التعيين سيؤدي بلا شك إلى تغيير صورة السلطة السياسية. فوجود امرأة في رئاسة الحكومة يمكن أن يغير الصورة التقليدية للسلطة التنفيذية، ليس بالضرورة من حيث السياسات نفسها، وإنما من حيث التمثيل الاجتماعي والرمزي لمن يمارس السلطة. ففيه ستكون دلالة على التوفيق بين الحداثة والاستمرارية. إذ يمكن أن يحمل هذا التعيين رسالة مزدوجة تتمثل في المحافظة على استمرارية مؤسسات الدولة من جهة، وإظهار قدرة النظام السياسي على استيعاب تحولات اجتماعية مرتبطة بمكانة المرأة من جهة أخرى.
كما يمكن أن يقدم هذا التعيين باعتباره امتداداً لمسار تحديث المؤسسات المغربية، خصوصاً أن قضية مشاركة النساء أصبحت جزءاً معلناً من النقاش حول إصلاح المنظومة السياسية والانتخابية. وقد نصت إجراءات انتخابات 2026 مثلاً على تدابير جديدة لتعزيز حضور النساء في مجلس النواب وفي تأسيس الأحزاب. ومن ثم يمكن أن يصبح تعيين امرأة رئيسة للحكومة امتداداً رمزياً لهذا المسار، خاصة وأن المغزى الأعمق قد يكون ثقافياً: فقبول امرأة في موقع كان يُنظر إليه تقليدياً باعتباره مجالاً للرجال يمكن أن يعكس تغيراً في التصورات الاجتماعية حول القيادة السياسية. وهنا يصبح التعيين أكثر من قرار مؤسساتي؛ فهو أيضاً حدث في المخيال السياسي المغربي.
ثالثاً: الأبعاد الخارجية لتعيين أول رئيسة حكومة بالمغرب
ستكون لرئاسة امرأة للحكومة أيضاً قيمة دبلوماسية وصورية خارجية. فالمغرب سيقدم نموذجاً لبلد عربي وإفريقي ومسلم وصلت فيه امرأة إلى رئاسة الحكومة. فإذا تم تعيين امرأة لرئاسة الحكومة في المغرب لأول مرة، فإن الحدث ستكون له دلالات خارجية وإقليمية ودولية تتجاوز مجرد تغيير في تركيبة الحكومة. حيث سيتضمن هذا التعيين عدة رسائل سياسية مختلفة.
فعلى المستوى الأوروبي، سيُقرأ التعيين باعتباره مؤشراً إضافياً على انفتاح المغرب على تعزيز مشاركة النساء في مواقع القرار السياسي، خصوصاً أن المساواة بين النساء والرجال والحكامة وحقوق الإنسان أصبحت جزءاً صريحاً من الشراكة المغربية الأوروبية. فقد أكد الاتحاد الأوروبي في 2026 أن تعاونه مع المغرب يشمل الحكامة، وحقوق الإنسان، والمساواة بين الجنسين، وتمكين النساء. وبالتالي، فإن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة يمكن أن يقدم للمغرب صورة مؤسساتية جديدة في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي، من دون أن يعني ذلك تلقائياً أن التعيين جاء استجابة لضغط خارجي. فالمغرب سيقدم هذا التعيين أيضاً بوصفه جزءاً من التحولات التي يعرفها الفضاء المتوسطي في مجال مشاركة النساء في الحياة العامة. وهذا مهم لأن الاتحاد الأوروبي والمغرب أعلنا في 2026 عن تعميق الشراكة الاستراتيجية، بما يشمل التنمية الشاملة، والحكامة، والمجتمع المدني، والشباب والمساواة بين الجنسين. ومن ثم يمكن أن تصبح رئيسة الحكومة واجهة مؤسساتية إضافية للمغرب في الحوار الأوروبي المتوسطي، خصوصاً في الملفات الاجتماعية والتنموية والاقتصادية.
أما على المستوى الأفريقي، فسيكون التعيين ذا حمولة رمزية أكبر، لأن الاتحاد الأفريقي يضع مشاركة النساء في صنع القرار ضمن أهدافه الأساسية في إطار أجندة 2063، ويعتبر المشاركة السياسية للنساء جزءاً من التنمية الشاملة. بل إن الاتحاد الأفريقي أطلق في سبتمبر 2026 خطة جديدة تؤكد أن مشاركة النساء في القيادة السياسية وصنع القرار ينبغي أن تتحول من التزامات سياسية إلى ممارسة فعلية. لذلك فإن المغرب، إذا أصبح لديه لأول مرة رئيسة حكومة، سيكون قادراً على تقديم التجربة باعتبارها امتداداً للمسار الأفريقي في تعزيز القيادة النسائية.
أما على المستوى العربي فتعيين أول امرأة لرئاسة الحكومة في المغرب سيضع المملكة ضمن النقاش العربي حول وصول النساء إلى قمة السلطة التنفيذية، وسيشكل مقارنة مع التجارب العربية المختلفة في مشاركة المرأة في رئاسة الحكومة والسلطة التنفيذية.
بالإضافة إلى ذلك، فسيساهم هذا التعيين النسائي في تعزيز الصورة الدولية للمغرب وتكريس “القوة الناعمة المغربية”. خصوصاً وأن المغرب بنى خلال السنوات الأخيرة جزءاً من صورته الخارجية على الجمع بين الاستقرار السياسي؛ والإصلاح المؤسساتي؛ والانفتاح الاقتصادي؛ وتعزيز حضور المرأة؛ والحضور الأفريقي والمتوسطي؛ والانخراط في قضايا دولية وإقليمية متعددة. وبالتالي، فتعيين امرأة في رئاسة الحكومة سيضيف إلى هذه الصورة رمزاً سياسياً جديداً يمكن أن يحظى باهتمام الإعلام والمؤسسات الدولية. مما قد يكون له انعكاس إيجابي على الدبلوماسية المغربية. فرئيسة الحكومة ستصبح، بحكم منصبها، إحدى الواجهات الدولية للمغرب، خصوصاً في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي؛ والتعاون الأفريقي؛ والشراكات المتوسطية؛ والتعاون الاقتصادي والاستثماري؛ وقضايا التنمية البشرية؛ وقضايا المرأة والشباب؛ والمؤتمرات الدولية… وهنا يمكن أن يكتسب التعيين بعداً دبلوماسياً غير مباشر، ليس لأن رئاسة الحكومة هي صاحبة القرار الوحيد في السياسة الخارجية، وإنما لأن رئيسة الحكومة ستصبح جزءاً من الصورة التي تقدم بها الدولة نفسها أمام شركائها الدوليين.
وعموما، فالقيمة السياسية الفعلية لهذه التجربة ستتحدد بقدرة رئيسة الحكومة على ممارسة صلاحياتها، وبتركيبة الحكومة، وبالنتائج الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تحققها. فأهم سؤال سياسي الذي ينبغي أن يطرح ليس: هل ستكون رئيسة الحكومة امرأة؟ وإنما: هل سيؤدي وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة إلى تغيير فعلي في موقع المرأة داخل هرم السلطة، أم سيظل التغيير أساساً رمزياً؟ وهنا يمكن قياس ذلك من خلال مؤشرات ملموسة: نسبة النساء في الحكومة، مواقعهن الوزارية، حضورهن في المؤسسات العمومية، مشاركتهن في صناعة القرار الاقتصادي، ومدى وصولهن إلى مراكز القرار الحزبي. وبالتالي، فإن تعيين رئيسة للحكومة في المغرب، إذا تحقق، سيكون ذا مستويين متلازمين: رمزياً سيكسر حاجزاً تاريخياً في تمثيل المرأة في أعلى هرم السلطة التنفيذية، وسياسياً سيطرح سؤالاً أعمق حول إعادة تشكيل النخبة الحاكمة، ومعايير اختيار رئيس الحكومة، ومدى تحول التمثيلية النسائية إلى مشاركة فعلية في صناعة القرار.