وجهة نظر

الفصل 47 بين التحديد وسلطة التأويل

وفقًا للفصل السابع والأربعين من الدستور، يعين جلالة الملك رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات أعضاء مجلس النواب، الأمر الذي ألغى إمكانية تعيين رئيس الحكومة من خارج الحزب الحاصل على الرتبة الأولى. وهذا الحصر الذي جاء به الفصل السابع والأربعون، وإن كرّس الطابع البرلماني للنظام السياسي، فإنه طرح عددًا من الإشكالات، وعلى رأسها صفة الشخص المعني بالتعيين داخل الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية.

جلالة الملك يمارس صلاحيته في تعيين رئيس الحكومة وفق الاختصاص الذي منحه له الفصل 47، ووفق الاعتبارات التي جاء بها الفصل 42 من الدستور، وهي اعتبارات لا توقف محدودية اختصاص التعيين، بل تجعله من مشمولات السلطة التقديرية لصاحب الجلالة. وهذا الأمر يجد تأييده في تأويلين اثنين:

الأول؛ التأويل الملكي: جلالة الملك صاحب سلطة التعيين، وهذه السلطة تمنحه تقديرًا واسعًا في اختيار شخص رئيس الحكومة من الحزب الفائز، بما ينسجم وسير المؤسسات وصيانة الاختيار الديمقراطي. وهذان الاعتباران كافيان لمنح المؤسسة الملكية اختيارات متعددة، مع التقيد بإطار الحزب المتصدر.

والثاني؛ التأويل القضائي: حيث اعتبر المجلس الدستوري، في قرار له رقم 13/931 بتاريخ 30/12/2013، أن تحديد هيكل الحكومة وتركيبتها أمور تعود إلى الملك ورئيس الحكومة وفق الفصلين 47 و90 من الدستور.

وهكذا، وأمام هذا الصمت الدستوري الذي يمكن وصفه بالصمت الاختياري والمتعمد في تحديد صفة الشخص المعني بالتعيين داخل الحزب المتصدر، تبرز مسألة توجه المشرع الدستوري نحو تعزيز السلطة التقديرية للمؤسسة الملكية في اختيار رئيس الحكومة، أيًّا كانت صفته أو جنسه، من داخل الحزب المتصدر للانتخابات النيابية. وهو تعزيز فيه تجاوب مع مقتضيات الفصل 42 من الدستور، التي تروم جعل المؤسسة الملكية في محور العمل السياسي والمؤسساتي، بما يضمن صيانة الاختيار الديمقراطي.

وقد نشأت عن هذا الصمت اتفاقية دستورية سنة 2011، تجاوزت بها المؤسسة الملكية كل أزمة يمكن أن تثار بمناسبة إعمال الفقرة الأولى من الفصل 47 من الدستور، حيث ذهب جلالة الملك إلى تعيين الأمين العام للحزب رئيسًا للحكومة، وهو الأمر نفسه الذي تكرر مع انتخابات 2016 و2021. وهذا التكرار لا يمكن أن يرقى إلى درجة الإلزام، ومن ثم نعته بالعرف الدستوري؛ لأن مسألة التعيين تدخل في إطار السلطة التقديرية المحفوظة لجلالة الملك وفق مفهوم الفصلين 42 و47 من الدستور.

والجزم بتكرار تعيين الأمناء العامين وقادة الأحزاب المتصدرة لا يمكن الأخذ به على إطلاقه، ذلك أن موقع المؤسسة الملكية يفرض عليها الموازنة والمفاضلة بين اختيارات تأويلية، بما يضمن حسن سير المؤسسات وصيانة الاختيار الديمقراطي.

ماذا لو افترضنا إلزامية تعيين قائد الحزب أو الأمين العام؟ إن هذا الافتراض سيقود مباشرة إلى ضرورة إيجاد جواب عن سؤال: ماذا لو فشل رئيس الحكومة المعين في تشكيل حكومته؟ على هذا النحو، سيتم انتزاع الروح المرنة للفصل 47 من الدستور، الذي قدمت لنا صيغته تأويلات متعددة يمكن أن نبني عليها مفاتيح لحلحلة الأزمات التي يمكن أن تنشأ أمام كل ما يمكن أن يؤدي إلى تعثر أهم مرحلة من مراحل تكوين حكومة لخمس سنوات.