منذ أن أُسدل الستار عن الانتخابات التشريعية، ونحن نعيش موسماً جديداً من جلد السياسيين والساسة، وكأن المسؤول الوحيد عن انحدار المشهد السياسي هو السياسي وحده، وكأن الأحزاب نزلت من السماء إلى صناديق الاقتراع دون أن يحملها أحد إليها، وكأن المرشحين ذهبوا إلى البرلمان بأقدامهم فقط، دون أن يمنحهم المواطن صوته. ننتقد السياسي لأنه فشل، ونهاجم الأحزاب لأنها لم تحقق ما وعدت به، ونلعن الغلاء والبطالة وضعف الخدمات والصحة والتعليم، ثم ننسى السؤال الأكثر إزعاجاً: من الذي أعاد هؤلاء إلى المشهد؟ ومن الذي وضع الورقة في الصندوق ومنحهم الشرعية؟ لا يمكن أن نستمر في هذه الكذبة المريحة التي تجعل السياسي دائماً مذنباً والمواطن دائماً ضحية.
أنا شخصياً كنت أستعد لخوض غمار الانتخابات، وخلال حديثي مع عدد من المواطنين حول الترشح والحملة الانتخابية، سمعت ما يكفي لأدرك أن هناك واقعاً لا يريد كثيرون مواجهته. لم يكن السؤال دائماً عن البرنامج، ولا عن رؤيتي للتعليم أو الصحة أو الاقتصاد، ولا عن تصوري لتدبير المدينة أو الجماعة، وإنما كان السؤال في كثير من الأحيان: «وماذا ستعطي؟». بل إن بعض من تحدثت إليهم كانوا يعتبرون أن الدخول إلى الانتخابات دون استعمال المال ضرب من السذاجة، وأن المرشح الذي لا يملك المال لا مكان له في السباق. لم تكن هذه بالنسبة إليهم ممارسة استثنائية أو جريمة أخلاقية، بل أصبحت عند البعض جزءاً مما يسمونه «قواعد اللعبة». وهنا بالضبط تكمن الكارثة.
لنكن صريحين، ولنبحث عن الكلمات التي تصف الأشياء كما هي. المرشح الذي يشتري أصوات الناس بالمال فاسد، وهذه ليست شجاعة في ممارسة السياسة ولا «ذكاء انتخابياً»، بل فساد انتخابي. والوسيط الذي يتولى توزيع المال وشراء الأصوات ليس مجرد شخص «يساعد» المرشح، وإنما هو جزء من هذه المنظومة. لكن ماذا نسمي المواطن الذي يقبل المال ويبيع صوته عن علم وإرادة؟ لماذا نبحث له دائماً عن الأعذار؟ لماذا نقول إنه فقير، أو محتاج، أو ضحية، وكأن الفقر يلغي المسؤولية الأخلاقية؟ نعم، الفقر يفسر قابلية الإنسان للاستغلال، لكنه لا يحول الفساد إلى فضيلة. وإذا كان المواطن يعلم أنه يبيع صوته، ويعرف أن هذا الصوت يتعلق بخمس سنوات من تدبير الشأن العام، ثم يقبل مبلغاً زهيداً مقابل التخلي عن إرادته، فهو في هذه اللحظة شريك في إفساد العملية الانتخابية. لا أقول إن كل من ذهب إلى صندوق الاقتراع فاسد، ولا إن كل من صوت للأحزاب المتقدمة في الانتخابات باع صوته، فهذا تعميم لا دليل عليه. لكنني أقول بوضوح: من باع صوته وهو يعلم أنه يبيعه، فقد شارك في الفساد، ولا ينبغي أن نبحث له عن قاموس من الأعذار.
المفارقة أن القانون نفسه لا يترك الأمر غامضاً؛ فالحصول على أصوات الناخبين بواسطة الهدايا أو التبرعات أو المنافع محظور، وهناك قواعد زجرية لحماية حرية التصويت ونزاهة الاقتراع. كما أن هيئات لمراقبة الانتخابات تحدثت بعد اقتراع 2026 عن حالات مشتبه فيها لشراء الأصوات والتأثير على الناخبين، وسجلت شكايات مرتبطة بتقديم هدايا أو تبرعات أو وعود بهدف التأثير في التصويت. لذلك فنحن لا نتحدث عن قصة خيالية أو عن اختراع صحفي، وإنما عن ظاهرة موجودة في النقاش الانتخابي وفي التقارير والشكايات، وإن كان من غير المسؤول تحويلها إلى رقم وطني محدد من دون دليل إحصائي.
وهنا أصل إلى النقطة الأكثر إيلاماً: كيف يمكن أن نخرج إلى الشارع للاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ثم نعود إلى صندوق الاقتراع لنمنح أصواتنا، ولو جزئياً، للقوى نفسها التي نحملها مسؤولية جزء من هذه الأوضاع؟ كيف يمكن لشاب أن يقول إنه ناقم على البطالة والغلاء وضعف الصحة والتعليم، ثم يصبح في يوم الاقتراع مستعداً لتغيير موقفه مقابل مبلغ من المال؟ هل يعقل أن نحتج على الفساد صباحاً ثم نشارك في إعادة إنتاجه مساءً؟ هذه ليست مسألة بسيطة، وليست مجرد مفارقة انتخابية؛ إنها أزمة في الوعي السياسي نفسه.
المشكلة أن المال الانتخابي لا يفسد يوم الاقتراع فقط، بل يفسد ما بعد الاقتراع أيضاً. فالمرشح الذي أنفق أموالاً طائلة للوصول إلى البرلمان أو الجماعة لن ينظر بالضرورة إلى ذلك الإنفاق باعتباره صدقة سياسية. إنه، في بعض الحالات، ينظر إليه كاستثمار يجب استرجاعه. وهنا تبدأ الحلقة الخطيرة: ناخب يبيع صوته، ومرشح يشتريه، ووسيط يتوسط بينهما، ثم يفوز المرشح ويبدأ البحث عن استرجاع ما أنفقه. ومن أين يسترجعه؟ من النفوذ، ومن العلاقات، ومن الصفقات، ومن الريع، ومن كل ما يمكن أن يحول السلطة السياسية إلى عائد مالي. وبعد ذلك، وبعد سنوات، يعود المواطن نفسه ليشتكي من الفساد وسوء التدبير والصفقات المشبوهة. هكذا تصبح الدائرة مكتملة: صوت يباع، ومرشح يشتري، ومصلحة تُسترجع، ومجتمع يدفع الثمن.
ولا أريد أن أحمّل المواطن القروي وحده مسؤولية هذه الظاهرة، لأن ذلك سيكون ظلماً وسطحية. القرى ليست موطن الفساد، والمدن ليست موطن النزاهة. المال الانتخابي يمكن أن يجد طريقه في كل مكان، وإن كانت الهشاشة الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية المحلية قد تجعل بعض البيئات أكثر قابلية للتأثير. المواطن القروي ليس أقل وعياً بالضرورة، والفقر ليس عيباً، والحاجة ليست جريمة. لكن الجريمة تبدأ عندما يتحول الاحتياج إلى مبرر دائم لبيع الإرادة. الفقر قد يفسر لماذا يقبل الإنسان المال، لكنه لا يجعل بيع الصوت عملاً نزيهاً.
والأخطر من شراء الصوت هو أن يتحول شراء الصوت إلى ثقافة. عندما يصبح المواطن مقتنعاً بأن المرشح «خاصو يخلص»، وعندما يصبح المرشح الذي يرفض توزيع المال في نظر البعض «ما فاهمش الانتخابات»، وعندما يصبح الذي ينفق أكثر هو الأكثر قدرة على الحشد، فنحن لم نعد أمام تجاوزات فردية، وإنما أمام سوق انتخابية لها قواعدها الخاصة. في هذه السوق يصبح الصوت سلعة، والمرشح مشترياً، والوسيط سمساراً، والناخب بائعاً، وتتحول الديمقراطية من اختيار بين مشاريع وبرامج إلى عملية تفاوض حول الثمن.
وهنا لا بد أن نتوقف أمام النتائج السياسية للانتخابات. فقد تصدرت الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، والحركة الشعبية بـ29، وهي قوى حصلت مجتمعة على 257 مقعداً. هذه أرقام انتخابية، وليست حكماً على كل ناخب أو كل مرشح داخل هذه الأحزاب. لكن السؤال السياسي الذي تفرضه النتائج مشروع: كيف يمكن أن ينتقد المجتمع أداء المرحلة السابقة، ثم يعيد إنتاج جزء كبير من القوى التي كانت حاضرة فيها؟ هنا يجب أن نتوقف عن البحث دائماً عن جواب مريح.
أنا لا أملك رقماً يسمح لي بأن أقول إن أربعة ملايين مغربي باعوا أصواتهم، ولن أضع رقماً في المقال لمجرد أنه يخدم الفكرة. لكنني أملك تجربة مباشرة مما سمعته وأنا أفكر في خوض الانتخابات، وأملك ما يعرفه كثير من الفاعلين في الميدان، وأملك أيضاً ما تم رصده من حالات وشكايات مرتبطة بالتأثير في الناخبين. لذلك فإن السؤال ليس هل توجد الظاهرة، وإنما السؤال الحقيقي هو: إلى أي حد أصبحت هذه الظاهرة مؤثرة في صناعة الخريطة السياسية؟
وهذا السؤال أخطر من مجرد اتهام حزب أو مرشح. لأننا إذا اكتفينا بجلد السياسيين، سنظل ندور في الحلقة نفسها. السياسيون يتغيرون، والوجوه تتغير، والأحزاب قد تتقدم أو تتراجع، لكن إذا بقيت القاعدة الانتخابية نفسها قائمة على المال والزبونية والقرابة والمصلحة الشخصية، فإننا سنعيد إنتاج المشكلة نفسها بأسماء مختلفة.
لذلك أقولها بصراحة قد لا تعجب كثيرين: السياسي الفاسد مسؤول، لكن الناخب الذي يبيع صوته ليس بريئاً. ومن غير المنطقي أن نطالب بالنزاهة من السياسي ونعتبر المواطن معفياً من كل مسؤولية. الديمقراطية ليست فقط حقاً في التصويت، وإنما هي أيضاً مسؤولية في استعمال هذا الحق. من يختار عن قناعة له كامل الحق في اختياره، ومن يخطئ في التقدير له الحق في مراجعة موقفه، ومن يصوت ضد هذا الحزب أو ذاك له كامل الحرية؛ لكن من يحول صوته عمداً إلى سلعة، ثم يعود بعد ذلك ليشتكي من الفساد الذي ساهم في إنتاجه، عليه أن يواجه نصيبه من المسؤولية.
لقد حان الوقت لأن نتوقف عن صناعة ضحية دائمة اسمها «الناخب». المواطن ليس دائماً ضحية. أحياناً يكون مواطناً فاعلاً في صناعة المشكلة. وهذه ليست إهانة له، وإنما تذكير بأن المواطنة مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً. فإذا أردنا تغيير السياسة فعلاً، فلا يكفي أن نغير السياسيين، بل علينا أن نغير أيضاً الطريقة التي نختار بها السياسيين.
لأن السؤال في النهاية ليس فقط: من فاز بالانتخابات؟ السؤال الأهم هو: كيف فاز؟ ولماذا صوّت له الناس؟ وهل كان الصوت نتيجة قناعة سياسية، أم نتيجة ولاء، أم قرابة، أم مصلحة، أم مال؟
وإذا كان المال قد أصبح في بعض المناطق جزءاً من معادلة الانتخابات، فإننا أمام خطر يتجاوز شخص المرشح وشخص الناخب. نحن أمام خطر على معنى الديمقراطية نفسها. لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث لصندوق الاقتراع ليس أن يفوز فيه حزب لا نريده، وإنما أن يتحول الصوت الذي يفترض أن يكون تعبيراً حراً عن الإرادة الشعبية إلى سلعة لها ثمن.
وفي النهاية، لا أريد أن أقول إن «الشعب فاسد»، فهذا حكم جائر وتعميم لا يصح. لكنني أريد أن أقول شيئاً أكثر دقة وأكثر قسوة: كل مواطن باع صوته يعرف ماذا فعل، وكل مرشح اشترى صوتاً يعرف ماذا اشترى، وكل وسيط توسط بينهما يعرف ماذا فعل.
فلا تلعنوا السياسيين وحدهم.
ولا تبحثوا للناخب الفاسد عن الأعذار.
سمّوا الأشياء بأسمائها.
شراء الصوت فساد. بيع الصوت فساد. والمتاجرة بإرادة الناس فساد.
وإذا أردنا فعلاً أن نبني حياة سياسية مختلفة، فعلينا أن نبدأ من الحقيقة التي لا يريد أحد سماعها: السياسي الفاسد لا يصنع المشهد وحده؛ أحياناً يجد أمامه مجتمعاً مستعداً لأن يبيع له مفتاح المشهد.
وعندما يصبح الصوت رخيصاً إلى هذه الدرجة، فلا تستغربوا أن يصبح ثمن الفساد الذي يأتي بعده غالياً على الجميع.
السؤال الحقيقي هو: إلى أي حد أصبحت هذه الظاهرة مؤثرة في صناعة الخريطة السياسية؟
وهذا السؤال أخطر من مجرد اتهام حزب أو مرشح. لأننا إذا اكتفينا بجلد السياسيين، سنظل ندور في الحلقة نفسها. السياسيون يتغيرون، والوجوه تتغير، والأحزاب قد تتقدم أو تتراجع، لكن إذا بقيت القاعدة الانتخابية نفسها قائمة على المال والزبونية والقرابة والمصلحة الشخصية، فإننا سنعيد إنتاج المشكلة نفسها بأسماء مختلفة.
لذلك أقولها بصراحة قد لا تعجب كثيرين: السياسي الفاسد مسؤول، لكن الناخب الذي يبيع صوته ليس بريئاً. ومن غير المنطقي أن نطالب بالنزاهة من السياسي ونعتبر المواطن معفياً من كل مسؤولية. الديمقراطية ليست فقط حقاً في التصويت، وإنما هي أيضاً مسؤولية في استعمال هذا الحق. من يختار عن قناعة له كامل الحق في اختياره، ومن يخطئ في التقدير له الحق في مراجعة موقفه، ومن يصوت ضد هذا الحزب أو ذاك له كامل الحرية؛ لكن من يحول صوته عمداً إلى سلعة، ثم يعود بعد ذلك ليشتكي من الفساد الذي ساهم في إنتاجه، عليه أن يواجه نصيبه من المسؤولية.
لقد حان الوقت لأن نتوقف عن صناعة ضحية دائمة اسمها «الناخب». المواطن ليس دائماً ضحية. أحياناً يكون مواطناً فاعلاً في صناعة المشكلة. وهذه ليست إهانة له، وإنما تذكير بأن المواطنة مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً. فإذا أردنا تغيير السياسة فعلاً، فلا يكفي أن نغير السياسيين، بل علينا أن نغير أيضاً الطريقة التي نختار بها السياسيين.
لأن السؤال في النهاية ليس فقط: من فاز بالانتخابات؟ السؤال الأهم هو: كيف فاز؟ ولماذا صوّت له الناس؟ وهل كان الصوت نتيجة قناعة سياسية، أم نتيجة ولاء، أم قرابة، أم مصلحة، أم مال؟
وإذا كان المال قد أصبح في بعض المناطق جزءاً من معادلة الانتخابات، فإننا أمام خطر يتجاوز شخص المرشح وشخص الناخب. نحن أمام خطر على معنى الديمقراطية نفسها. لأن أخطر شيء يمكن أن يحدث لصندوق الاقتراع ليس أن يفوز فيه حزب لا نريده، وإنما أن يتحول الصوت الذي يفترض أن يكون تعبيراً حراً عن الإرادة الشعبية إلى سلعة لها ثمن.
وفي النهاية، لا أريد أن أقول إن «الشعب فاسد»، فهذا حكم جائر وتعميم لا يصح. لكنني أريد أن أقول شيئاً أكثر دقة وأكثر قسوة: كل مواطن باع صوته يعرف ماذا فعل، وكل مرشح اشترى صوتاً يعرف ماذا اشترى، وكل وسيط توسط بينهما يعرف ماذا فعل.
فلا تلعنوا السياسيين وحدهم.
ولا تبحثوا للناخب الفاسد عن الأعذار.
سمّوا الأشياء بأسمائها.
شراء الصوت فساد. بيع الصوت فساد. والمتاجرة بإرادة الناس فساد.
وإذا أردنا فعلاً أن نبني حياة سياسية مختلفة، فعلينا أن نبدأ من الحقيقة التي لا يريد أحد سماعها: السياسي الفاسد لا يصنع المشهد وحده؛ أحياناً يجد أمامه مجتمعاً مستعداً لأن يبيع له مفتاح المشهد.
وعندما يصبح الصوت رخيصاً إلى هذه الدرجة، فلا تستغربوا أن يصبح ثمن الفساد الذي يأتي بعده غالياً على الجميع