انتخابات 2026

صعود “المصباح” و”السنبلة” وتراجع أصوات الكبار.. من الرابح والخاسر في انتخابات تطوان؟

ماذا تقول أرقام انتخابات تطوان عن موازين القوى؟

لم تكتف الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 بإعادة توزيع المقاعد البرلمانية الخمسة المخصصة لدائرة تطوان، بل أعادت أيضا ترتيب القوى السياسية داخل الدائرة، وأفرزت تحولات لافتة في أرصدة الأحزاب والمرشحين مقارنة بنتائج انتخابات 8 شتنبر 2021.

وبينما حافظ التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال على مقاعدهم، انتقل المقعدان الآخران من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاتحاد الدستوري إلى العدالة والتنمية والحركة الشعبية.

لكن الأرقام تكشف تحولا أوسع من مجرد تبديل مقعدين، فثلاثة من الأحزاب التي حافظت على مقاعدها سجلت تراجعا كبيرا في عدد الأصوات، في مقابل صعود قوي للعدالة والتنمية والحركة الشعبية، فيما تمكنت وجوه جديدة أو عائدة إلى الواجهة من تحويل رهاناتها الانتخابية إلى حضور برلماني فعلي.

وتكشف النتائج الرسمية أن التجمع الوطني للأحرار تصدر الدائرة بـ12 ألفا و836 صوتا، متبوعا بالعدالة والتنمية بـ11 ألفا و909 أصوات، ثم الأصالة والمعاصرة بـ9 آلاف و852 صوتا، والحركة الشعبية بـ7 آلاف و34 صوتا، والاستقلال بـ5 آلاف و77 صوتا.

وهكذا توزعت المقاعد الخمسة على 5 أحزاب مختلفة، في مشهد أكثر تنوعا من انتخابات 2021، حين كانت المقاعد موزعة بين الأحرار والبام والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري، فيما بلغت نسبة المشاركة في في هذه الدائرة خلال 2026 %28.89 مقابل %35.96 في انتخابات 2021.

الطالبي.. حافظ على الصدارة وخسر نصف رصيده

حافظ راشيد الطالبي العلمي، مرشح التجمع الوطني للأحرار، على صدارة دائرة تطوان، بعدما حصل على 12836 صوتا، مقابل 26877 صوتا في انتخابات 2021، ليفقد بذلك 14041 صوتا مقارنة بالانتخاب السابق، أي بتراجع نسبته حوالي 52.2 في المائة.

ورغم هذا الانخفاض العددي الكبير، بقي المقعد بحوزة راشيد الطالبي العلمي، الذي تصدر الدائرة في الاستحقاقين، حيث تظهر هذه النتيجة أن المقارنة بين عدد الأصوات في انتخابين لا تكفي وحدها لقياس تغير موقع الحزب، خصوصا عندما يتغير حجم المشاركة الانتخابية وتختلف موازين المنافسة داخل الدائرة.

ويحمل الطالبي العلمي سجلا انتخابيا استثنائيا، بعدما نجح في الفوز بمقعد برلماني عن تطوان في 6 ولايات متتالية منذ سنة 2002، وتولى خلال مساره السياسي عددا من المناصب الحكومية والبرلمانية، من بينها وزارة الصناعة والتجارة، والوزارة المنتدبة المكلفة بالشؤون الاقتصادية والعامة، ووزارة الشباب والرياضة، فضلا عن رئاسة مجلس النواب.

بوخبزة يقفز بـ”المصباح” للرتبة الثانية

تبقى أكبر التحولات في دائرة تطوان تلك التي سجلها حزب العدالة والتنمية، فبعدما حصل الحزب في انتخابات 2021 على 2866 صوتا، قفز في 2026 إلى 11909 أصوات، بزيادة قدرها 9043 صوتا، أي بنمو يقارب 315.5 في المائة.

ولم تكن الزيادة في الأصوات مجرد انتقال من مرتبة إلى أخرى، بل رافقها تغير في الوضع البرلماني للحزب داخل الدائرة، ففي 2021 حل سادسا ولم يحصل على أي مقعد على إثر السقوط المدوي للمصباح وطنيا، بينما جاء في 2026 ثانيا وحصل أحمد بوخبزة على أحد المقاعد الخمسة.

وكان الحزب قد تصدر دائرة تطوان في انتخابات 2011 وحصل على مقعدين (محمد أيدعمار وأحمد بوخبزة)، كما تصدر انتخابات 2016 بمقعد محمد إدعمار ،قبل أن يتراجع في 2021 إلى الرتبة السادسة ويخرج خاوي الوفاض بدائرة تطوان، على غرار جل دوائر المملكة.

ويعد بوخبزة من الوجوه التاريخية لـ”المصباح” بتطوان، وسبق أن مثل المدينة داخل البرلمان خلال الولاية التشريعية 2011-2016، وهي الفترة التي كان فيها الحزب يتوفر على مقعدين برلمانيين بالإقليم.

البام.. الجرار باق رغم التراجع

بدوره، حافظ حزب الأصالة والمعاصرة على مقعده بواسطة محمد العربي أحنين، لكنه تراجع من المرتبة الثانية في 2021 إلى الثالثة في 2026.

وسجل الحزب 9852 صوتا في الاستحقاق الأخير، مقابل 25706 أصوات في 2021، بفارق ناقص 15854 صوتا، أي تراجع يقارب 61.7 في المائة في عدد الأصوات.

وخاض أحنين الانتخابات بسجل انتخابي راسخ، إذ راكم ثلاث ولايات برلمانية متتالية، اثنتان منها باسم حزب التقدم والاشتراكية، قبل انتقاله إلى الأصالة والمعاصرة، كما يشغل رئاسة جماعة أزلا.

وكانت نتيجة 2021 قد وضعت أحنين في المرتبة الثانية بأكثر من 25 ألف صوت، غير أن الخريطة الجديدة حملت له تراجعا واضحا في عدد الأصوات، مع احتفاظه في الوقت نفسه بمقعده.

لكن الجديد بالنسبة لأحنين هذا العام، كان هو دخول زميله السابق في الحزب، إبراهيم بنصبيح، رئيس المجلس الإقليمي لتطوان ورئيس جماعة زاوية سيدي قاسم، غمار الانتخابات بألوان “السنبلة”، وهو ما جعل صراعهما حاسما على القاعدة الانتخابية داخل المجال القروي.

بنصبيح يهدي “السنبلة” مقعدا 

من أبرز قصص انتخابات تطوان في 2026، حصول إبراهيم بنصبيح، مرشح الحركة الشعبية، على أول مقعد برلماني في مساره، بعدما حل في المركز الرابع بـ7034 أصوات.

فالحزب الذي حصل على 2434 صوتا فقط في 2021، رفع رصيده في 2026 بـ4600 صوت، أي بزيادة بلغت حوالي 189 في المائة، وانتقل من المرتبة الثامنة إلى الرابعة، ليدخل البرلمان ضمن المقاعد الخمسة بهذه النتيجة.

وكان ترشيح بنصبيح من أبرز المستجدات التي سبقت الاقتراع، بعدما استقر اختيار الحركة الشعبية عليه لقيادة لائحتها، في وقت كان اسمه قد طرح في السابق ضمن الأسماء المحتملة لقيادة لائحة الأصالة والمعاصرة.

ويملك بنصبيح حضورا محليا، إذ كان يشغل رئاسة المجلس الإقليمي لتطوان ورئاسة جماعة زاوية سيدي قاسم، كما سبق أن كان من قيادات الأصالة والمعاصرة على مستوى الإقليم.

وكان انتقاله إلى الحركة الشعبية قد فتح منذ البداية على منافسة لافتة مع أحنين، زميله السابق في البيت السياسي نفسه، خصوصا في المجال القروي الذي راكم فيه الرجلان حضورا وشبكات انتخابية محلية.

وأظهرت النتائج أن بنصبيح نجح في تحويل هذا الانتقال الحزبي إلى نتيجة انتخابية واضحة، فيما احتفظ أحنين، في المقابل، بمقعده رغم تراجع رصيده.

الطوب.. من مفاجأة 2021 إلى “النجاة من السقوط”

حافظ رجل الأعمال المحلي، منصف الطوب، مرشح حزب الاستقلال، على مقعده البرلماني، بعدما حصل على 5077 صوتا في انتخابات 2026.

غير أن النتيجة تمثل تراجعا لافتا مقارنة بـ11798 صوتا حصل عليها في 2021، أي بفارق ناقص 6721 صوتا، وبانخفاض نسبته حوالي 57 في المائة.

وبذلك تراجع الطوب من المرتبة الثالثة إلى الخامسة، بعدما كان قد دخل البرلمان لأول مرة في انتخابات 2021 وتمكن حينها من تحقيق نتيجة لافتة، رغم خوضه الانتخابات التشريعية للمرة الأولى.

وهكذا، حافظ الرجل على المقعد الذي فاز به في أول تجربة انتخابية، لكنه فعل ذلك برصيد انتخابي يقل بأكثر من النصف عن رصيده السابق.

سقوط “الوردة” و”الحصان”

في المقابل، شكلت نتائج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والاتحاد الدستوري الوجه الآخر للتحول الذي عرفته دائرة تطوان.

فالاتحاد الاشتراكي، الذي دخل انتخابات 2026 مجددا بقيادة البرلماني حميد الدراق، تراجع من 5424 صوتا في 2021 إلى 2455 صوتا، بفارق ناقص 2969 صوتا، أي بنسبة انخفاض بلغت حوالي 54.7 في المائة.

وكان الدراق قد دخل البرلمان لأول مرة في انتخابات 2021، وحصل حينها على المقعد الخامس، قبل أن يفقد الحزب هذه المرة موقعه ضمن الخمسة الأوائل ويستقر في المرتبة الثامنة.

أما الاتحاد الدستوري، بقيادة نور الدين الهروشي، فسجل تراجعا أكبر، إذ انخفض رصيده من 5265 صوتا في 2021 إلى 1420 صوتا في 2026، بفارق ناقص 3845 صوتا، أي بتراجع يقارب 73 في المائة، منتقلا من الرتبة الخامسة إلى المركز 13.

وكان الهروشي قد فاز بمقعد في 2021، بعدما سبق له تمثيل تطوان باسم الأصالة والمعاصرة خلال الولاية التشريعية 2016-2021، قبل أن يفقد حزبه “الحصان” هذه المرة مقعده ويحتل المرتبة الثالثة عشرة.

وبذلك خرج الحزبان اللذان كانا ممثلين في البرلمان عن تطوان خلال الولاية السابقة من الخمسة الأوائل، وانتقل المقعدان اللذان كانا بحوزتهما إلى العدالة والتنمية والحركة الشعبية.

“الكتاب”.. تحسن في الأصوات دون مقعد

أما حزب التقدم والاشتراكية، الذي قاد لائحته زهير الركاني، فسجل حالة مختلفة عن بقية الأحزاب، فقد ارتفع رصيده من 2,852 صوتا في 2021 إلى 3593 صوتا في 2026، بزيادة قدرها 741 صوتا، أي بنسبة نمو بلغت حوالي 26 في المائة.

ومع ذلك، لم يكن هذا التحسن كافيا لبلوغ أحد المقاعد الخمسة، ليستقر الحزب في المرتبة السادسة، مقابل المرتبة السابعة في انتخابات 2021.

وخاض الركاني الانتخابات للمرة الثانية، بعدما كان قد قاد لائحة الحزب في 2021، بالتوازي مع حضوره التنظيمي والمحلي كنائب لرئيس جماعة تطوان.

ماذا فعلت الوجوه الجديدة؟

لم تكن انتخابات 2026 مجرد مواجهة بين الأسماء التي اعتادت الظهور في صدارة النتائج، بل شهدت أيضا دخول وجوه جديدة أو مرشحين بأدوار انتخابية مختلفة.

فإسحاق شارية، الأمين العام للحزب المغربي الحر، خاض السباق من تطوان، في محاولة لتحقيق اختراق انتخابي بعد تجارب سابقة في دوائر أخرى، ليحصل في النهاية على 2561 صوتا في المرتبة السابعة.

وبذلك جاء شارية مباشرة خلف التقدم والاشتراكية، لكنه لم يتمكن من تحويل حضوره السياسي الوطني إلى مقعد برلماني بالدائرة، وهو ما دفعه إلى إعلان تقديم استقالته من الأمانة العامة لحزب “الأسد” الذي يترأسه.

أما حمزة الخروبي، مرشح حزب البيئة والتنمية المستدامة، فدخل السباق باعتباره واحدا من أبرز الوجوه الشابة في المنافسة وأصغر المرشحين سنا، ليحصل في أول تجرة انتخابية له على 1560 صوتا في المرتبة الثانية عشرة، متقدما على مرشحين وأحزاب ذو خبرة كبيرة.

وكان الخروبي، البالغ من العمر 28 سنة، قد قدم نفسه خلال الحملة باعتباره وجها من “جيل Z” باعتباره أحد قادة الحركة محليا، مستفيدا من حضوره المدني والرقمي، ومن خطاب يستهدف فئة الشباب، خصوصا في ظل النقاش المتزايد حول علاقة هذه الفئة بالأحزاب والانتخابات.

ومن الوجوه التي استقطبت الانتباه خلال مرحلة ما قبل الاقتراع سليمان أخوماش، مرشح حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية.

ودخل أخوماش المنافسة في سياق جمع بين خلفية عائلية سياسية وحضور رياضي معروف، باعتباره ابن البرلماني السابق ورئيس جماعة تطوان الأسبق عبد السلام أخوماش، وابن عم اللاعب الدولي المغربي إلياس أخوماش.

وكان الرهان المطروح أمام هذا النوع من الترشيحات هو مدى قدرة الحضور العائلي والرياضي والشبابي على التحول إلى أصوات انتخابية.

وجاءت النتيجة الرسمية للحركة الديمقراطية الاجتماعية عند 1644 صوتا، ليحتل الحزب المرتبة الحادية عشرة، دون أن يتمكن من الوصول إلى المقاعد الخمسة.

غير أن المفاجأة الكبيرة في الوجوه الشابة الجديدة، فجاءت من طرف محمد بن كريش المشهور بلقب “الحساني”، هو صانع محتوى كوميدي معروف بمنطقة بني حسان بضواحي تطوان وله عشرات آلاف المتابعين.

وتمكن “الحساني” في أول مشاركة انتخابية له من الحصول على 2144 صوتا محتلا المركز التاسع، بعدما ترشح باسم حزب الديمقراطيون الجدد (رمز البصمة)، متقدما على برلمانيين وسياسيين كبار بالإقليم.

وضمت لائحة المنافسين أيضا أسماء دخلت الانتخابات من خلفيات مهنية ومدنية مختلفة. فإدريس أفتيس، المحامي وعضو مجلس جماعة تطوان عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، قاد لائحة تحالف اليسار، وحصل على 1814 صوتا في المرتبة العاشرة.

أما محمد لوشامي، الذي دخل السباق من بوابة حزب الإنصاف، فقد جاء رصيده في حدود 306 أصوات، فيما حصل حكيم البحوتي عن حزب جبهة القوى الديمقراطية على 220، وحصد مرشح حزب الوحدة والديمقراطية، الهاشمي بوغيث، 142 صوتا، بينما حصل عماد اليوسفي، مرشح الحزب الديمقراطي الوطني، على 109 أصوات.

وبالرغم من أن انتخابات 2026 لم تقلب الخريطة بالكامل في دائرة تطوان، لكنها غيرت تركيبتها الداخلية بوضوح، بعدما حافظت ثلاثة أحزاب على مقاعدها، ودخل حزبان البرلمان مكان حزبين آخرين، والترتيب داخل الخمسة الأوائل أعيد تشكيله من جديد.