انتخابات 2026

تقرير يرصد خروقات انتخابية.. شراء الأصوات والتشهير الرقمي واستغلال الفئات الهشة

كشف تقرير للملاحظة الانتخابية الخاصة باستحقاق 23 شتنبر 2026، أعده مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية والمنتدى المدني الديمقراطي المغربي، استمرار عدد من الممارسات الانتخابية التقليدية، بالتزامن مع بروز أشكال جديدة من التأثير مرتبطة بالفضاء الرقمي، في وقت أظهرت فيه الملاحظة محدودية انخراط الشباب في العملية الانتخابية، واستمرار قيود بنيوية تحد من المشاركة السياسية الفعلية للنساء.

وخلص التقرير، ضمن أبرز استنتاجاته، إلى أن العملية الانتخابية شهدت استمرار محاولات التأثير في اختيارات الناخبين والناخبات بواسطة الهدايا أو المنافع، إلى جانب ممارسة الحملات في فضاءات غير مسموح بها، فضلا عن توظيف النساء والشباب، خصوصا في المناطق النائية والمهمشة، في عمليات التعبئة والاستقطاب الانتخابي.

وفي المقابل، رصد التقرير انتقال جزء من الممارسات المؤثرة في العملية الانتخابية إلى الفضاء الرقمي، من خلال تداول الأخبار الزائفة والادعاءات الكاذبة والتشهير، فضلا عن استعمال صور أو مضامين مولدة بالذكاء الاصطناعي أو متداولة رقميا بهدف التأثير في الناخبين والناخبات أو المساس بالمترشحين والمترشحات.

وأشار التقرير إلى أن النيابة العامة سجلت، إلى غاية منتصف شتنبر 2026، شكايات مرتبطة بهذه الممارسات، من بينها 22 شكاية ذات صلة بالفضاء الرقمي، مع التشديد على ضرورة التمييز بين مضمون الشكايات أو التبليغات وبين ثبوت الوقائع موضوعها، في انتظار ما قد تسفر عنه إجراءات التحقق أو البحث المختص.

خروقات انتخابية تقليدية في مواجهة تأثير رقمي متزايد

لم تعد الملاحظة الانتخابية، وفق خلاصات التقرير، مرتبطة فقط بما يجري داخل مكاتب التصويت أو في محيطها المباشر، إذ أصبح الفضاء الرقمي جزءا من البيئة الانتخابية التي يتعين رصدها وتتبع تأثيراتها على الناخبين وعلى المتنافسين.

ورصد التقرير تداول مضامين ومعلومات غير موثقة أو أثارت تساؤلات بشأن مصدرها ودقتها، من بينها صور وتسجيلات صوتية ومقاطع فيديو ومضامين نصية نسبت إلى شخصيات أو أحزاب سياسية، وهو ما جعل التحقق من المحتوى جزءا متزايد الأهمية من عملية الملاحظة الانتخابية.

ويشير التقرير إلى أن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي يضيف مستوى جديدا من التحديات، بعدما أصبح بالإمكان تركيب صور ومقاطع فيديو وأصوات بدرجة عالية من الواقعية، بما يتيح إنتاج محتويات يصعب على المتلقي العادي التحقق من صحتها بسرعة، وهو ما يطرح، بحسب التقرير، تحدي حماية الإرادة الحرة للناخبين من التأثير بواسطة المعلومات الزائفة أو المحتويات المضللة.

وفي هذا السياق، سجل التقرير أن الخروقات الانتخابية لم تعد تأخذ بالضرورة الشكل التقليدي المعروف، بل أصبحت قابلة للانتقال من المجال الواقعي إلى المجال الرقمي، حيث يمكن لمحتوى واحد أن ينتشر في وقت وجيز خارج الحدود الجغرافية للدائرة الانتخابية، ويصل إلى أعداد واسعة من المستخدمين.

وربط التقرير هذا التحول بالحاجة إلى مواصلة تطوير آليات الرصد والتحقق، خصوصا في ظل توسع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي والفيديوهات القصيرة والبث المباشر والمحتويات الرقمية خلال الحملات الانتخابية.

وفي الوقت نفسه، لم يسجل التقرير أن هذا التحول الرقمي ألغى الممارسات التقليدية، بل خلص إلى استمرار مظاهر من قبيل محاولات التأثير في التصويت بواسطة الهدايا أو المنافع، والحملات في فضاءات غير مسموح بها، إضافة إلى استغلال العلاقات الشخصية والولاءات وتعبئة الموارد في بعض أشكال التنافس الانتخابي.

وأشار التقرير، في قراءة أوسع، إلى أن استمرار شبهات استعمال المال للتأثير في اختيارات الناخبين والناخبات وشراء الأصوات ظل واحدا من المواضيع البارزة في النقاش العمومي المواكب للاستحقاقات الانتخابية، سواء في الفضاء الواقعي أو الرقمي، لما يمكن أن يترتب عنه من تأثير على حرية الاختيار وتكافؤ الفرص بين المتنافسين والمتنافسات.

ولم يعتبر التقرير هذه الملاحظة خاصة بانتخابات 2026، إذ أشار إلى أن تقارير الملاحظة التي واكبها المركز والمنتدى منذ سنة 2007 سجلت تواتر هذه الإشكالات وانتظام ورودها عبر محطات انتخابية مختلفة.

وفي مقابل ذلك، رصد التقرير عددا من التدابير التي استهدفت حماية العملية الانتخابية من المخاطر الرقمية، بما في ذلك تنظيم استعمال التكنولوجيات الجديدة، وخاصة الذكاء الاصطناعي، ووضع مقتضيات مرتبطة بالمحتويات المولدة بهذه التقنيات، إلى جانب تدابير تروم حماية سرية التصويت والحد من بعض أشكال التأثير المرتبطة بالهواتف المحمولة.

ويخلص التقرير في هذا الجانب إلى أن البيئة الانتخابية أصبحت أكثر تعقيدا، بعدما باتت العملية الانتخابية تجري في فضاءين متداخلين: فضاء مادي تحضر فيه الممارسات التقليدية، وفضاء رقمي تتسارع فيه عملية إنتاج وتداول المعلومات والمضامين، بما يفرض تطوير أدوات الملاحظة والتتبع بما يواكب طبيعة التحولات الجديدة.

الشباب والنساء.. حضور في الخطاب مقابل محدودية في المشاركة الفعلية

أظهرت خلاصات التقرير وجود فجوة بين الحضور المتزايد لقضايا الشباب والنساء في الخطاب الانتخابي وبين مستوى مشاركتهما الفعلية والمؤثرة في العملية السياسية.

وبخصوص الشباب، كشفت الملاحظة عن محدودية انخراطهم في العملية الانتخابية، سواء على مستوى التسجيل أو الترشح، في مقابل حضور متزايد لقضاياهم في البرامج الانتخابية والخطاب السياسي والحملات الرقمية.

ويرى التقرير أن هذه الوضعية تعكس مفارقة بين اتساع استهداف الشباب باعتبارهم فئة انتخابية وبين ضعف تمثيلهم الفعلي داخل العملية السياسية، وهو ما يطرح، وفق المصدر ذاته، الحاجة إلى الانتقال من مخاطبة الشباب باعتبارهم كتلة انتخابية إلى تعزيز مشاركتهم الفعلية وتمثيليتهم في المؤسسات ومواقع التأثير.

كما يربط التقرير هذه المشاركة بمدى قابلية الالتزامات الموجهة إلى الشباب للتنفيذ والمساءلة، معتبرا أن مجرد إدراج قضايا الشباب في البرامج والخطابات الانتخابية لا يحسم مسألة مشاركتهم السياسية ما لم يقترن ذلك بآليات تتيح لهم الحضور الفعلي في مواقع القرار.

ويطرح التقرير، انطلاقا من هذه الخلاصة، سؤالا حول مدى توفر الإرادة السياسية والمؤسساتية الكفيلة بتحويل توسيع تمثيلية الشباب والنساء من مجرد مؤشر عددي إلى مشاركة فعلية في مواقع التأثير وصنع القرار.

أما على مستوى مشاركة النساء، فقد سجل التقرير تقدما نسبيا في حضورهن العددي على مستوى التسجيل والترشيح، لكنه أشار في المقابل إلى استمرار عدد من القيود البنيوية التي تحد من مشاركتهن السياسية الفعلية والمؤثرة، خصوصا في ما يتعلق بقيادة اللوائح والوصول إلى مواقع صنع القرار.

كما أثارت آليات التزكية والتمييز الإيجابي وتكافؤ الولوج إلى الموارد، بحسب التقرير، أسئلة حول مدى تحقيقها للغايات المرتبطة بتعزيز المشاركة السياسية للنساء، في الوقت الذي سجل فيه حضور نوعي لعدد من المرشحات في الحملات والخطاب الانتخابي.

غير أن التقرير لاحظ تفاوتا في إدماج قضايا النساء ضمن البرامج الانتخابية من حيث وضوح الالتزامات وآليات تنفيذها، فضلا عن استمرار العنف السياسي والرقمي وبعض أشكال التمييز ضد المرشحات، وهو ما اعتبره عائقا أمام ممارسة سياسية تقوم على المساواة وتكافؤ الفرص.

وتتقاطع هذه الخلاصات مع ملاحظة أوسع أوردها التقرير بشأن المشاركة الانتخابية، إذ سجل أن محدودية المشاركة تطرح أسئلة حول أسباب الإحجام عن التصويت، حيث تربط بعض القراءات ذلك بتراجع الثقة في جدوى التمثيل والوساطة السياسية، بينما تربطه قراءات أخرى بتحولات أنماط المشاركة السياسية.

وبحسب التقرير، فإن التحدي لا يتعلق فقط برفع نسبة المشاركة العددية، وإنما أيضا بتعزيز الثقة وتحويل التسجيل الانتخابي إلى مشاركة فعلية، باعتبار أن الانتخابات لا تنتج أغلبية برلمانية وحكومة فقط، وإنما تسهم أيضا في إنتاج جزء من الشرعية السياسية للمؤسسات.

ومن هذه الزاوية، يضع التقرير انتخابات 23 شتنبر أمام اختبار يتجاوز النتائج والخريطة الحزبية إلى قدرة العملية السياسية على إنتاج تمثيل يحظى بدرجة أكبر من المشاركة والثقة والفعالية.

الملاحظة الانتخابية.. عراقيل ميدانية وأسئلة حول الاستقلالية والفعالية

كما وجه التقرير جزءا من خلاصاته إلى الملاحظة الانتخابية نفسها، معتبرا أن مأسسة الملاحظة باعتبارها آلية ديمقراطية لرصد وتتبع مختلف مراحل العملية الانتخابية لا تحول، في حد ذاتها، دون استمرار عراقيل وإكراهات ميدانية يمكن أن تحد من فعاليتها وقدرتها على أداء وظيفتها الرقابية باستقلالية وفعالية.

ويحذر التقرير من أن استمرار هذه الإكراهات قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى إفراغ الملاحظة من مضمونها الديمقراطي وتحويلها إلى آلية ذات طابع شكلي، بدل أن تؤدي وظيفتها باعتبارها أداة للرصد والتقييم والمساءلة.

ومن هذا المنطلق، دعا التقرير إلى فتح نقاش حول الإطار المنظم للملاحظة الانتخابية، وإعادة النظر في أساليب وآليات ممارستها، وشروط ومحددات استقلاليتها، فضلا عن الجهة أو الجهات المؤطرة لها والصلاحيات المخولة لها. ويربط التقرير هذه المراجعة بالحاجة إلى تعزيز فعالية الملاحظة واستقلاليتها، وترسيخ دورها في صون نزاهة العملية الانتخابية وتعزيز الثقة فيها.

وتأتي هذه الخلاصة في سياق أشار فيه التقرير إلى أن عملية الملاحظة نفسها شهدت مجموعة من الإكراهات المرتبطة بالتكوين والتنظيم والولوج إلى بعض المعطيات وظروف ممارسة المهمة، مع تسجيل أهمية مواصلة تحسين وضوح الإجراءات العملية المتعلقة بولوج الملاحظين وممارسة مهامهم، وتعزيز الولوجيات وظروف سرية التصويت.

وفي المقابل، يؤكد التقرير أن استمرار بعض الملاحظات لا يعني بالضرورة غياب التحسن في جوانب أخرى من العملية الانتخابية، خصوصا أن المقارنة بين الاستحقاقات ينبغي أن تراعي اختلاف أدوات الرصد ونطاق التغطية وحجم المعطيات المتاحة.

وبصورة عامة، تتيح المعطيات التي جمعها الملاحظون، وفق التقرير، رصد عناصر من الاستقرار في سير العملية الانتخابية، إلى جانب مجالات تستحق المتابعة والتحسين، وهو ما يجعل المقارنة بين الاستحقاقات أداة لتتبع تطور الممارسات وليس لإصدار أحكام عامة تتجاوز حدود المعطيات المرصودة.

ويضع التقرير هذه الخلاصات ضمن قراءة أوسع للمسار الديمقراطي، مفادها أن نزاهة الانتخابات لا ترتبط فقط بسلامة إجراءات التصويت والفرز، وإنما أيضا بقدرة مختلف الفاعلين والمؤسسات على ضمان شروط المشاركة الحرة والمتكافئة، وتوفير بيئة تسمح للناخبين والناخبات باتخاذ اختياراتهم دون تأثير غير مشروع.

ويخلص التقرير إلى أن معالجة هذه التحديات تقتضي، إلى جانب تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي، تعزيز المشاركة السياسية الفعلية للشباب والنساء، وتوفير شروط أكثر فعالية لاستقلالية الملاحظة الانتخابية، بما يجعلها أداة للرصد والتقييم والمساءلة، ويسهم في تعزيز الثقة في العملية الانتخابية والمؤسسات المنبثقة عنها.