اعتبر أحمد بوز، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن عدم تعيين رئيس الحكومة، إلى حدود الآن، من الحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، لا يطرح أي إشكال دستوري، مؤكدا أن الدستور لا يحدد أجلا زمنيا ملزما لهذا التعيين، فيما استبعد أن يكون التحقيق في واقعة طنجة مؤثرا في الجهة التي ستؤول إليها رئاسة الحكومة.
وأوضح البوز، خلال حلوله ضيفا على برنامج “نبض العمق” الذي سيبث، يومه الثلاثاء، على مختلف منصات “العمق”، أن وصف الوضع الحالي بـ”التأخر” يظل نسبيا، لأن الأمر ينبغي أن يقاس بتجارب سابقة، مشيرا إلى أن الدستور لا يحدد ما إذا كان التعيين يجب أن يتم اليوم أو غدا أو بعد غد، وإنما المؤكد أن رئيس الحكومة سيتم تعيينه قبل افتتاح الولاية التشريعية الجديدة.
وقال إن الانتخابات التشريعية لسنة 2021 جرت في 8 شتنبر، وتم تعيين عزيز أخنوش رئيسا للحكومة في 10 شتنبر، بينما جرت انتخابات 2016 في 7 أكتوبر، وتم تعيين عبد الإله بنكيران في 10 أكتوبر، وفي 2011 جرت الانتخابات في 25 نونبر، قبل أن يتم تعيين بنكيران في 29 نونبر.
وأضاف أن العودة إلى ما قبل دستور 2011 تظهر بدورها تفاوتا في آجال تعيين الوزير الأول، مبرزا أن انتخابات 2007 جرت في 7 شتنبر، فيما عين عباس الفاسي في 19 شتنبر، بينما جرت انتخابات 2002 في 27 شتنبر، ولم يتم تعيين إدريس جطو إلا في 9 أكتوبر. أما تجربة عبد الرحمان اليوسفي، فقد كانت مختلفة بشكل واضح، بعدما جرت الانتخابات في 14 نونبر، ولم يتم تعيينه إلا في 4 فبراير، وهي المرحلة التي ارتبطت بأول تجربة للتناوب ووصول المعارضة إلى الحكومة، فضلا عن الأزمة السياسية المرتبطة آنذاك بوضعية حزب الاستقلال ونتائجه ودوره المفترض في مشاركة المعارضة في الحكومة.
وأكد البوز أن تعيين رئيس الحكومة لم يعد، خلال السنوات الأخيرة، يعرف آجالا طويلة، لكنه شدد على أنه “لا يعتقد بأن هناك تأخرا كبيرا” في الوضع الحالي، مشيرا إلى احتمال ارتباط التوقيت بظروف أخرى، ومن بينها ما أثير بشأن انتهاء التحقيق في قضية طنجة.
غير أن أستاذ العلوم السياسية تساءل عما يمكن أن تغيره نتائج التحقيق في هذه القضية على مسار تعيين رئيس الحكومة، مؤكدا أن الحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات هو الذي سيخرج منه رئيس الحكومة، وقال إنه “بالضرورة سيعين رئيس الحكومة من حزب الأصالة والمعاصرة لأنه هو الذي تصدر نتائج الانتخابات”، مستبعدا أن يؤدي التحقيق إلى ما يشبه العقاب السياسي للحزب المتصدر أو إلى إسناد المنصب إلى حزب آخر.
وشدد البوز على أن الفقرة الأولى من الفصل 47 من الدستور واضحة في هذا الجانب، إذ تنص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، موضحا أن الحزب المتصدر هو، من الناحية الدستورية والسياسية، الحزب الذي أعلنت وزارة الداخلية احتلاله المرتبة الأولى في انتخابات 23 شتنبر.
وبعد حسم مسألة الحزب الذي يفترض أن يخرج منه رئيس الحكومة، يرى البوز أن الإشكال الأكثر تعقيدا يتعلق بالشخصية التي ستتولى هذا المنصب من داخل حزب الأصالة والمعاصرة، مشيرا إلى أن الدستور يمنح الملك سلطة تقديرية في اختيار هذه الشخصية، غير أن الممارسة السياسية التي تبلورت منذ 2011 أظهرت احتراما لمنهجية تقوم على تعيين الشخصية الأولى في الحزب.
وأوضح أن الشخصية الأولى تكون عادة رئيس الحزب أو أمينه العام، لكن وضعية حزب الأصالة والمعاصرة تطرح خصوصية، بالنظر إلى اعتماده قيادة جماعية ووجود منسقة للحزب بدل صيغة الأمين العام، وهو ما يفتح النقاش حول ما إذا كانت المنسقة ستتولى رئاسة الحكومة أم سيتم اختيار شخصية أخرى من داخل الحزب.
واعتبر البوز أن عدة اعتبارات يمكن أن تدخل في عملية الاختيار، من بينها طبيعة المعارضة التي ستواجه الحكومة المقبلة، والوضع الداخلي لحزب الأصالة والمعاصرة، وما إذا كان تعيين شخصية من خارج القيادة الجماعية أو المنسقة سيترك انعكاسات على الوضع التنظيمي والسياسي للحزب.
وقال في هذا الصدد إن “الملك ليس فقط يحترم الدستور بالحرف، بل يحاول ما أمكن أن يحترم المنهجية الديمقراطية”، معتبرا أن هذه المنهجية تقتضي، في تقديره، أن تكون الشخصية التي تقود الحزب وتفترض أن تتحدث باسمه وتقود شؤونه هي التي تكون في واجهة الحكومة، بناء على الممارسة التي اعتمدت منذ 2011، وإن كان ذلك لا يمنع، بحسبه، استحضار معطيات أخرى في عملية الاختيار.
وفي خضم الجدل المتصاعد حول الأسماء المرشحة لرئاسة الحكومة، انتقد البوز ما وصفه بالسوق الإعلامي للأسماء من خلال ترشيح مستمر لعدد من الأسماء، وإن بعض الشخصيات يتم استدعاؤها من الأرشيف رغم أن أصحابها قد يكونون متقاعدين أو بعيدين عن متابعة الأخبار، قبل تقديمهم باعتبارهم مرشحين محتملين لرئاسة الحكومة.
وأوضح أن تداول هذه الأسماء قد يتم أحيانا بحسن نية، أو بناء على تقدير أن شخصية معينة يمكن أن تظهر بشكل جيد في الواجهة الحكومية، لكنه أشار إلى أن الأمر قد يدخل، في بعض الحالات، في إطار الدفاع عن أشخاص محددين أو تقوية العلاقات معهم.
وبخصوص إمكانية أن تؤسس المرحلة الحالية لممارسة جديدة تتيح اختيار شخصية من داخل الحزب المتصدر دون أن تكون بالضرورة أمينه العام أو شخصيته الأولى، رفض البوز وصف الممارسة التي تكرست منذ 2011 بـ”العرف”، موضحا أن “العرف هو قانون في حد ذاته”، ومفضلا الحديث عن “ممارسة سياسية”.
واستحضر في هذا السياق تجربة سنة 2011، عندما أعلن حزب العدالة والتنمية أن مرشحه لرئاسة الحكومة هو أمينه العام آنذاك عبد الإله بنكيران، موضحا أن الحزب أصدر بلاغا بهذا الخصوص، وهو ما خلق، بحسبه، مأزقا في الحياة السياسية، قبل أن يتم تعيين بنكيران رئيسا للحكومة.
وأكد أن تعيين بنكيران لا يعني بالضرورة خضوع القرار للضغط السياسي الذي مارسه الحزب، وإنما يمكن فهمه باعتباره احتراما للمنهجية الديمقراطية والممارسة السياسية التي كانت تقتضي أن تكون الشخصية الأولى في الحزب هي المعنية بتولي رئاسة الحكومة.
وأشار إلى أن الوضع يمكن أن يكون مختلفا إذا كان رئيس الحزب أو أمينه العام نفسه يرشح شخصية أخرى، أو يعتبر أن ظروفه لا تسمح له بتحمل مسؤولية رئاسة الحكومة، مبرزا أن هذا المنصب يتمتع بأهمية دستورية كبيرة، بالنظر إلى الاختصاصات والصلاحيات التي يمنحها الدستور لرئيس الحكومة وموقعه ضمن هرم السلطة في المغرب.
وفي المقابل، شدد البوز على أن الموقع الذي يحتله رئيس الحكومة في الواقع السياسي يجعله في مواجهة مباشرة مع مختلف الضغوط والانتقادات، واصفا إياه بأنه بمثابة “ممتص للصدمات” يتلقى الضربات التي تأتي من الحقل السياسي، ليس فقط من المعارضة، وإنما أيضا من داخل الأغلبية الحكومية.
واستحضر في هذا الإطار تجربة عزيز أخنوش خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، معتبرا أن رئيس الحكومة وجد نفسه في وضع سياسي صعب، وقال إن “الجميع تخلى عنه وبقي كالجندي الأعزل” في الدفاع عن الحصيلة الحكومية”.
وخلص أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري إلى أن المرحلة المقبلة ستضع رئيس الحكومة أمام اختبار سياسي كبير، سواء تعلق الأمر برجل أو امرأة، بالنظر إلى طبيعة المعارضة التي ستتشكل داخل البرلمان، قائلا: “رئيس الحكومة سيواجه معارضة شرسة”.