سوق نموذجي بالمغرب – أروقة بيع الخضر والفواكه داخل السوق النموذجي بالعيون
منتدى العمق

لا مستقبل للمغرب دون إنصاف المغاربة

الحكومة المقبلة أمام امتحان جيب المواطن والمال والثروة

الأسعار ترتفع، والقدرة الشرائية تتآكل، والثروات تتسع… فهل تنتقل الدولة من تدبير الهشاشة بالدعم إلى إنصاف المغاربة بالدخل والعمل والعدالة الضريبية والمحاسبة واسترجاع الأموال؟

ليست كل الحقائق موجودة في الجداول، ولا تختصر حياة المواطنين في نسب مئوية مهما كانت دقة المؤسسات التي تنتجها. قد تقول الأرقام إن التضخم تراجع، وقد يسجل مؤشر أسعار الاستهلاك ارتفاعًا أو انخفاضًا محدودًا من شهر إلى آخر، لكن للمواطن مؤشره الخاص الذي لا يحتاج إلى خبير اقتصادي ليقرأه: ما الذي بقي في جيبه بعد أن أدى ثمن الخبز والخضر واللحوم والزيت، وفاتورة الماء والكهرباء، ومصاريف النقل والعلاج وتعليم الأبناء وكراء أو قسط السكن؟

في غشت 2026، سجلت المندوبية السامية للتخطيط ارتفاع مؤشر أسعار الاستهلاك بـ0,8% مقارنة بيوليوز، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بـ0,9%، فيما بلغت الزيادة الشهرية في بعض المواد الأساسية نسبًا أعلى، منها 2,8% للأسماك والحليب والجبن والبيض، و2,2% للحوم.

لكن الرقم الذي يستحق أن تتوقف عنده كل حكومة وكل حزب وكل مسؤول ليس موجودًا في نشرة الأسعار وحدها. ففي الفصل الثاني من 2026، صرحت 78,3% من الأسر المغربية بأن مستوى معيشتها تدهور خلال الاثني عشر شهرًا السابقة، وانخفض مؤشر ثقة الأسر إلى 60,1 نقطة.

فماذا ننتظر بعد ذلك لنقول إن القدرة الشرائية أصبحت من أولويات المغرب؟

إلى الحكومات السابقة: كم مرة طلبتم من المواطن أن يصبر؟

من حق الحكومات السابقة أن تقدم حصيلتها، ومن حقها أن تتحدث عن الاستثمارات والبنيات التحتية والأوراش الكبرى والحماية الاجتماعية والدعم والإصلاحات، لكن من حق المواطن أيضًا أن يسألها: لماذا ظل دخلي يلهث خلف الأسعار؟ لماذا تحولت زيارة السوق الأسبوعي إلى عملية حسابية مرهقة؟ لماذا أصبح موظف أو أجير أو مهني له دخل قار يشعر أنه يتراجع اجتماعيًا رغم أنه يعمل كل يوم؟

وكم مرة قيل للمغاربة إن الأزمة ظرفية، وإن الأسعار ستستقر، وإن السوق سيستعيد توازنه؟

لقد يكون التضخم اليوم أقل مما كان عليه في سنوات الذروة، لكن تراجع التضخم لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستوياتها القديمة، لأن الغلاء المتراكم لا يُمحى بمجرد تباطؤ وتيرة الارتفاع.

والمواطن لا يأكل «نسبة التضخم»، ولا يؤدي فاتورة الكهرباء بالمؤشرات، ولا يشتري اللحم والخضر بالناتج الداخلي الخام. إنه يعيش بما يتقاضاه وما يستطيع شراءه به.

وهنا يوجد جوهر المشكلة.

الدعم ضروري لمن لا يستطيع… لكنه ليس مشروع مجتمع للقادرين على العمل

الحماية الاجتماعية واجب تجاه المسنين والأشخاص في وضعية إعاقة ومن تعجزهم ظروف قاهرة عن توفير دخل كريم لأنفسهم، ولا يمكن ترك هؤلاء لمصيرهم.

لكن لا ينبغي أن يتحول الدعم إلى الجواب الدائم لكل مشكلة اجتماعية، ولا أن يصبح عدد المستفيدين منه معيارًا وحيدًا لنجاح السياسات الاجتماعية.

فالأسر التي تضم طاقات بشرية قادرة على العمل تحتاج، إلى جانب الحماية المؤقتة عند الضرورة، إلى التعليم والتكوين والعمل والتمويل والمواكبة وفرص الإنتاج.

نريد دولة تساعد الإنسان على أن يصطاد قوته بعمله المشروع وعرق جبينه، لا أن يبقى منتظرًا لتحويل مالي كل شهر.

والمعيار الحقيقي لنجاح سياسة الدعم ليس فقط كم شخصًا أدخلنا إلى لوائح المستفيدين، بل كذلك: كم أسرة أخرجناها من الحاجة إلى الدعم لأنها أصبحت قادرة على إعالة نفسها بكرامة؟

ذلك هو التمكين.

وماذا عن الموظف والأجير والمهني الذي لا يطلب إعانة؟

هناك مغاربة لا يريدون دعمًا أصلًا.

يريد الموظف أن يكون راتبه قادرًا على ضمان حياة محترمة لأسرته، ويريد الأجير أجرًا يعكس قيمة عمله وكلفة الحياة، ويريد الحرفي والتاجر الصغير والمهني أن يستطيع العيش من مهنته دون أن تبتلع الضرائب والمصاريف وغلاء المدخلات معظم ما يجنيه.

لهذا لا يمكن للحكومة المقبلة أن تحصر نقاش القدرة الشرائية في تحويلات مالية للفئات الهشة.

السؤال يجب أن يصبح: كيف نرفع المداخيل الحقيقية للمغاربة؟

كيف تتطور الأجور والرواتب بما يحافظ على قيمتها أمام ارتفاع كلفة المعيشة؟ وكيف ندعم دخل المهنيين والمقاولات الصغيرة؟ وكيف نوسع الطبقة الوسطى بدل أن نترك جزءًا منها ينزلق تدريجيًا نحو الهشاشة؟

هذه أسئلة لا تقل أهمية عن سؤال الدعم.

«من أين لك هذا؟»… يجب أن تصبح مؤسسة لا شعارًا

ولا يمكن الحديث عن إنصاف المغاربة بينما يشعر المواطن بأن هناك من تتضخم ثروته بسرعة لا يستطيع تفسيرها عمل ولا راتب ولا نشاط اقتصادي ظاهر.

المغرب يتوفر أصلًا على منظومة للتصريح الإجباري بالممتلكات دخلت حيز التنفيذ سنة 2010، ويقرر الإطار الدستوري والقانوني أن التصريح لا يخص الوزراء والبرلمانيين وحدهم، بل يمتد إلى فئات من المنتخبين والمعينين الذين يمارسون مسؤوليات عمومية، ويتولى المجلس الأعلى للحسابات مهام تلقي وتتبع ومراقبة عدد من هذه التصريحات.

لكن الأهم ليس وجود التصريح في الملف.

الأهم هو: ماذا نفعل به؟

إذا دخل مسؤول إلى وظيفة عمومية أو انتخابية بثروة معلومة وخرج بعد سنوات بثروة تضاعفت مرات، فهل تملك المؤسسات الآليات الكافية للمقارنة والتحقق ومعرفة مصدر الزيادة؟

والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها نفسها سبق أن سجلت وجود ثغرات في النظام الحالي للتصريح بالممتلكات، واعتبرت أنه ما زال بعيدًا عن الفعالية المطلوبة وفق المعايير المعترف بها دوليًا.

لذلك نحتاج إلى «من أين لك هذا؟» فعلية: تصريح دقيق، دوري، قابل للتحقق، ومقارنة بين الممتلكات والمداخيل المشروعة، وربط حقيقي بين الزيادة غير المبررة في الثروة وآليات البحث والمساءلة القضائية، مع احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع.

ليس لأن امتلاك الثروة جريمة؛ الثروة المشروعة الناتجة عن العمل والاستثمار والإبداع يجب حمايتها وتشجيعها.

أما الثراء الذي لا يجد له صاحبه مصدرًا مشروعًا ومثبتًا عندما يفرض القانون عليه ذلك، أو الناتج عن فساد أو رشوة أو استغلال النفوذ أو نهب المال، فذلك شأن آخر.

لا يكفي أن يدخل ناهب المال السجن… أين المال؟

وهذه واحدة من القضايا التي ينبغي أن تتحول إلى أولوية.

ما الفائدة بالنسبة للمجتمع من إدانة شخص اختلس أو بدد ملايين الدراهم إذا بقيت الأموال بعيدة عن أصحابها أو عن خزينة الدولة لسنوات؟

العقوبة ضرورية، لكن استرجاع المال جزء من العدالة.

الأموال العمومية يجب أن تعود إلى الدولة، والأموال الخاصة يجب أن تعود إلى أصحابها متى ثبتت حقوقهم بأحكام قضائية.

وهذا يهم كذلك ضحايا الاحتيال في العقارات والمشاريع الوهمية والاستثمارات وغيرها. مواطن قد يجمع ثمن شقة عشرين سنة ثم يفقد مدخراته في عملية احتيال؛ ماذا تعني له عدالة تستمر سنوات بينما أمواله مجمدة أو مبددة؟

القانون الجديد للمسطرة الجنائية دخل حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025، وقد عزز الإطار القانوني للحجز والتجميد والمصادرة وتتبع الأموال، كما تعمل وزارة العدل على تطوير آليات تدبير واسترداد الأصول الإجرامية.

المطلوب الآن هو النجاعة: تتبع أسرع للأموال، إجراءات تحفظية قانونية عند الضرورة، محاكمات داخل آجال معقولة، وتنفيذ فعلي ونهائي للأالأحكام مع ضمان حقوق جميع الأطراف.

فالعدالة المتأخرة جدًا قد تتحول بالنسبة للضحية إلى عدالة ناقصة.

لماذا لا يدفع الأكثر ثراءً أكثر؟

وهناك سؤال لا يمكن تأجيله:

إذا كان المواطن محدود أو متوسط الدخل يؤدي الضرائب غير المباشرة كلما اشترى سلعة أو خدمة، وتقتطع الضريبة من أجور فئات واسعة عند المنبع، فلماذا لا يصبح النقاش حول مساهمة أكبر للثروات والدخول الأعلى جزءًا طبيعيًا من إصلاح المالية العمومية؟

النظام الضريبي المغربي يعرف أصلًا تصاعدية في الضريبة على الدخل، وقد حدد الإصلاح الأخير السعر الهامشي الأعلى في 37%، كما تختلف معدلات الضريبة على الشركات بحسب طبيعتها ومستوياتها.

لكن المطلوب سياسيًا واجتماعيًا هو فتح نقاش أوسع حول العدالة الضريبية: لماذا لا ترفع مساهمة أصحاب الثروات والدخول الكبيرة جدًا؟ ولماذا لا تُضاعف، عند المستويات العليا جدًا، بعض المساهمات التي يؤديها من يملك ملايين ومئات الملايين مقارنة بمن يعيش من راتب شهري محدود؟

ليس الهدف معاقبة النجاح أو الاستثمار، لأن الاقتصاد يحتاج رجال الأعمال والمستثمرين ومراكمة رأس المال المنتج.

إنما المطلوب ألا يصبح النظام الجبائي أكثر قسوة نسبيًا على من يستهلك معظم دخله في ضروريات الحياة، وأكثر لينًا مع من راكم ثروات ضخمة.

فالعدالة ليست أن يدفع الجميع المبلغ نفسه، وإنما أن تكون المساهمة مرتبطة أيضًا بالقدرة الحقيقية على الأداء.

الحكومة المقبلة… لا نريد منها إدارة الفقر بل تقليصه

الحكومة المقبلة ستجد أمامها طرقًا وملاعب واستثمارات ومشاريع كبرى، لكنها ستجد كذلك مغربيًا يسأل سؤالًا بسيطًا:

وأنا، أين مكاني في كل هذا؟

إذا كان المغرب يتقدم، فيجب أن يشعر المغربي أن حياته تتقدم معه.

إذا ازداد الاقتصاد قوة، يجب أن تترجم تلك القوة إلى عمل ودخل وتعليم وصحة وسكن ونقل وقدرة شرائية.

وإذا كانت الدولة تطالب المواطن بأداء واجباته واحترام القانون وأداء الضرائب، فمن حقه أن يرى القانون يطبق كذلك على صاحب النفوذ والمال والمنصب.

لا ينبغي أن يكون هدف الحكومة المقبلة توسيع قاعدة من يحتاجون الدعم، بل توسيع قاعدة من لا يحتاجون إليه.

ولا ينبغي أن يكون نجاحها في عدد الملفات المفتوحة ضد الفساد، بل في سرعة البت فيها، والأموال المسترجعة، وحجم المال العام الذي تمت حمايته قبل أن يُنهب.

ولا يكفي أن تقول للمواطن إن الاقتصاد بخير، بل يجب أن يستطيع المواطن أن يقول بنفسه إن حياته أصبحت أفضل.

لا مستقبل للمغرب بدون إنصاف المغاربة

المغرب يملك طموحات كبيرة، ومن حقه أن يملكها.

لكن لا يمكن بناء مغرب المستقبل بسرعتين: مغرب تتراكم فيه الثروات والفرص عند فئة محدودة، ومغرب آخر يقضي أهله الشهر في حساب ما تبقى من الراتب قبل نهايته.

ولا يمكن أن نطلب من المواطن الثقة إذا كان يشاهد الفساد ولا يرى سرعة المحاسبة، ويسمع عن الأموال المنهوبة ولا يعرف متى ستعود، ويرى ثروات مفاجئة ولا يجد جوابًا عن السؤال البسيط: من أين لك هذا؟

المعادلة التي تنتظر الحكومة المقبلة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج شجاعة وعدلًا: حماية من لا يستطيع العمل، وتمكين من يستطيع؛ تقوية الأجور والمداخيل بدل تعميم ثقافة الإعانة؛ إصلاح الأسواق ومحاربة المضاربة؛ رفع مساهمة الأكثر ثراءً في تحمل الأعباء؛ مراقبة تطور ثروات أصحاب المسؤوليات؛ تسريع محاكمات قضايا المال؛ واسترجاع كل درهم ثبت قضائيًا أنه أُخذ من الدولة أو من المواطنين بغير حق.

وفي النهاية، ليست القضية حربًا بين الفقراء والأغنياء، ولا بين الدولة والمستثمرين.

إنها قضية عدل.

لأن أغلى ما يمكن أن يخسره المغرب ليس المال، بل أن يفقد المواطن إحساسه بأن الاجتهاد يكافأ، وأن النزاهة لها قيمة، وأن القانون لا يفرق بين ضعيف وقوي، وأن نصيبه من تقدم بلده ليس مجرد خطاب يسمعه، بل حياة كريمة يعيشها.

ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يدخل مقر الحكومة المقبلة قبل ملفات الوزراء هو:

كيف نجعل المغربي يشعر بأن هذا الوطن ينصفه؟

فالطرق والموانئ والملاعب والمشاريع تصنع قوة الدولة، لكن إنصاف الإنسان هو الذي يصنع قوة الوطن.