محمد أيت بود
وجهة نظر

قراءة في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة

أفرزت الانتخابات التشريعية الأخيرة في المغرب خارطة سياسية غير متوقعة بل ويمكن القول إنها «هجينة وفيها مفاجآت» وذلك بحكم أن العملية الانتخابية أفرزت حصول حزب العدالة والتنمية على 45 مقعدا مقابل 13 مقعدا فقط في سنة 2021 و حزب الاستقلال ب 65 مقعدا مقابل 81 مقعدا في سنة 2021 ، حزب التجمع الوطني للأحرار الذي تراجع إلى 65 مقعد مقابل 102 في سنة 2021، و حزب الأصالة والمعاصرة الذي حصل على 97 مقعد مقابل 87 في سنة 2021، و فدرالية اليسار الاشتراكي الموحد الذي حصل على 8 مقاعد مقابل مقعدين إثنين في سنة 2021، وهذا التصنيف سوف يعطي نتائج مرتبطة بسياق العملية السياسية كما تفرزها صناديق الإقتراع في الديمقراطية التمثيلية، هذا إذا كان بالإمكان دراسة هذه الخارطة السياسية اِنطلاقا من التصنيفات الكلاسيكية للأحزاب في الديمقراطيات العريقة في الغرب، أما إذا أدرنا دراستها انطلاقا من الواقع السياسي المغريي، فإن النتائج سوف تختلف بشكل جذري بحيث لن نحصل على نتائج واضحة وقابلة للتصنيف، لذا يتعين علينا القيام بقراءة هذه النتائج اِنطلاقا من المنهج السوسيولوجي للجابري والذي يؤطر العقل الجمعي العربي والذي أطلق عليه إسم “منهج العقيدة والقبيلة والغنيمة”، حتى نستطيع فهم الخلفيات والدوافع التي تتحكم في العملية السياسية ككل، وكذا فهم طبيعة الآليات القانونية والسياسية التي تؤطرها.

1 – الخلفيات والدوافع المتحكمة في العملية السياسية

لا يمكن فهم الانتخابات في المغرب من خلال منهجية الديمقراطية التمثيلية فحسب، بل يتعين استحضار مجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية المرتبطة بهندسة الحقل السياسي والتحكم في مخرجات العملية السياسية و كذا السلوكيات والعقليات التي تؤطر العملية السياسية برمتها والتي تؤثر في سياق هذه الانتخابات وتوجهها نحو مآلات غير عقلانية، فمن المعلوم أنه في سياق الديمقراطية التمثيلية هناك دائما يمين ويسار يتنافسان في الحصول على ثقة الناخبين، وبالتالي الحصول على الأصوات التي ستؤهله للشروع في تنفيذ برنامجه الإنتخابي الذي على أساسه تعاقد مع ناخبيه حال حيازته على السلطة، غير أنه في السياق المغربي فالأمر مختلف كليا؛ لأن ذلك مرتبط بطبيعة النظام السياسي والتوازنات السياسية الداخلية و طبيعة الأحزاب السياسية والتي هي عبارة عن خليط غير متجانس من الأحزاب الإدارية واليسارية الراديكالية والمعتدلة واليمينية المحافظة، و كذا بمستوى الوعي المواطني وطبيعة المشاركة السياسية ومستوياتها التي تختلف بين القرية والمدينة والجبل والسهل والعالية والسافلة، فإذا كان الناخب في الديمقراطية التمثيلية يختار مرشحه بكيفية عقلانية بناء على برنامج انتخابي واضح قادر من خلال الأدلة والبراهين العقلية المدعومة بالأرقام والمبيانات والجداول والمنحنيات الرياضية على الإقناع وقابل للتطبيق بشكل يسمح بتمثل الحد الأدنى من المشروعية له في مؤسسات الدولة، غير أن الناخب في التجربة الانتخابية المغربية يختار مرشحه بناء على تمثلات – des représentations غير عقلانية لطبيعة العلاقة بينه وبين هذا المترشح أو ذاك، وهذه التمثلات ترتكز بشكل أساسي على العواطف الشخصية للناخب والذي لا يرى في مرشحه شخصا يتعين أن يلج المؤسسة التشريعية أو مؤسسة الحكومة من أجل خدمة المصلحة العامة و إحداث التغيير المنشود فحسب حتى وإن كان هذا الشرط واردًا لدى فئة معينة من الناخبين، بل يرى فيه جانبا من المصلحة الشخصية التي ستبقى في الإحتياط طوال الخمس سنوات المجسدة للفترة الإنتدابية لهذا المترشح، و هذا الرصيد الرمزي من العلاقات الشخصية يجب أن يضل حاضرا في إطار تبادلي من المنافع و المصالح بين الإثنين، لأن المترشح نفسه يعلم بل هو واع بطبيعة هذا التعاقد العاطفي غير المعلن والذي سرعان ما يتحول حسب سياقات اجتماعية مختلفة يتم فيها استحضار البعد القبلي والديني إلى التزام أخلاقي أو إلى تعهد شخصي أو جماعي أو فئوي حسب الحاجة والسياق، فمصلحة الشخص فوق مصلحة القبلية والوطن، ومصلحة القبلية فوق مصلحة الوطن.

في الديمقراطية التمثيلية أيضا يختار الناخب مرشحه بناء على بروفايل – Profil ومؤهلات شخصية وذاتية مرتبطة بالخيار أو التوجه الأيديولوجي للناخب والمصلحة المشتركة بينه وبين بقية المواطنين الذين يتقاسم معهم نفس الرؤية الانتخابية والسياسية والتي تصب في المصلحة العليا للوطن حتى وإن كانت لها دوافع شخصية مثل توفير الشغل وتخفيض الضرائب وتوفير السكن والنقل ..الخ، وبين طبيعة المقعد الذي يتم التباري حوله، غير أنه في المغرب فالناخب لا يختار مرشحه بناء على مثل هذا التعاقد العقلاني الواضح بل بناء على ما سيجلبه له المترشح من منافع من خلال المقعد المتباري حوله، ولا يهم البروفايل الشخصي إذا كان يلائم أم لا طبيعة وخصوصية هذا المقعد والمؤهلات المطلوبة للوصول إليه.

2 – طبيعة الآليات القانونية والسياسية المؤطرة للعملية الإنتخابية

من البديهي بالنسبة لدارسي العلوم السياسية أن القراءة القانونية لنصوص الدستور ولا مدونة الانتخاب ولا قانون الأحزاب والقوانين التنظيمية للانتخابات لا تكفي لوحدها لفهم طبيعة النظام الإنتخابي المغربي والعملية الانتخابية، لأن هذا النظام وهذه العملية الانتخابية مرتبطان بشكل عضوي بالعملية السياسية وطبيعة النظام السياسي وعلاقته بالأحزاب السياسية وكل التعقيدات والتقاطعات الكامنة بينها، بل لابد من إجراء قراءة سوسيولوجية لسبر أغوار العلاقات الموجودة بين هذه الأشياء، وهذه القراءة السوسيولوجية بدورها لا بد أن تستحضر السياق العام الذي تنظم داخله الانتخابات التشريعية الأخيرة في المغرب، والذي يتسم بظروف المرحلة التي نعيشها والتي تتسم بالتحضير للمشاريع الرياضية الكبرى، وكذا الإستعداد لإطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، ويجب ربط كل هذا بالواقع الاجتماعي الذي يتسم بفقدان الثقة في الأحزاب والحكومة والعملية السياسية برمتها على حد سواء، وذلك بحكم التراكمات السلبية للتدبير الحكومي خلال الخمس سنوات المنصرمة والتي اتسمت بالغلاء الفاحش وتدهور القدرة الشرائية للمواطن في مقابل تفشي ظواهر الإثراء غير المشروع والفساد وتضارب المصالح.

ينص الدستور المغربي المعدل سنة 2011 في الفصل 11 الفقرة الأولى منه على أن الانتخابات الحرة والنزيهة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي، إنطلاقا من هذه الفقرة من الدستور فمشروعية التمثيل الديمقراطي تنبثق من انتخابات حرة ونزيهة؛ وجاء في الفقرة الخامسة أن القانون يعاقب كل من خالف القواعد المتعلقة بنزاهة وشفافية العمليات الانتخابية، كما جاء في الفقرة السادسة أن السلطات العمومية تتخذ من الوسائل ما يضمن مشاركة المواطنين والمواطنات في الانتخابات، إذن يتضح من خلال فقرات النص الدستوري الوارد أعلاه أن مشروعية التمثيل الديمقراطي تنبثق من الانتخابات والتي تعمل السلطات العمومية على ضمان نزاهتها وشفافيتها من خلال تطبيق نصوص القانون الزجرية، وينص القانون 9.97 المتعلق بمدونة الانتخاب في المادة 57 على أن العامل يعين 48 ساعة قبل إجراء عملية الانتخاب رؤساء مكاتب التصويت من بين الموظفين العاملين بالإدارات العمومية والجماعات الترابية والذين تتوفر فيهم شروط النزاهة والحياد، ويتضمن القانون التنظيمي رقم 11.27 المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب العديد من الإجراءات الزجرية المتعلقة بالإخلال بالتنافس المشروع وبالأخص تلك المشار إليها في المادة 38 في الباب السادس منه، وكذا القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، وخاصة في المادة 50 وما يليها من الباب السادس منه.

إن ما يثير الإستفهام والتساؤل بل ويطرح إشكالا جوهريا مرتبطا بالمشروعية القانونية في ضل مجتمع متعدد التضامنات الدينية والقبلية والسلطوية والسياسية …إلخ حسب بول باسكون، هو أن العمليات الانتخابية في المغرب رغم كونها مؤطرة بالقانون من حيث التنصيص الواضح على الجزاءات الزجرية بخصوص الإخلال بنزاهة وشفافية الانتخابات، إلا أن ذلك لا ينفي وجود سلوكيات وتصرفات وأفعال ترافق هذه العملية من بدايتها إلى نهايتها، وهذه السلوكيات تنبع من تمثلات اجتماعية لا تستحضر الجانب القانوني أو على الأقل تقوم بتجاهله أثناء فترات الحملة الانتخابية بالنظر إلى التنافس المحموم الذي يتحول أحيانا إلى صراع تستعمل فيه جميع الوسائل المشروعة وغير المشروعة و يتمظهر في عدة أشكال تؤدي في بعض الأحيان إلى التلاسن وتبادل الإتهامات والقذف والتشهير بين رؤساء الأحزاب المتنافسة بل و التصادم بين أنصار هذا الحزب أو ذاك كما حدث في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

لذلك فالتنافس غير المؤطر قانونيا والذي تتداخل فيه عدة عوامل شخصية وقبلية وسياسية واجتماعية واقتصادية يتخذ أصنافا متعددة من التعبئة و تدفع المترشحين إلى استعمال جميع الوسائل المتاحة القانونية وغير القانونية من أجل استمالة الناخبين وكسب أصواتهم، والتي منها استعمال المال و الولائم وتقديم الوعود الشخصية والقبلية وتوظيف الدين والإنتماء الجغرافي والعائلي، وتظهر سلطة الاعيان بقوة من خلال عملية عرض التزكيات لمن يدفع أكثر، وهنا لا يعتبر الولاء السياسي والأيديولوجي ومدى انخراط المترشح في الخط النضالي للحزب هي المحدد الرئيسي لمنح التزكية بل تتحكم فيها اعتبارات أخرى منها القرب من رئيس الحزب أو وكيل اللائحة والذي غالبا ما يكون من الأعيان المحليين من ذوي النفوذ السياسي أو المكانة الاجتماعية والاقتصادية والتي تستثمر كرساميل رمزية لجلب أصوات الناخبين، وهذا لا يمنع من ملاحظة أن هناك استثناءات على هذه القاعدة تخص بعض الأحزاب وكذلك بعض المترشحين الذين لا ينخرطون في مثل هذه السلوكيات.

3-تحليل الخريطة الانتخابية الجديدة

يبدو من المنظور السوسيولوجي أن هناك عدة اعتبارات سياسية واجتماعية واقتصادية هي التي تحكمت في صنع الخريطة السياسية الحالية، والتي فاز فيها حزب الأصالة بالصدارة ب 97 مقعد يليه حزب التجمع الوطني للأحرار في المرتبة الثانية ب 66 مقعد يليه في المرتبة الثالثة حزب الاستقلال ب 65 مقعدا، يليه حزب العدالة والتنمية ب 54 مقعدا، وهذه النتائج تدفعنا إلى ملاحظة ما يلي:

صعود حزب الأصالة والمعاصرة الى المرتبة الأولى ب 87 مقعدا مقابل 87 مقعدا في سنة 2021

حصول حزب التجمع الوطني للأحرار على المرتبة الثانية رغم حصوله على 66 مقعد فقط مقارنة ب 102 مقعد سنة 2021 حيث احتل الصدارة

تراجع عدد مقاعد حزب الاستقلال بحصوله على 65 مقعدا فقط مقابل 81 مقعدا في سنة 2021

صعود حزب العدالة والتنمية بحصوله على 54 مقعدا مقابل 13 مقعدا فقط في سنة 2021

صعود فدرالية اليسار الاشتراكي بحصوله على 8 مقاعد مقابل مقعد واحد فقط في سنة 2021

تدني نسبة المشاركة والتي بلغت 38% مقابل 50% سنة 2021

مما اثار انتباه الكثير من المختصين والمراقبين أن النتائج المعلن عنها لم تكن هي النتائج المتوقعة وبالأخص فيما يخص بعض الأحزاب مثل التجمع الوطني للأحرار وكذا حزب العدالة والتنمية، وبالأخص حصول الأول على المرتبة الثانية والثاني على المرتبة الرابعة، وإذا أجرينا مقارنة بين الوضع الذي كان فيه حزب العدالة والتنمية عندما كان يسير الحكومة ما بين 2011 و 2021، وأخذا بعين الاعتبار النتيجة التي حصل عليها في سنة 2021 والتي هي 13 مقعدا مقابل 125 مقعدا في سنة 2016، فكان من المنتظر أن يحصل نفس الشيء بالنسبة لحزب التجمع الوطني للأحرار، لأن تكلفة تدبير الشأن العام تفترض أن الناخب سيصوت بالتصويت العقابي ضد السياسات اللاشعبية التي مارسها هذا الحزب الذي ترأس الحكومة لمدة الخمس سنوات الفارطة، في حين أبانت العديد من المؤشرات على أن حزب الأصالة والمعاصرة سيتبوأ المرتبة الأولى، خاصة مع التحاق أسماء وازنة بصفوفه مثل فوزي لقجع وهو يجوب المدن والقرى في إطار الحملة الانتخابية للحزب، لكن حصول العدالة والتنمية على 54 مقعدا أثار الكثير من الملاحظات باعتبار أن حملته الانتخابية كانت نظيفة نسبيا وكان من المرجح أن يحصل على المرتبة الثانية أو الثالثة، أضف إلى ذلك غياب البديل الذي يمكن أن ينافسه أخذا بعين الاعتبار أن الأحزاب الثلاثة التي شاركت في التدبير الحكومي ما بين 2021 و 2026، ستكون قد استنفذت رصيدها الانتخابي بسبب العديد من العوامل المرتبطة بالتدبير الحكومي والتي لم يكن غالبية المواطنين راضين عنها، وخاصة ماله علاقة بالقدرة الشرائية التي تضررت كثيرا خلال هذه الولاية الحكومية، ومن جهة أخرى فإن تراجع حزب الاستقلال في عدد المقاعد 65 مقعدا مقابل 81 مقعدا سنة 2021 ، رغم حفاظه على نفس المرتبة الثالثة، تطرح علامات استفهام كثيرة، ويمكن تفسير تراجعه في عدد المقاعد بكون الحزب يؤدي تكلفة التدبير الحكومي، ومن النتائج الأخرى التي أثارت ملاحظات المختصين والمراقبين تلك المتعلقة بظفر تحالف اليسار الديمقراطي ب 8 مقاعد مقابل مقعدين اثنين في سنة 2021، وهذا مؤشر واضح على أن تحالف اليسار يمكن أن يتطور نحو مراتب متقدمة في الانتخابات المقبلة، وهذا انطلاقا من خطابه السياسي الذي بدأ ينتشر في الأوساط الشعبية، خاصة من خلال تركيزه على محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح ودعوته إلى بناء تعاقد سياسي جديد من ركائزه الديمقراطيه والعدالة الاجتماعية، ويمكن أن يشكل بديلا للأحزاب التي استنفذت من خلال تجربتها الحكومية.

ومن بين الملاحظات البارزة في نتائج هذه الانتخابات هي نسبة المشاركة التي بلغت 38% مقارنة ب 50% في سنة 2021، ويمكن قراءة هذه النتيجة انطلاقا من عدة زوايا؛ منها أولا عدم الرضى الشعبي على التدبير الحكومي الذي أبان عن قصور في الدفاع عن مصالح الطبقات المتوسطة والهشة وحماية القدرة الشرائية، ومنها كذلك عزوف الشباب عن السياسة بالنظر إلى فقدانه الثقة في الأحزاب السياسية والعملية السياسية برمتها، وذلك راجع إلى غياب المشروعية السياسية للأحزاب وعدم قدرة الفاعل السياسي والنخب الحزبية على إحداث التغيير الإيجابي المنشود، ومنها كذلك فكرة فك الإرتباط التي تروج لها وسائل التواصل الاجتماعي والتي لا ترى أي جدوى من الانتخابات بل وتعتبرها مجرد واجهة سياسية لقرار فوقي جاهز سلفا، ومن هذه الأفكار التي صارت تروج في وسائل التواصل الاجتماعي من صارت تطالب بإلغاء الانتخابات والمؤسسات وإرجاع كل شيء إلى الملك، غير أن المشروعية السياسية في المغرب لا ترتبط فقط بنسبة المشاركة لأن لها موارد أخرى غير الانتخابات، لذلك فنسبة المشاركة لا تؤدي إلى وقوع الأزمات السياسية كما هو معهود في الأنظمة الديمقراطية.