سياسة

دبلوماسية المصالح والحسم.. كيف تقود الرباط حراكا أمميا لإنهاء نزاع الصحراء؟

دخلت الدبلوماسية المغربية مرحلة جديدة من التحرك المكثف داخل أروقة الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، في سياق مساعي الرباط لدفع ملف الصحراء نحو حسم سياسي، مع الاعتماد بشكل متزايد على لغة المصالح الاقتصادية والتحالفات الاستراتيجية، إلى جانب التحرك الدبلوماسي التقليدي.

وأوضحت مجلة “جون أفريك” أن وزير الشؤون الخارجية المغربي ناصر بوريطة حدد، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء 22 شتنبر، ستة مبادئ غير قابلة للتفاوض بشأن القضية، مشددا على عدم وجود أي حل خارج إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ومستبعدا بشكل قاطع خيار الجمود الذي تفضله أطراف أخرى، في إشارة إلى الجزائر.

وأضافت المنبر الإعلامي ذاته أن الوزير المغربي رفض أي قراءة ملتبسة للقرار الأممي رقم 2797، متحدثا بنبرة صارمة وحازمة، قبل أن يستثمر ورقة الانتخابات التشريعية التي جرت في اليوم الموالي لتأكيد انخراط سكان الصحراء في المسار الديمقراطي، من خلال توجههم إلى صناديق الاقتراع.

وسجلت المجلة أن هذا الخطاب جاء ضمن سلسلة تحركات دبلوماسية مكثفة شملت لقاءات مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، واجتماعا ثلاثيا ضم بوريطة والمسؤول الأمريكي مايك والتز والإسرائيلي جدعون ساعر، وهو اللقاء الذي أعاد تفعيل الإعلان الثلاثي الموقع في دجنبر 2020 بشكل صريح.

وأكدت “جون أفريك” انتقال التحالف الثلاثي بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل إلى مرحلة المؤسسة تحت رعاية أمريكية، حيث اتفق الجانبان المغربي والإسرائيلي على رفع مستوى تمثيليتهما الدبلوماسية إلى سفارات وتعيين سفراء، مع الالتزام بإبرام اتفاقيات قبل نهاية العام الجاري تشمل حماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي وتوسيع الرحلات الجوية وتنظيم زيارات رفيعة المستوى.

وتابعت المادة الصحفية رصد اللقاءات المغربية التي شملت الرئيس المشارك الجمهوري للتجمع المغربي بالكونغرس جو ويلسون، وممثلة الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، والمسؤول الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، وممثلي دول السنغال والنيجر وأوغندا وبوتسوانا، في خطوة استباقية لتهيئة الأرضية قبل مناقشة مجلس الأمن لملف الصحراء أواخر شهر أكتوبر.

وأبرزت “جون أفريك” أن الدبلوماسية المغربية تعمل على تحويل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، الذي أقره دونالد ترامب سنة 2020، إلى دينامية دولية واسعة، وهو ما تجلى في دعوة جو ويلسون، بعد لقائه ببوريطة، إلى تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية وتأكيده العلني على السيادة المغربية.

وأشارت الصحيفة إلى إشارات إيجابية أخرى جاءت من دونالد ترامب نفسه، الذي أشاد من منبر الأمم المتحدة بانخراط المغرب في مجلس السلام، حيث يعتبر المغرب عضوا مؤسسا، وسبق له أن وقع مع البحرين في شهر يناير بمدينة دافوس على الميثاق التأسيسي لهذه الهندسة الجديدة التي أطلقها ترامب.

واستدركت المجلة بالإشارة إلى التحركات الأمريكية الموازية، حيث استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستشار ترامب لشؤون إفريقيا والعالم العربي مسعد بولوس في 13 شتنبر بالجزائر العاصمة، قبل أن يعقد الأخير لقاءات منفصلة بنيويورك مع كل من ناصر بوريطة ونظيره الجزائري أحمد عطاف لمناقشة تطورات ملف الصحراء بشكل صريح.

وأفصحت المادة عن فهم الرباط لطبيعة الإدارة الأمريكية في عهد ترامب، حيث أدركت أن قرنين ونصف من الصداقة يمثلان رصيدا تاريخيا، لكنهما لا يشكلان خطة عمل اقتصادية، مما دفع المغرب إلى تبني خطاب يركز على الصفقات والمصالح المشتركة خلال الفعاليات الموازية للجمعية العامة، التي حضرها صناع قرار وشخصيات بارزة مثل ريتشارد أتياس.

وشرحت المجلة تفاصيل العرض المغربي المقدم للأمريكيين، والذي يشمل قطاعات المعادن الحيوية والفوسفاط والأسمدة والطاقة والطيران وسلاسل التوريد، حيث يجري المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن حوارا مع مجلس الأمن القومي ووزارة الطاقة الأمريكية، فيما تشارك مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط في بناء مصنع للأسمدة بولاية لويزيانا لتعزيز الأمن الغذائي الأمريكي.

ومضت “جون أفريك” في سرد المكاسب الاقتصادية المتبادلة، مبرزة اعتماد الخطوط الملكية المغربية على طائرات بوينغ في أسطولها للمسافات الطويلة، وتفرد المغرب بكونه البلد الإفريقي الوحيد الذي يجمعه اتفاق تبادل حر مع الولايات المتحدة، لتقديم رسالة واضحة مفادها أن المغرب حليف استراتيجي من خارج حلف شمال الأطلسي، يبعد بمسافة 14 كيلومترا فقط عن أوروبا، ويعتبر بوابة لإفريقيا وشريكا أمنيا في الساحل.

وكشفت الصحيفة عن دخول مدينة العيون في صلب هذه الدينامية، بعد تمويل الوكالة الأمريكية للتجارة والتنمية خلال فصل الصيف لدراسة جدوى مشروع ضخم للأمونياك بالمدينة بطاقة إنتاجية تبلغ 560 ألف طن سنويا، مدعوما بنحو 900 ميغاواط من التحليل الكهربائي، مما يحول الاستثمار الاقتصادي في الصحراء إلى لغة دبلوماسية عملية ضمن الأسواق ذات الأولوية، مثل المعادن والبنية التحتية الرقمية.

وأضافت المجلة أن دولة الشيلي سارت على النهج نفسه، بعد دعمها للسيادة المغربية بنيويورك وإعلان رغبتها في ترجمة هذا الموقف إلى تعاون اقتصادي وتجاري في المنطقة، مما يؤكد سعي الرباط إلى تحويل الاعترافات الدبلوماسية إلى واقع ملموس لا يقتصر على مجرد إصدار البيانات.

وانتقلت المادة إلى تسليط الضوء على الدائرة الثانية من التحركات المغربية داخل مجلس الأمن، حيث زار بوريطة العاصمة الدنماركية كوبنهاغن في الرابع من شتنبر للحصول على دعم الدنمارك، التي وصفت خطة الحكم الذاتي بالموثوقة واعتبرتها أساسا جيدا للحل، رغم تحفظها الطفيف مقارنة بالموقف الأمريكي.

وأوردت الصحيفة أن المدير العام للشؤون السياسية الدولية فؤاد يزوغ توجه بعد أحد عشر يوما إلى العاصمة الروسية موسكو لتنسيق المواقف وتفادي أي فيتو روسي قد يعرقل الدينامية الحالية، لتنجح الرباط في تعزيز موقفها مع واشنطن وتوسيعه مع كوبنهاغن وتأمينه مع موسكو.

وربطت المجلة اللقاءات الثنائية مع الدول الإفريقية برغبة المغرب في العودة بقوة إلى أروقة مجلس الأمن، عبر إعلان ترشحه لمقعد غير دائم للفترة الممتدة بين سنتي 2028 و2029، مما يستدعي تعزيز الدعم الإفريقي بشكل مستمر.

وطرحت المنصة الإعلامية تساؤلات حول طبيعة القرار المنتظر في 31 أكتوبر الجاري، ومدى القدرة على تحديد صلاحيات الحكم الذاتي بدقة وجدولة تطبيقها، مع التركيز على إصرار المغرب على حضور الأطراف الأربعة وتحمل الجزائر لمسؤولياتها في التفاوض وعدم الاكتفاء بدعم جبهة البوليساريو من الخارج.

وخلصت “جون أفريك” إلى أن المغرب نجح في التحدث بلغة تناسب كل طرف، مستعملا لغة المصالح الاستراتيجية والاستثمار مع الأمريكيين، والواقعية والحكم الذاتي مع الأوروبيين، والتوازن والتعددية مع الروس، والتعاون والتنمية مع الأفارقة.

واختتمت المجلة بالتأكيد على أهمية العامل الزمني تزامنا مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية في الثالث من نونبر، حيث تسعى الرباط لإقناع واشنطن، التي ستصيغ قرار مجلس الأمن، بأن تحقيق تقدم ملموس في نزاع الصحراء الذي عمر لنصف قرن لن يكون مجرد انتصار مغربي، بل سيشكل نجاحا دبلوماسيا بارزا للإدارة الأمريكية وللرئيس ترامب الذي يبحث عن إنجازات مرئية لإنهاء الصراعات.