يشكّل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية بتاريخ 29 شتنبر 2026 محطة لافتة في التطور الدستوري والسياسي للمغرب ليس فقط بالنظر إلى كونها أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المملكة وإنما أيضاً لما يثيره هذا التعيين من أسئلة تتصل بموقع المرأة داخل البناء الدستوري والمؤسساتي وحدود المساواة في تولي المسؤوليات السياسية العليا ومدى انتقال المبدأ الدستوري للمساواة بين الجنسين من مستوى الإقرار القانوني إلى مستوى الممارسة الفعلية في دوائر صناعة القرار.
في هذا السياق، تكتسب هذه الواقعة أهميتها من كونها تقع في صلب الاختصاصات الدستورية المتعلقة بتعيين رئيس الحكومة كما أنها تندرج ضمن مسار أوسع عرفه النظام الدستوري المغربي منذ إقرار دستور 2011، الذي اتجه من خلاله المشرّع الدستوري إلى تعزيز مكانة الحقوق والحريات الأساسية وترسيخ المساواة بين النساء والرجال، ومن هذه الزاوية فإن تعيين امرأة على رأس السلطة التنفيذية لا ينبغي اختزاله في بعده الرمزي بل يستدعي قراءة قانونية تستحضر النص الدستوري ذاته فضلا عن الالتزامات الدولية التي ارتبط بها المغرب في مجال حقوق المرأة والمشاركة السياسية.
انطلاقاً من هذه الخلفية يستند هذا التعيين في أساسه المباشر إلى الفصل 47 من دستور 2011 الذي ينص على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، ولا يضع النص أي قيد مرتبط بجنس الشخص المعين الأمر الذي يجعل معيار التعيين دستورياً مرتبطاً بالمسار الانتخابي وبالانتماء الحزبي لا بالتمييز بين الرجال والنساء، ومن ثم فإن تولي امرأة لرئاسة الحكومة لا يمثل استثناءً عن القاعدة الدستورية ولا يحتاج إلى تأويل خاص يبرره من زاوية النوع الاجتماعي.
علاوة على ذلك، تتأكّد هذه القراءة بالرجوع إلى الفصل 19 من الدستور الذي يقرر تمتع الرجل والمرأة على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية كما يكرّس التزام الدولة بالسعي إلى تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء، ويكشف الجمع بين الفصلين 19 و47 عن وجود ترابط واضح بين مبدأ المساواة وبين قواعد ممارسة السلطة السياسية؛ فالمساواة لا تتوقف عند الاعتراف النظري بالحقوق وإنما تمتد إلى إمكان الوصول إلى مواقع المسؤولية العامة متى استوفيت الشروط الدستورية والقانونية ذات الصلة.
وبناءً على ما سبق، فإن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري يمكن النظر إليه من الناحية الدستورية، باعتباره تطبيقاً لقاعدة عامة مجردة لا تميز بين الجنسين وليس باعتباره إنشاءً لقاعدة دستورية جديدة أو خروجاً عن المألوف في ممارسة الفصل 47، وتكمن أهمية هذه الملاحظة في تجنب الخلط بين الحدث السياسي من جهة والقاعدة القانونية التي تحكمه من جهة أخرى. فالحدث يحمل دلالة تاريخية باعتباره أول وصول لامرأة إلى رئاسة الحكومة غير أن الأساس القانوني لهذا الوصول يظل هو نفسه الذي ينظم تعيين أي رئيس حكومة أي الفصل 47 من الدستور.
إلى جانب البعد الدستوري الوطني تتجاوز أهمية المسألة حدود النص الدستوري لتتصل بالتزامات المغرب الدولية في مجال القضاء على التمييز ضد المرأة. فقد ارتبط المغرب باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي تلزم الدول الأطراف باتخاذ التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة وضمان حقها على قدم المساواة مع الرجل، في المشاركة في الشأن العام والانتخابات وتولي المناصب العامة، كما أوضحت اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة أن مفهوم الحياة السياسية والعامة يشمل ممارسة السلطة السياسية ومختلف مستويات صنع السياسات والإدارة العامة.
في هذا الصدد، تنسجم هذه الالتزامات الدولية مع الاتجاه الذي تبناه الدستور المغربي خاصة من خلال ديباجته والفصلين السادس والتاسع عشر حيث تم التأكيد على حظر ومكافحة مختلف أشكال التمييز وعلى تمكين النساء والرجال من ممارسة الحقوق والحريات على أساس المساواة، وقد أبرزت وثائق الأمم المتحدة المتعلقة بتنفيذ المغرب لالتزاماته بموجب اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة أن الإطار الدستوري المغربي يتضمن ضمانات للمساواة والمشاركة السياسية وأن الدولة اعتمدت مجموعة من التدابير القانونية والمؤسساتية بهدف تعزيز تمثيلية النساء في المؤسسات المنتخبة ومواقع المسؤولية.
غير أن الاعتراف القانوني بالمساواة يظل في التحليل الدستوري، مختلفاً عن تحقق المساواة الفعلية، فالنصوص قد تزيل الحواجز القانونية المباشرة أمام مشاركة المرأة، لكنها لا تكفي وحدها لضمان حضور متوازن ومستدام في مواقع صنع القرار، ولهذا أصبحت الأدبيات القانونية والحقوقية تميز بين المساواة الشكلية والمساواة الفعلية إذ تعني الأولى عدم التمييز في القاعدة القانونية، بينما تقتضي الثانية معالجة الظروف الواقعية والمؤسساتية والاجتماعية التي قد تحول دون استفادة النساء من الحقوق المقررة لهن بصورة متكافئة.
من هذه الزاوية، تكتسب واقعة تعيين امرأة على رأس الحكومة قيمة تحليلية تتجاوز بعدها الرمزي لأنها تقدم مثالا عمليا على إمكانية وصول المرأة إلى أعلى مستوى من المسؤولية التنفيذية في إطار القواعد الدستورية القائمة، غير أن دلالة هذا الحدث لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دليلا نهائيا على تحقق المناصفة السياسية إذ إن الوصول إلى موقع قيادي واحد لا يحسم بمفرده مسألة التمثيلية المتوازنة للنساء في مجموع المؤسسات المنتخبة والتنفيذية والإدارية.
بالموازاة مع ذلك، تتصل هذه المسألة بالتطور الذي عرفته المنظومة التشريعية والمؤسساتية المغربية خلال السنوات الأخيرة، فقد أفرز دستور 2011 مجموعة من المقتضيات الرامية إلى تعزيز المشاركة السياسية للنساء كما شهد الإطار الانتخابي بدوره تعديلات وتدابير استهدفت رفع مستوى التمثيلية النسائية في المؤسسات المنتخبة، وأكدت تقارير الأمم المتحدة بشأن المغرب أن التشريعات الانتخابية والتنظيمية تضمنت تدابير موجهة إلى تعزيز فرص النساء في الوصول إلى المجالس المنتخبة وتحسين تمثيليتهن السياسية.
في ضوء ما تقدم، يظهر أن مسألة المساواة السياسية لا ترتبط فقط بالقواعد الدستورية التي تمنع التمييز وإنما تتأثر أيضا بآليات النظام الانتخابي وبالتنظيم الداخلي للأحزاب السياسية، وبفرص النساء في الترشح والتدرج داخل الهياكل الحزبية فضلا عن الثقافة السياسية والاجتماعية السائدة، فالوصول إلى رئاسة الحكومة يفترض، في النظام الدستوري المغربي المرور عبر مسار سياسي وحزبي وانتخابي معقد وهو ما يجعل تمكين النساء من الوصول إلى مواقع القيادة الحزبية والمؤسسات المنتخبة جزءاً أساسيا من شروط تحقيق المساواة السياسية في صورتها الفعلية.
وبالرغم من ذلك، ينبغي الحذر من تحويل التعيين إلى قرينة قانونية على اكتمال مسار المناصفة التي أشار إليها الفصل 19 من الدستور والتي تمثل غاية دستورية أوسع من مجرد تولي امرأة لمنصب حكومي رفيع، وهي تقتضي في معناها المؤسساتي توسيع فرص المشاركة المتكافئة في مختلف مستويات صناعة القرار بما فيها البرلمان والمجالس المنتخبة والحكومة والإدارة العمومية ومؤسسات الحكامة والهيئات الاستشارية.
خلاصة القول، فإن تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يندرج ضمن التطور الطبيعي لتطبيق القواعد الدستورية المتعلقة بتشكيل الحكومة وفي الوقت ذاته يمثل واقعة ذات دلالة خاصة في مسار المشاركة السياسية للمرأة المغربية، فالأساس الدستوري للتعيين واضح في الفصل 47 ومبدأ المساواة يجد سنده المباشر في الفصل 19 بينما توفر الالتزامات الدولية إطاراً أوسع لفهم حق المرأة في المشاركة في الحياة السياسية والعامة وتولي المسؤوليات العامة على قدم المساواة مع الرجل.
في المحصلة، لا يكمن التحدي الحقيقي في إثبات أن المرأة قادرة قانوناً على الوصول إلى رئاسة الحكومة فقد حسمت الممارسة الدستورية هذه المسألة عمليا وإنما في مدى قدرة النظام السياسي والمؤسساتي على جعل هذا الوصول جزءا من ممارسة مستقرة لا ترتبط بكونها سابقة تاريخية، فالمساواة الدستورية تكتسب معناها الكامل عندما تتحول من إمكانية قانونية إلى ممارسة متكررة، ومن استثناء تاريخي إلى خيار مؤسساتي طبيعي تحكمه الكفاءة والاستحقاق.
أخيراً، يفتح هذا التعيين مرحلة جديدة في النقاش حول المساواة والمناصفة والمشاركة السياسية للمرأة في المغرب، وتكمن أهميته الأساسية في أنه ينقل النقاش من سؤال الإمكان القانوني إلى سؤال الممارسة المؤسسية: هل أصبح الوصول المتكافئ إلى مواقع القرار جزءا مستقرا من الثقافة الدستورية المغربية أم أن ترسيخه يحتاج إلى مزيد من الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية والسياسية؟