وجهة نظر

المنصوري رئيسة للحكومة.. من رمزية التعيين إلى اختبار النجاح

هناك لحظات في حياة الدول تتجاوز الأشخاص والأحزاب والنتائج الانتخابية لتصبح جزءاً من تاريخ البلد نفسه. وأعتقد أن تعيين الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة هو واحدة من هذه اللحظات. فلأول مرة في تاريخ المغرب تتولى امرأة رئاسة الجهاز التنفيذي، وتُكلَّف بتشكيل حكومة ستقود البلاد خلال ولاية كاملة حافلة بالاستحقاقات والانتظارات. وهي أيضاً محامية، خبرت القانون والعمل الجماعي والسياسة وتدبير الشأن المحلي والمسؤولية الحكومية والحزبية قبل أن تصل اليوم إلى أعلى مسؤولية تنفيذية في البلاد. لذلك لا ينبغي أن يمر هذا الحدث كما تمر التعيينات الحكومية العادية؛ فنحن أمام خطوة تحمل دلالة عميقة بالنسبة إلى المرأة المغربية، وبالنسبة إلى تطور التجربة السياسية والمؤسساتية للمملكة.

وقد جاء هذا التعيين منسجماً، من جهة، مع المقتضيات الدستورية، إذ نص البلاغ الملكي صراحة على تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري بمقتضى الفصل 47 من الدستور، ومن جهة أخرى مع مسار طويل جعل فيه جلالة الملك محمد السادس قضية المرأة ومكانتها داخل المجتمع والدولة من الأوراش الأساسية للإصلاح. فمن إصلاح مدونة الأسرة، إلى دستور 2011 وما كرسه من المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق ومن السعي إلى المناصفة، إلى الخطب والرسائل الملكية التي أكدت مراراً ضرورة دعم مشاركة المرأة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يمكن قراءة وصول امرأة اليوم إلى رئاسة الحكومة باعتباره محطة جديدة في مسار مؤسساتي امتد لأكثر من عقدين. وقد أكد جلالة الملك عند تقديم مشروع دستور 2011 تكريس المساواة بين النساء والرجال في مختلف الحقوق وإحداث آلية للنهوض بالمناصفة، كما أكد في مناسبات لاحقة الأهمية الخاصة للنهوض بأوضاع المرأة ودعم مشاركتها في مختلف المجالات. (Maroc)

ومن هنا أعتقد أن مسؤوليتنا اليوم، كمغاربة، هي أن ندرك أولاً قيمة ما حدث. يمكن أن نختلف مع الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري سياسياً، ويمكن أن نختلف مع حزبها وبرنامجه وتحالفاته، ويمكن أن تكون لنا ملاحظات وانتقادات حول الانتخابات وما رافق بعض محطاتها من منازعات وملاسنات وحوادث معزولة؛ وهذه كلها أمور مكانها الطبيعي المؤسسات والقانون والنقاش الديمقراطي. لكن بعد انتهاء الانتخابات وصدور النتائج وبدء مرحلة دستورية جديدة، توجد أمامنا حقيقة أكبر من هذه الخلافات: امرأة مغربية ستخوض لأول مرة امتحان قيادة حكومة المملكة المغربية.

ولهذا فإن نجاحها، في نظري، لن يكون نجاحاً لفاطمة الزهراء المنصوري وحدها، ولا لحزب الأصالة والمعاصرة وحده، ولن يكون انتصاراً لحساسية سياسية على أخرى. نجاحها سيكون، في أحد أهم أبعاده، نجاحاً للتجربة المغربية نفسها. سيكون نجاحاً لفكرة أن المرأة المغربية تستطيع أن تصل إلى أعلى درجات المسؤولية التنفيذية وأن تدبر شؤون الدولة وتقود الحكومة وتواجه أعقد الملفات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وسيكون رسالة إلى كل فتاة مغربية تجلس اليوم في قسمها بالمدرسة أو في مدرج الجامعة، وإلى كل امرأة تعمل في المحكمة أو المستشفى أو الإدارة أو المقاولة أو مكتب المحاماة، بأن سقف الطموح لم يعد محدداً سلفاً وأن رئاسة الحكومة نفسها أصبحت ممكنة.

ولذلك فإن دعم نجاح هذه التجربة لا ينبغي أن يفهم باعتباره تخلياً عن المعارضة أو النقد، ولا شيكاً على بياض لرئيسة الحكومة المقبلة. على العكس، ستحتاج التجربة إلى معارضة قوية ومؤسسات رقابية وصحافة ونقاش عمومي، وستحاسب الحكومة على برنامجها وقراراتها ونتائجها مثل كل حكومة. لكن هناك فرقاً بين أن نعارض سياسات حكومة وبين أن نرغب في فشل تجربة تاريخية. ومن واجب مختلف الحساسيات السياسية، أغلبية ومعارضة، أن تمنح هذه التجربة فرصة كاملة للنجاح، لأننا سنختلف غداً حول السياسات، أما أن تستطيع امرأة مغربية أن تنجح في قيادة الحكومة فذلك مكسب يتجاوز الجميع.

ومن هنا تحديداً أجد أن اللحظة تسمح بأن نذهب أبعد، وأن نطرح للنقاش فكرة حكومة وحدة وطنية أو ائتلاف وطني واسع يكون أحد مداخله إعطاء هذه التجربة التاريخية أكبر فرصة ممكنة للنجاح. ليس المقصود إلغاء المعارضة ولا جمع كل الأحزاب داخل الحكومة لمجرد جمعها، وإنما التفكير في صيغة تستطيع استحضار خصوصية المرحلة وتعبئة أكبر قدر ممكن من الكفاءات والطاقات والحساسيات حول أولويات وطنية واضحة. فالحكومة المقبلة لن تدبر خمس سنوات عادية؛ ستقود المغرب خلال مرحلة ثقيلة بالانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، وستواكب أوراشاً كبرى، وستصل بالبلاد إلى محطة 2030 بما تحمله من استحقاقات داخلية ودولية، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم.

وربما نحتاج، بعد كل ما عرفته الساحة السياسية من اختلافات ومنافسة ومنازعات خلال المرحلة الانتخابية، إلى الانتقال من زمن الانتخابات إلى زمن البناء. فالانتخابات بطبيعتها تفرق بين البرامج والمتنافسين، أما تدبير الدولة فيحتاج أيضاً إلى القدرة على إنتاج المشترك. وحكومة وحدة وطنية، إن توفرت شروطها، يمكن أن تكون تعبيراً عن هذا النضج: نختلف دون أن نهدم، نعارض دون أن نتمنى الفشل، ونحتفظ بتعددنا السياسي بينما نتفق على أن هناك تجارب واستحقاقات يكون نجاحها مكسباً للبلد كله.

والرهان الأكبر، في نهاية المطاف، ليس أن نقول إن المغرب عيّن أول امرأة رئيسة للحكومة؛ فهذا تحقق بالفعل. الرهان أن نستطيع، بعد خمس سنوات، تقييم التجربة على أساس ما حققته من نتائج، وأن يكون المجتمع المغربي قد تجاوز خلالها السؤال عما إذا كانت المرأة قادرة على قيادة الحكومة إلى سؤال أكثر طبيعية ونضجاً: ماذا أنجزت رئيسة الحكومة؟ عندها فقط يكون هذا التعيين قد تجاوز رمزيته وأصبح تحولاً حقيقياً في الثقافة السياسية والاجتماعية.

قد تكون لنا منذ الآن ملاحظات، وقد تظهر غداً أخطاء ونواقص تستحق النقد، وهذا طبيعي في كل تجربة سياسية. لكن التجارب الكبرى لا تنضج إلا عندما نمنحها فرصة النجاح ونصحح نواقصها ونراكم عليها. لذلك أرى أن اللحظة تستحق منا شيئاً أكبر من الاصطفاف الحزبي: أن نلتف، باختلاف مواقعنا وحساسياتنا، حول نجاح أول تجربة تقود فيها امرأة الحكومة المغربية؛ وأن نفكر، إن سمحت الشروط السياسية بذلك، في ائتلاف وطني واسع يمنحها قوة الانطلاق ويجمع أفضل ما يستطيع المغرب تقديمه من كفاءات.

فنجاح فاطمة الزهراء المنصوري سيظل خاضعاً، مثل نجاح أي رئيس حكومة، للحكم على حصيلتها واختياراتها. لكن نجاح تجربة المرأة المغربية في رئاسة الحكومة يحمل معنى أبعد من الأشخاص. وإذا نجحت التجربة اليوم، فإن الانتصار الحقيقي سيكون حين تأتي غداً امرأة أخرى إلى رئاسة الحكومة فلا نسأل كيف استطاعت امرأة أن تصل، ولا نعتبر تعيينها حدثاً استثنائياً، بل نتعامل معها ببساطة باعتبارها مواطنة مغربية وصلت إلى المسؤولية بالكفاءة والشرعية الديمقراطية. تلك، ربما، ستكون أجمل نتيجة لهذه اللحظة التاريخية.