وجهة نظر

حكومة المنصوري.. المونديال في المدن والامتحان في القرى

تصل فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة في مرحلة سياسية وتنموية دقيقة، تتزامن مع الاستعداد لمونديال 2030 واستمرار أوراش كبرى في البنية التحتية والنقل والسياحة والتجهيز. ولكن خلف صورة المدن التي ستحتضن الملاعب والمطارات والاستثمارات الكبرى، يوجد مغرب آخر ينتظر نصيبه من التحول: مغرب القرى والمداشر والمناطق الجبلية التي ما زالت تواجه صعوبات في الطرق والخدمات الصحية والتعليمية والنقل والتعمير والإدارة. ولذلك فإن قيمة المرحلة الجديدة لن تحددها فقط قدرة الحكومة على تدبير الأوراش الكبرى، بل أيضاً قدرتها على جعل التنمية محسوسة خارج المراكز الحضرية.

المنصوري تدخل هذه المرحلة وهي تعرف جانباً من هذه الملفات من خلال تجربتها السابقة في التعمير والإسكان وإعداد التراب، خصوصاً في ما يتعلق بالعالم القروي وتبسيط مساطر البناء. لكن انتقالها إلى رئاسة الحكومة يجعل القضية أكبر من كونه إصلاح إداري أو برنامج قطاعي، لأن واقع القرى مرتبط بمنظومة متكاملة: طريق تسهل الوصول إلى السوق والمستشفى والمدرسة، وخدمات صحية منتظمة، ونقل ملائم، وإدارة لا تجعل المواطن يقطع مسافات طويلة من أجل وثيقة أو رخصة، إلى جانب شروط تسمح للسكان بالبناء والاستثمار داخل مناطقهم القروية.

فالتعقيد الإداري في القرى ليس مشكلة تقنية فقط. عندما يجد المواطن نفسه عاجزا عن الحصول على رخصة بناء أو تسوية وضعية عقارية بسبب مساطر طويلة ومعقدة، في منطقة تفتقر أصلاً إلى بعض الخدمات الأساسية (البنية التحتية …الماء …الكهرباء …) فإن ذلك يمكن أن يصبح واحداً من العوامل التي تشجع على مغادرة القرية والمدشر نحو المدينة. ومع تراكم هذه العوامل، تتحول الهجرة من اختيار شخصي إلى نتيجة لضيق شروط العيش. وهذا لا يخدم الدولة على المدى البعيد، لأن إفراغ بعض المناطق من سكانها يضعف اقتصادها المحلي ويزيد الضغط على المدن، كما يخل بالتوازن البشري والجغرافي للمجال الوطني. الحفاظ على سكان القرى لا يعني منعهم من الانتقال، بل توفير شروط تجعل البقاء والاستقرار خياراً قابلاً للحياة.

والعالم القروي يحمل إمكانات اقتصادية مهمة في الفلاحة وتربية الماشية والصناعات الغذائية والسياحة القروية والتعاونيات وغيرها من الأنشطة. لكن هذه الإمكانات تحتاج إلى بنية تحتية ومساطر واضحة وربط بالأسواق وتمويل واستثمار حتى تتحول إلى ثروة وفرص عمل. ومن هنا فإن الطريق القروية، والمركز الصحي، وتبسيط رخص البناء، والنقل، والإنترنت، ليست ملفات منفصلة، بل عناصر مترابطة في معادلة واحدة عنوانها جعل المجال القروي قابلاً للحياة والإنتاج.

وفي الوقت نفسه، لا تبدأ حكومة المنصوري من الصفر. فهناك أوراش وبرامج أطلقت قبل وصولها، وبعضها يمتد لسنوات، وبالتالي فإن استمرارها في تنفيذ جزء منها سيكون أمراً طبيعياً. التحدي الحقيقي سيكون في معرفة ما إذا كانت ستكتفي بمواصلة المسار أم ستعيد ترتيب أولوياته وفقاً للاختلالات التي ما زالت قائمة. الاستمرارية ضرورية في المشاريع الاستراتيجية، لكنها لا تعني الجمود في المقابل والحكومة الجديدة تستطيع أن تغير الاتجاه داخل المسار نفسه من خلال توزيع أفضل للاستثمار وتسريع المشاريع المتعثرة وإعطاء الأولوية للمناطق التي ما زالت تعاني من نقص واضح في الخدمات.

أما مونديال 2030، فلا ينبغي أن يتحول إلى عنوان منفصل عن هذه المعادلة. فالاستثمارات المرتبطة بالحدث ستكون ضخمة، وستتركز بطبيعة الحال بدرجات مختلفة في المدن والمناطق التي ستحتضن المباريات والمنشآت المرتبطة بها. لكن القيمة التنموية ستظهر في مدى امتداد آثار هذه الاستثمارات إلى باقي المجالات. فالطريق التي تربط مدينة بمحيطها القروي، وشبكة النقل التي تفتح الأسواق أمام المنتجين، والمرافق الصحية والتعليمية التي تستفيد من توسع البنية التحتية، كلها تجعل من المونديال رافعة تتجاوز موعد البطولة. أما إذا بقيت فوائده الأساسية محصورة في المدن والمنشآت المرتبطة مباشرة بالحدث، فسيظل جزء مهم من المغرب بعيداً عن هذه الدينامية.

لهذا فإن وصف الحكومة المقبلة بأنها «حكومة المونديال» قد يكون صحيحاً من زاوية الاستحقاق الدولي الذي ستدبره، لكنه لن يكون كافياً لوصف مهمتها. فالمغرب الذي سيستقبل العالم سنة 2030 هو نفسه المغرب الذي يعيش فيه سكان الدواوير والقرى والمناطق الجبلية. ولا يمكن أن تكون صورة البلاد في الخارج منفصلة عن واقع المواطنين في الداخل. النجاح في تنظيم حدث عالمي يمكن أن يكون عنواناً للمرحلة، لكن النجاح التنموي ينقط بمدى قدرة الدولة على تحويل الاستثمارات والأوراش إلى تحسين فعلي في حياة الناس.

ومن هنا سيكون الامتحان الحقيقي لحكومة المنصوري في القرى أكثر منه في المدن. فالمدينة ستظهر فيها المشاريع الكبرى بوضوح، بينما ستظهر نتائج السياسة الحكومية في القرية من خلال تفاصيل أكثر بساطة وأشد تأثيراً: طريق سالكة، مدرسة تعمل جيداً، طبيب حاضر، نقل متوفر، إدارة قريبة، ورخصة بناء لا تتحول إلى معركة بيروقراطية. هذه التفاصيل هي التي تحدد ما إذا كان المواطن قادراً على الاستقرار في مجاله أو مضطراً إلى الرحيل.

وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بأن تكون حكومة المنصوري قروية أو حضرية، ولا بأن تقطع مع كل ما سبقها، وإنما بأن تعطي للتنمية الوطنية توازناً أكبر. يمكن للمغرب أن يواصل بناء المدن والمطارات والملاعب والطرق الكبرى، وفي الوقت نفسه يجعل هذه الاستثمارات تخدم المجالات التي تقع خارج دائرة الضوء. عندها فقط يمكن أن يصبح مونديال 2030 أكثر من حدث رياضي واستثماري؛ يمكن أن يكون فرصة لتقوية مغرب متوازن، لا تكون فيه القرية مجرد مصدر للأصوات أو اليد العاملة أو المنتجات، وإنما مجالاً حياً للاستقرار والإنتاج والتنمية.

وهنا تحديداً سيكون الحكم على المرحلة الجديدة: ليس بما ستقوله الحكومة عن القرى، وإنما بما ستتركه فيها من طرق ومدارس وخدمات وفرص، وبما إذا كان المواطن سيجد سبباً للبقاء في مدشره بدل أن يجد نفسه مضطراً إلى الرحيل بحثاً عن حياة أفضل وكل هدا مقابل الأصوات التي حصدها حزبها من القرى وجعله في المرتبة الاولى واعطى له صاحب الجلالة مفاتيح ابواب الحكومة للدخول اليها وتشكيلها وبناءها حسب السياق المفروض الدي سيفرضه الواقع …