الدكتور عبد الرحيم خالص
وجهة نظر

بَين مُخرجات النتائج ومُمكنات التحالف: ما الذي تغير بين تشريعيات 2021 و2026؟

انتهى اقتراع 23 شتنبر 2026، لكن السؤال الانتخابي لم ينته بعد. بل، إن انتهاء عملية الاقتراع وإعلان النتائج النهائية يفتح، في نظري، مرحلة ثانية لا تقل أهمية عن يوم التصويت نفسه: وهي مرحلة تفسير ما أفرزته صناديق الاقتراع ثم محاولة فهم الكيفية التي يمكن أن تتحول بها الخريطة البرلمانية الجديدة إلى أغلبية حكومية. إذن السؤال الذي يمكن أن نطرحه -وبإلحاح- هو: ما الذي تغير بين النتائج التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 ونتائج انتخابات 8 شتنبر 2021؟ وبتعبير أدق: ما الثابت والمتغير بين 2021 و2026؟

إن أهمية المقارنة بين تشريعيات 2021 وتشريعيات 2026، لا تكمن في البحث عن أفضل الانتخابات، ولا في تحويل الأرقام إلى أحكام سياسية جاهزة، وإنما في قياس التحول داخل ثلاثة مستويات مترابطة: حجم المشاركة وتوزيع القوة البرلمانية ثم القدرة على إنتاج أغلبية منسجمة وقابلة لتشكيل الحكومة الثانية عشر في تاريخ المغرب برئاسة منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، بعد تعيينها بتاريخ 30 شتنبر 2026 من طرف الملك محمد السادس.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المقارنة لا تكتسب قيمتها من مجرد وضع رقم انتخابي مقابل رقم انتخابي آخر، وإنما من قدرتها على الكشف عن العلاقة بين الثابت والمتحول داخل الخريطة السياسية المغربية الجديدة. فالثابت، لا يعني بالضرورة الجمود، كما أن المتحول لا يعني بالضرورة القطيعة. فقد تظل البنية الحزبية نفسها حاضرة؛ بينما، تتغير مواقع القوة داخلها. وقد تتغير نسب المشاركة دون أن يترتب عن ذلك، بصورة آلية، أيّ تغيير مماثل في طبيعة التمثيل النيابي البرلماني. ومن ثم، فإن قراءة تشريعيات 2026 تقتضي، في نظرنا، التمييز بين ما استمر من خصائص المشهد الانتخابي، وما تغير في موازين القوى، ثم بين النتائج العددية ومآلاتها المؤسساتية.

ومن هنا، يمكننا اختزال الإشكال الذي يحكم قراءتنا هذه، في الأسئلة الآتية: ما الذي بقي ثابتا بين الاستحقاقين الانتخابيين (2021-2026)؟ وما الذي تغير بين تشريعيات 2021 وتشريعيات 2026؟ ثم كيف انعكس ذلك، اليوم، على ممكنات تشكيل الحكومة المغربية؟

أولا: في الطريق إلى تشكيل الحكومة: قراءة في النتائج النيابية ودلالاتها البرلمانية

لا يمكن فهم دلالات تشريعيات 2026 قبل تثبيت صورتها العددية (الأرقام) ومقارنتها بصورة تشريعيات 2021. لذلك، سنبدأ بقراءة النتائج من حيث الترتيب وعدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب على حدة، مع استحضار مستوى المشاركة الانتخابية، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من السياق الذي أنتج الخريطة البرلمانية النيابية الجديدة. فالأرقام، هنا، ليست مجرد معطيات وصفية، وإنما هي المدخل الضروري لتحديد اتجاهات التحول داخل توزيع القوة الحزبية.

غير أن قراءة النتائج لا تكتمل بمجرد تسجيل الزيادة أو النقصان في عدد المقاعد، لأن الرقم الانتخابي يحتاج إلى تفسير في ضوء موقع الحزب داخل الخريطة السياسية العامة، وترتيبه مقارنة بالاستحقاق السابق، ثم حجم المشاركة التي أفرزت تلك الخريطة. لذلك، سننتقل من مستوى النتائج إلى مستوى دلالاتها، للبحث في حدود الاستمرار وحدود التغير: هل نحن أمام تغير في بنية المشهد السياسي الحزبي أم أمام إعادة توزيع للقوة داخله؟ وما الذي تكشفه هذه التحولات عن طبيعة المرحلة السياسية الجديدة؟

قراءة في النتائج والترتيب الحزبي على أساس مقاعد مجلس النواب

إذا اعتمدنا مجلس النواب في تركيبته الحالية البالغ عددها 395 مقعدا، فإن نتائج 2026 النهائية جاءت على النحو الآتي: حزب الأصالة والمعاصرة 97 مقعدا، حزب التجمع الوطني للأحرار 66، حزب الاستقلال 65، حزب العدالة والتنمية 54، حزب الحركة الشعبية 29، حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 26، حزب التقدم والاشتراكية 19، حزب الاتحاد الدستوري 17، حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية 8، تحالف اليسار 8، حزب جبهة القوى الديمقراطية مقعدان (2)، حزب الإنصاف مقعدان (2)، الديمقراطيون الجدد مقعد واحد (1)، وحزب الوحدة والديمقراطية مقعد واحد (1). ومجموع هذه المقاعد هو 395، بما يؤكد اكتمال الخريطة البرلمانية عدديا.

أما في 2021، فقد تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار بـ 102 مقعد، يليه حزب الأصالة والمعاصرة 87، ثم حزب الاستقلال 81، وحزب الاتحاد الاشتراكي 34، وحزب الحركة الشعبية 28، وحزب التقدم والاشتراكية 22، وحزب الاتحاد الدستوري 18، وحزب العدالة والتنمية 13، وحزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية 5، وحزب جبهة القوى الديمقراطية 3، وحزب المؤتمر الوطني الاتحادي بمقعد واحد (1)، ثم الحزب الاشتراكي الموحد بمقعد واحد (1) أيضا.

وتسمح المقارنة العددية المباشرة باستخلاص تحولات واضحة، حيث انتقل حزب الأصالة والمعاصرة من 87 إلى 97 مقعدا، أي بـ 10 مقاعد إضافية؛ بينما، انتقل التجمع الوطني للأحرار من 102 إلى 66، بضياع 36 مقعدا. وتراجع الاستقلال بـ 16 مقعدا، من 81 إلى 65؛ في حين، ارتفع عدد مقاعد حزب العدالة والتنمية من 13 إلى 54، بزيادة 41 مقعدا. كما تراجع الاتحاد الاشتراكي من 34 إلى 26 مقعدا، والتقدم والاشتراكية من 22 إلى 19 مقعدا؛ بينما، حافظت الحركة الشعبية -تقريبا- على حجمها البرلماني، بانتقالها من 28 إلى 29 مقعدا.

أما المشاركة، فقد بلغت نسبتها 38.08% سنة 2026 مقابل 50.86% سنة 2021، أي بانخفاض قدره 12.78 نقطة مئوية؛ مع العلم بأن استحقاقات 2021 قد جمعت الانتخابات التشريعية بالانتخابات الجهوية والجماعية. وقد أوضحت وزارة الداخلية أن الهيئة الناخبة الوطنية بلغت 15.8 مليون ناخبة وناخب، وأن عدد المشاركين اقترب من ستة ملايين مواطنة ومواطن.

دلالات النتائج المحصلة في إطار التسابق الحزبي نحو مجلس النواب

إن أول ما نستخلصه -على مستوى الدلالات- من هذه الأرقام هو أن انتخابات 2026 لم تغير من البنية الحزبية للمشهد السياسي المغربي بقدر ما أعادت توزيع القوة داخله فقط. فالأحزاب الأربعة التي احتلت المراتب الأولى في انتخابات 2021 ما زالت هي نفسها في مقدمة المشهد في تشريعيات 2026، لكن ترتيبها وأحجامها تغيرت بصورة ملموسة.

أما الدلالة الثانية فأن الصدارة أصبحت متغيرة. فبالعودة إلى سنة 2021 نجد حزب التجمع الوطني للأحرار هو الحزب الأول بـ 102 مقعد، بينما أصبح في 2026 في المرتبة الثانية بـ 66 مقعدا؛ في الوقت الذي انتقل فيه حزب الأصالة والمعاصرة من المرتبة الثانية إلى الأولى بـ 97 مقعدا. ولذلك فإن قراءة الصدارة باعتبارها وضعا دائما ستكون مخالفة للدرس الذي تقدمه المقارنة الزمنية نفسها.

أما التحول الأكثر وضوحا، في نظرنا، فهو عودة حزب العدالة والتنمية إلى موقع برلماني محترم نسبيا: من 13 مقعدا في 2021 إلى 54 في 2026. ولا أرى أن من المنهجي اختزال هذه الزيادة في تفسير واحد، لأن عدد المقاعد يخبرنا بحجم التحول في التمثيل ولا يخبرنا وحده بأسبابه. وتفسير هذه العودة، في نظرنا، يحتاج إلى تحليل الأصوات والدوائر والمرشحين والحملة والسلوك الانتخابي والسياق السياسي الممتد بين الاستحقاقين (على مدى خمس سنوات كاملة!).

كما أن انخفاض نسب المشاركة في الانتخابات بين الاستحقاقين، يستحق قراءة مستقلة. فالانتقال من 50.86% إلى 38.08% يعني أن الخريطة البرلمانية الجديدة قد تشكلت في سياق مشاركة أقل من النسبة المسجلة في استحقاقات 2021. وهذا لا يمس، في حد ذاته، بالنتائج القانونية المعلنة، لكنه يطرح سؤالا سياسيا وسوسيولوجيا حول اتساع قاعدة المشاركة السياسية في إنتاج التمثيل السياسي. ولذلك، من ناحية، أرى، شخصيا، أن الرقم الأهم مستقبلا ليس فقط في عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب؛ وإنما، أيضا، في حجم المواطنين الذين اختاروا عدم المشاركة (بالامتناع عن التصويت)، وأسباب ذلك، ثم أهم الفئات والمجالات التي يتركز فيها هذا الانسحاب النسبي إن صح التعبير.

ومن ناحية أخرى، لا ينبغي أن نخلط بين عدد المقاعد وبين الوزن السياسي النهائي للحزب. فالمقعد هو مخرج لنظام انتخابي ولتوزيع الأصوات داخل الدوائر؛ بينما، القوة الحكومية لا تتحدد بالصدارة وحدها، وإنما بامتلاك أغلبية برلمانية قادرة على دعم الحكومة وبرنامجها الاجتماعي، السياسي والاقتصادي.

ثانيا: من نتائج الاقتراع إلى سيناريوهات التحالفات الحزبية الممكنة لتشكيل الحكومة

إذا كانت نتائج الانتخابات تحدد مبدئيا موازين القوة داخل مجلس النواب، فإنها لا تنتج الحكومة بصورة تلقائية. فالانتقال من الخريطة الانتخابية إلى الخريطة الحكومية يمر عبر مقتضيات دستورية وحسابات برلمانية ومفاوضات سياسية، وهو ما يجعل مرحلة ما بعد إعلان النتائج امتدادا للعملية الانتخابية وليس مرحلة منفصلة عنها. وفي الحالة الراهنة، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن الحزب المتصدر لا يمتلك بمفرده الأغلبية المطلقة، بما يجعل تشكيل الحكومة مرتبطا بقدرة الرئيسة المعينة (فاطمة الزهراء المنصوري) على بناء تحالف يتجاوز عتبة 198 مقعدا.

لذلك، نميز في قراءة إمكانات تشكيل الحكومة بين مستويين متكاملين: الأول، يتعلق بالتركيبات التي يسمح بها الحساب البرلماني المجرد؛ والثاني، يتعلق بالتركيبات التي يمكن أن تصبح ممكنة سياسيا في ضوء مواقف الأحزاب وشروط التفاوض. وفي هذا السياق، تفرض وضعية حزب العدالة والتنمية، بعد إعلانه عدم المشاركة في الحكومة المقبلة، معالجة مستقلة للتركيبات الممكنة من دونه، مع الاحتفاظ بالتمييز الضروري بين الإمكان الحسابي والإمكان السياسي، لأن تجاوز عتبة الأغلبية لا يكفي وحده لإنتاج أغلبية حكومية منسجمة حاضرا وقابلة للاستمرار مستقبلا.

سيناريوهات التحالف الممكنة لتشكيل الحكومة من طرف حزب الأصالة والمعاصرة

هنا، ننتقل من قراءة نتائج الصناديق إلى قراءة مخرجات الصناديق بعد إعلان النتائج. فالفصل 47 من الدستور المغربي لسنة 2011 ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي حصل على المرتبة الأولى في انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها؛ وهو ما تم بتعيين منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، فاطمة الزهراء. كما يعين الملك، أيضا، أعضاء الحكومة باقتراح من رئيستها المعينة. وبالتالي، فإن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة بـ 97 مقعدا، يجعله –دستوريا- الحزب الذي يحق له بدء المفاوضات لتشكيل الحكومة الجديدة.

إلا أنه، تجدر الإشارة إلى أن تصدر الانتخابات لا يعني امتلاك الأغلبية نهائيا. فهذه الأخيرة، وبطابعها الاغلبي، في مجلس النواب تتطلب جمع 198 مقعدا. ومن ثم، فإن حزب الأصالة والمعاصرة، يحتاج إلى بناء تحالف حكومي يتجاوز هذا الحد (ولو بمقعد واحد).

حسابيا، يقدم الوضع البرلماني النيابي الجديد عدة سيناريوهات. فإذا اجتمع حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال، فإن مجموع المقاعد سيصل إلى 228، أي أغلبية مريحة نسبيا بفارق 30 مقعدا عن عتبة الأغلبية النيابية 198. وهذا السيناريو، يستند، كذلك، إلى أن الأحزاب الثلاثة التي كانت تشكل معا جوهر الأغلبية الحكومية في الولاية السابقة، وإن تغير ترتيبها وحجمها الانتخابي في تشريعيات 2026.

أما الجمع بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار وحزب العدالة والتنمية، فيمنح 217 مقعدا. ويتيح تحالف حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية 216 مقعدا.

ويمكن، من حيث الحساب البرلماني، بناء أغلبية جيدة بإضافة حزب الحركة الشعبية أو حزب الاتحاد الاشتراكي أو حزب التقدم والاشتراكية أو حزب الاتحاد الدستوري إلى أي تركيبة لا تبلغ 198 مقعدا. لكن الحساب الرياضي، لا يكفي وحده لبناء تحالف سياسي؛ فهناك عوامل أخرى تدخل في التفاوض، من التقارب في البرامج إلى توزيع المسؤوليات الحكومية، ومن الانسجام السياسي إلى قدرة الأغلبية على الاستمرار خلال الولاية التشريعية الحالية.

ومن هنا، يمكن أن نميز بين ثلاثة مستويات، تبعا للسيناريوهات الممكنة: أغلبية ممكنة حسابيا، وأغلبية ممكنة سياسيا، وأغلبية قابلة للاستمرار مؤسساتيا. وقد تتطابق هذه المستويات، لكنها ليست متطابقة بالضرورة.

التحالفات الممكنة لتشكيل الحكومة دون حزب العدالة والتنمية

حسب ما أعلنه المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية في اجتماعه الاستثنائي ليوم السبت 26 شتنبر 2026، فهذا الأخير لن يشارك في تشكيل الحكومة المقبلة وسيقف في صف المعرضة البرلمانية. إذن، فتشكيل الحكومة سيتم من دون مشاركة حزب العدالة والتنمية.

في هذه الحالة، أبرز تركيبة ثلاثية ممكنة دون حزب العدالة والتنمية هي تحالف حزب الأصالة والمعاصرة مع حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، بما مجموعه 228 مقعدا. وهي التركيبة الوحيدة من الأحزاب الثلاثة الأولى التي تتجاوز بمفردها عتبة الأغلبية المطلقة؛ مع العلم بأنها نفس التركيبة للحكومة المنتهية ولايتها بزعامة حزب التجمع الوطني للأحرار.

أما إذا لم يجتمع الحزبان الثاني والثالث معا، فإن الوصول إلى 198 يتطلب توسيع المشاورات لتشمل أحزابا أخرى. فعلى سبيل المثال، حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية وحزب الاتحاد الاشتراكي، لا يتجاوز 218 مقعدا؛ بينما، حزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال وحزب الحركة الشعبية وحزب الاتحاد الاشتراكي فيصل مجموع مقاعدهم إلى 217 مقعدا. وتبقى إمكانات أخرى قائمة بإدماج حزب التقدم والاشتراكية أو حزب الاتحاد الدستوري أو غيرهما، بحسب الصيغة السياسية التي يمكن أن تنتجها المفاوضات.

لكننا، في هذا الإطار، نتحفظ، هنا، عن تحويل هذه التركيبات الحسابية إلى توقعات نهائية أو قطعية. فالانتقال من عبارة “يمكن أن يتشكل” إلى عبارة “سيتشكل” يحتاج إلى معطيات سياسية لا توفرها النتائج الانتخابية وحدها، وخاصة مواقف القيادات الحزبية كما أعلن بعضها أو طبيعة المفاوضات وشروط المشاركة وما يتعلق بتوزيع الحقائب ثم البرنامج الحكومي.

كما أن قرار انسحاب حزب العدالة والتنمية من التحالف الحكومي، لا يعني استبعاده من المجال السياسي نهائيا. فقد حصل الحزب على 54 مقعدا وأصبح بذلك رقما برلمانيا لا يمكن تجاهله عند دراسة بنية المعارضة أو الأغلبية أو حتى مسألة التوازن داخل مجلس النواب.

ختاما، وفي نظرنا، تكشف المقارنة بين تشريعيات 2021 وتشريعيات 2026 أن الثابت والمتغير حاضران في الوقت نفسه، لكنهما لا يقعان في المستوى نفسه. فالثابت، يتمثل –أساسا- في استمرار التعددية الحزبية وتعدد مراكز القوة داخل مجلس النواب، وفي بقاء الأحزاب الرئيسية نفسها ضمن مقدمة المشهد السياسي المغربي؛ بينما، يتمثل المتغير في إعادة ترتيب هذه القوى الحزبية وفي أحجامها النيابية البرلمانية. فقد انتقل حزب الأصالة والمعاصرة من المرتبة الثانية إلى المرتبة الأولى، وتراجع حزب التجمع الوطني للأحرار من الصدارة إلى المرتبة الثانية، مع تراجع حزب الاستقلال بدوره، في مقابل عودة قوية لحزب العدالة والتنمية إلى مجلس النواب. كما تغير السياق الانتخابي نفسه، من حيث المشاركة، التي انتقلت من 50.86% سنة 2021 إلى 38.08% سنة 2026. وبالتالي، فإن ما تغير ليس فقط ترتيب الأحزاب السياسية؛ وإنما، أيضا، البيئة الانتخابية التي أنتجت التمثيل النيابي البرلماني الجديد.

أما على مستوى السؤال الرئيسي، أي: ماذا تغير في القدرة على الانتقال من نتائج الانتخابات إلى تشكيل الحكومة؟ فإن تشريعيات 2026 تؤكد أن الصدارة الانتخابية لا تساوي، بذاتها، أغلبية حكومية. فحزب الأصالة والمعاصرة، رغم تصدره بـ 97 مقعدا، يحتاج إلى تحالف يتجاوز عتبة 198 مقعدا، وهو ما يجعل مرحلة ما بعد النتائج، مرحلة مستقلة في منطقها السياسي والمؤسساتي: بعد تعيين رئيسة الحكومة، بناء الأغلبية، التفاوض حول البرنامج وتوزيع المسؤوليات ثم محاولة نيل ثقة مجلس النواب والحفاظ على انسجام الأغلبية خلال السنوات الخمس للولاية.

وإذا كان قرار العدالة والتنمية بعدم المشاركة في الحكومة يغير بعض الحسابات؛ فإن الخريطة الجديدة، تظل مفتوحة على تفاوض حزبي لا تحسمه الأرقام وحدها. لذلك، فإن الجواب عن سؤال “ما الذي تغير؟”، في نظرنا، هو أن الانتخابات غيرت موازين القوة وترتيبها؛ بينما، أبقت قواعد الانتقال، من التمثيل الانتخابي إلى الحكومة، قائمة؛ ومن هنا، يبدأ الاختبار الحقيقي لتشريعيات 2026، في نظرنا، عند إعلان النتائج كما عند قدرة هذه الخريطة الانتخابية الجديدة على إنتاج أغلبية حكومية ثم تحويلها إلى أداء مؤسساتي مستقر مستقبلا. وهذا، هو ما يجب أن يكون الرهان الحاضر عند حزب الأصالة والمعاصرة، والرهان المستقبلي من خلال بناء تحالفات قوية من طرف المنسقة المعينة، من طرف جلالة الملك، فاطمة الزهراء المنصوري.