بمناسبة الدورة السادسة لمهرجان الفيلم القصير بمراكش، التي يترأس فيها الفنان رشيد الوالي لجنة التحكيم، يقارب في حوار مع “العمق” مستوى الأعمال المشاركة والمعايير التي يعتمدها أعضاء اللجنة في تقييمها، كما يكشف أسباب تراجع حضوره في الأعمال التلفزيونية، ويتوقف عند جديده الفني والمشاريع التي يشتغل عليها.
ويستعيد الوالي في هذا الحوار الجدل الذي رافق تصريحاته بشأن ضرورة أن يسعى الشباب ويجتهدوا وألا يعلقوا مستقبلهم بالكامل على الحكومة والمسؤولين، موضحا موقفه من الانتقادات التي وجهت إليه، ومن تدوينة الفنانة فاطمة وشاي التي جاءت ردا على تصريحاته.
كما تحدث الوالي عن موقفه من دخول الفنان إلى المجال السياسي، والانتقادات التي يتعرض لها بسبب آرائه، ويوجه رسالة إلى المغاربة، قبل أن يعبر عن رأيه في تعيين فاطمة الزهراء المنصوري أول رئيسة للحكومة وانتظاراته من المرحلة المقبلة.
بصفتك رئيسا للجنة تحكيم الدورة السادسة لمهرجان الفيلم القصير بمراكش، ما رأيك في مستوى الأعمال المشاركة في هذه الدورة؟
بما أن المهرجان لم ينته بعد، يصعب أن أقدم تقييما نهائيا للأعمال، لكن في المجمل هناك أعمال تنم عن إرادة كبيرة لدى الشباب من أجل تحقيق شيء، في ظل غياب التشجيع والمنتجين الذين يمكن أن يساعدوهم، وأحيانا أيضا غياب التوجيه.
وهذا من بين الأمور التي جعلتني أرغب في المشاركة في هذا المهرجان والحضور ضمن لجنة التحكيم، لأنه لا يمنح فقط مساحة للشباب، ولا يكتفي بمنح جائزة للمخرج، بل يمنحه الطريق، وهذا ما يحتاجه الشباب عندما تكون لديهم رغبة في إيصال أعمالهم إلى الجمهور.
ما المعايير التي تعتمدونها في تقييم الأعمال المشاركة؟
هناك مجموعة من المعايير التي نعتمدها كلجنة، وقد تختلف من مهرجان إلى آخر. لكن ما يهمني شخصيا، خصوصا في هذا المهرجان الذي يشارك فيه شباب، هو الكتابة والاشتغال الجدي على الفكرة.
التقنية مهمة، لكن ما يهمني أكثر هو لماذا أنجز هذا الشاب هذا الفيلم؟ وما رؤيته؟ أشعر بالسعادة عندما أجد شخصا قد تكون لديه إمكانيات تقنية محدودة، لكنه يمتلك رؤية واضحة ويريد إيصالها، خصوصا إذا تمكن من التعبير عنها في مدة قصيرة.
ومن المعايير المهمة بالنسبة إلي أيضا أن تكون الفكرة أصلية وألا تكون مأخوذة من أعمال أخرى. اليوم يمكن أن نشاهد أفلاما ونأخذ من هنا ومن هناك، لكن ما أشجعه هو أن يعتمد الإنسان على نفسه، وأن يشاهد الأعمال والمشاركات بشكل جيد، ثم يقول: هذه رؤيتي أنا.
وأشجع الشباب كثيرا على أن تكون لهم بصمتهم الخاصة، حتى وإن كانوا في بداية الطريق.
على مستوى أعمالك الفنية، ما سبب قلة ظهورك في الأعمال التلفزيونية، هل الأمر يتعلق باختيار منك أم بتغييب؟
أعتقد أن الأمر طبيعي، هناك جيل يأتي وجيل يذهب، وهناك تطور في الأعمال والمواضيع والقصص، وأحيانا تكون هناك قصص لا أجد نفسي داخلها ولا يكون فيها الدور المناسب لي.
عندما نتحدث عن أعمال تتناول المرأة، نجد في الغالب أن الأدوار تكون للممثلات، وعندما نتحدث عن الأطفال تكون الأعمال موجهة إليهم، وعندما نتحدث عن الشباب تكون أدوارنا في كثير من الأحيان محدودة.
إذا لم يكن هناك مخرج أو عمل رأى فيك منذ البداية شيئا وركز عليك، كما وقع في الماضي لا يموت، فلا أعتقد أن الإنسان يجب أن يبقى موجودا فقط من أجل أن يكون موجودا. الحمد لله، تجاوزنا مرحلة أن يقبل الإنسان بأي عمل فقط من”طرف ديال الخبز”.
إذا وجدت العمل الجيد الذي يثيرني ويحرك في داخلي ذلك الشغف الذي يتغير مع الوقت، فأنا مستعد له، لأنني بدأت أرى الواقع بشكل مختلف، وأبحث عن الجوهر الذي ربما لا نتحدث عنه كثيرا.
أحيانا أجد نوعا من السطحية وموجة من المواضيع التي نسير معها لأنها تلامس الناس، وهذا حقهم بطبيعة الحال، لكنني أنتظر العمل الذي يستفز في داخلي شيئا، وأعتقد أن هناك أعمالا ستخرج مستقبلا إن شاء الله.
ما هو جديدك الفني؟
هناك عمل مع هشام الجباري بعنوان “حبيبتي حتى الموت”، بمشاركة مجموعة من الممثلين، وكنت سعيدا بالمشاركة فيه.
والعام الماضي عدت إلى الجمهور من خلال السلسلة البوليسية “K1″، التي جسدت فيها دور عميد إقليمي، وكان شرطيا، لكن بطريقة كوميدية. هذا النوع من التزاوج بين الشخصيات يعجبني وأرتاح له.
وحاليا هناك تفكير مع خديجة العلمي ونور الدين الخماري في الجزء الثاني، وليس فقط التفكير، وإنما الأهم هو إيجاد الميزانية الحقيقية لإنجاز الجزء الثاني، وإلا فلا داعي لذلك.
تعبر أحيانا عن آرائك بشأن قضايا اجتماعية وسياسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. هل تدعم حزبا سياسيا معينا؟
لا، أنا أدعم أي شخص يعمل ويخدم البلاد ويقوم بذلك بنية حسنة.
نحن نعرف أن هناك إكراهات، ومهما كانت النية جيدة، فهناك أشياء تتجاوز إرادة الإنسان. أنا شخصيا لدي أفكار وطموح، وسبق أن فكرت في ممارسة السياسة وقلت لماذا لا أصل إليها، لكنني أعرف أن الأمر ليس بيدي وحدي، وهناك أشياء أخرى تتجاوز إرادتك.
لذلك أقول أحيانا: على الأقل افعلوا شيئا أو ابذلوا مجهودا. إذا وفقتم فلكم الأجر، وإذا لم توفقوا فعلى الأقل سيبقى الاحترام لمن قاتل من أجل إيصال صوت الناس ومحاولة حل بعض المشاكل.
تصريحاتك بشأن ضرورة أن يسعى الشباب وألا يعلقوا فشلهم بالكامل على المسؤولين أثارت جدلا واسعا، كيف تابعت هذا التفاعل؟
من حق أي شخص مسه شيء أو أثرت فيه قضية معينة أن يعبر عن رأيه، لكن الناس اليوم أصبح الأمر سهلا بالنسبة إليها، إذا اختلفت في الرأي معي أو اختلفت معك، يمكن أن تتحول المسألة إلى عداوة.
أحيانا أشعر أن الحوار لم يعد موجودا، أو أن البعض يبحث عن “البوز”. قد يكون الشخص فهم ما تريد قوله، لكنه يريد مهاجمتك لأن كلما تحدث عنك حصل على مزيد من التفاعل.
من يتابع حسابي على “إنستغرام” سيجد أنني حاضر في قضايا كثيرة، وتحدثت عن التعليم والمدارس والتوقيت وغيرها من المواضيع، وكنت دائما إلى جانب المواطن، وحتى في هذه القضية أنا مع المواطن.
عندما أتحدث مع أحد أفراد عائلتي وأقول له: تعلم شيئا، أنت لم تذهب للدراسة، تعلم، ربما تصبح معلما يوما ما، فيقول لي: لا، أريد أن أصبح معلما مباشرة. هنا أقول إن الخلل موجود. يجب أن يبدأ الإنسان خطوة خطوة.
أنا أعتبر نفسي أبا لمجموعة من الناس، وأحب المغرب وأحب أبناء بلدي ولا أريد لهم إلا الخير. أحيانا هناك خطابات شعبوية، مثل تلك التي نسمعها في الانتخابات، يقول الناس “نعم” ثم يتم خذلانهم. وقد يقول لك شخص: “والله تحدث بصراحة”، لكنني في هذا الموضوع أردت فقط أن أقول إن مسؤولية الحكومة موجودة بطبيعة الحال، ومن واجبها أن تستمع إلى الناس وأن تحقق آمال الشباب الذين درسوا ولديهم طموح.
ومن المؤسف أن يفكر شاب في الهجرة لأنه لم يجد فرصته، لكنني أقول لهذا الشاب: لا توقف حياتك بالكامل على الحكومة واختياراتها. أنت اليوم في العشرين، وبعد سنوات قد تأتي حكومة أخرى ويصبح عمرك 25 سنة، وهكذا. إذا بقيت دائما تلقي المسؤولية على الآخرين، فلن تصل إلى نتيجة.
وأعتذر إذا خانتني التعابير أو لم أجد الكلمات المناسبة، لكنني لا أعتذر عن الفكرة. الإنسان يجب ألا يضيع حقه، لكن عليه أيضا أن يعمل ويجتهد بشكل أكبر. والله يحسن العون بمن تألموا وحاولوا وأقاموا مشاريع ولم يوفقوا في هذه البلاد.
هل قرأت تدوينة الفنانة فاطمة وشاي التي ردت فيها على تصريحاتك؟ وهل أزعجك ما كتبته؟
لا، لم أقرأها، ولا أفضل أن أقرأ مثل هذه الأشياء. أنا لا أجد طبيبا يعيّر طبيبا، ولا محاميا يدخل في مواجهة مع محام.
هناك احترام يجب أن يبقى، وأحيانا أقول إنني أفهم الانتخابات، فالإنسان يحتاج إلى الأصوات ويقول: أنتم انتقدتم هذا، أنا معكم، وهذا سهل.
لكن الاحترام والتقدير يجب أن يبقيا، وفاطمة وشاي أذكى من أن تسقط في مثل هذه الأمور، أنا أحترمها وسأبقى أحترمها، وأتمنى لها التوفيق في مجالها.
هل ينبغي للفنان أن يدخل مجال السياسة، أم أن ذلك قد يجعله يخسر جزءا من جمهوره؟
بالنسبة إلي، هي مخاطرة. عندما تكون ملكا للناس جميعا، قد يكون من المغري أن تقول: لدي تأثير معين، لماذا لا أشارك؟ وقد يكون لدى الإنسان طموح في هذا الاتجاه.
لكنني أعتقد أن اللعبة في كثير من الأحيان أكبر من أن تدخلها وأنت تعتقد أن لديك عصا سحرية، أتمنى التوفيق للجميع.
بعض منتقديك يردون عليك بأسلوب مسيء، هل يجرحك ذلك أم أصبحت لديك مناعة؟
طبعا. ما يجري عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أعتقد أنه مرتبط بالمال، فلو لم يكن ذلك لما بحث الناس عن التفاعل بالطريقة التي يقومون بها.
إذا كنت تخالفني الرأي، تعال وقل رأيك، فهذا حقك. لكن ليس من حقك أن تنتظر شخصا يعمل ويخطئ، ثم تبدأ في القول: ها هو أخطأ، ها هو أخطأ. أعتقد أن هذا أصبح سهلا.
ولذلك لا يضرني هذا الأمر، أولا لأنني لا أقرأ، وثانيا لأن الأمر يسيء أحيانا إلى المحيطين بي، لكن الحمد لله حتى هم أصبح لديهم مناعة.
يمكن العودة إلى تاريخي وأعمالي ومواقفي، وستجد أنها ثابتة في الدفاع عن كرامة الناس وحقوقهم، وأنا أفتخر بأنني واحد من الممثلين الذين أصبح عملهم يدرس في الكتب المدرسية، من خلال شخصية “علال القلدة”، وما يتصل بالجهاد والكفاح والظلم الذي يمكن أن يتعرض له الإنسان.
هذا يكفيني. أما أن يأتي شخص ويريد أن يصعد على ظهري من أجل “البوز”، فلا يهمني ذلك.
ما الرسالة التي توجهها إلى المغاربة بناء على تجربتك في الحياة؟
أحاول دائما أن أقولها بصدق: العمل والطموح، وأن يحلم الإنسان، لكن عليه أن يستيقظ أيضا، لأن تحقيق الحلم يحتاج إلى أن تستيقظ وتعمل من أجله.
هناك من يحلم ويبقى نائما، ويعيش داخل حلمه وينتظر أن يجد كل شيء جاهزا أمامه.
يعجبني مثال الوادي، عندما أتحدث مع أبنائي، أقول لهم: انظروا إلى الوادي، الماء ينزل من الجبل، لكنه يظل متعرجا، كلما وجد حاجزا صعبا حاول تجاوزه، وفي النهاية يصل إلى وجهته. قد تطول المسافة، لكن جريانه يستمر ويصل.
لا نريد فقط البكاء والشكوى، من الجيد أن يسمع الإنسان صوته، ولدينا برلمانيون ومسؤولون يجب أن يسمعوا صوتنا، لكن علينا أيضا أن نعمل وننتظر الفرج من الله ونطالب بحقوقنا.
كيف تنظر إلى تعيين المنصوري أول رئيسة للحكومة، وما انتظاراتك منها؟
بصراحة، كنت أنتظر أن تكون هي، لأنه لا معنى، في نظري، لأن تأتي امرأة في مقدمة نتائج الانتخابات ولا يتم انتخابها. أرى أن الأمر مغامرة صعبة، خصوصا في هذا الوقت، وفي ظل توجه الدولة نحو منح المرأة مكانتها ونسبة أكبر من الحضور في الوزارات والبرلمان.
إذا تحدثنا عن الرجال، فالرجال حصلوا على فرصهم، ويمكن انتقادهم. لذلك، حتى إذا لم تكن في مستوى الانتظارات التي ينتظرها الجميع، لأنه ستكون هناك انتظارات، لأن هناك مشاكل كبرى، لكنني أتمنى لها من قلبي التوفيق.
أنا شخصيا، في كثير من الأعمال السينمائية، أعمل مع الرجال، لكن هناك مناصب لا يعمل فيها إلا النساء. لماذا؟ لأنني أعتقد أن المرأة تعمل بجدية كبيرة، وأنها تتحمل مسؤوليتها، وتبقى مستيقظة من أجل أن تقوم بعملها، وقد تبكي إذا لم تحقق ما كانت تريده.
أتمنى أن تكون هذه الحماسة وهذه الإرادة حاضرتين، لأن كل ذلك سيكون فيه الخير للبلاد. وفي النهاية، سواء كان الرجل أو المرأة، فنحن متساوون.