هذه النظرة الدونية إلى البادية، أو “البلاد – تمازيرت” وتحميلها كل الشرور المرتبطة بنتائج الانتخابات وعودة “الفراقشية”، هي في تقديري نظرة ضيقة لا تستوعب معنى البادية والقرية والهامش، ولا تدرك تعقيدات العلاقة التي تربط هذه المجالات بالفعل السياسي والانتخابي.
وفي هذا السياق، وانطلاقاً من تجربة ثلاث انتخابات تشريعية عشتها عن قرب من خلال المشاركة في حملات انتخابية سواء متطوع او متعاقد مع مكتب تواصل مكلف بالحملات الانتخابية خلال انتخابات 08 شتنبر 2021،
ومن خلال هذه التجربة الرابعة التي أُتيحت لي خلالها فرصة الاشتغال من زاوية الملاحظ الميداني، في إطار مهمة جمعت بين منتدى الزهراء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، أسجل الملاحظات التالية:
أولاً: ينبغي التمييز بين البادية المغربية وعدم التعامل معها باعتبارها مجالاً متجانساً. فالبادية في الصحراء ليست هي البادية في الجنوب الشرقي، وجبال الأطلس كما أن بادية مجال الواحات تختلف عن بادية أزمور ودكالة أو بوادِي الشمال وغيرها. ولكل مجال خصائصه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما تختلف أنماط علاقته بالسلطة وبالانتخابات وبالفاعلين السياسيين.
ثانياً: من خلال ملاحظتي الميدانية، يبدو أن تصويت أهل البادية يتسم، في جانب منه، بنوع من العقلانية والبراغماتية، وإن كانت هذه العقلانية ذات أفق قصير في كثير من الأحيان. فأهل البادية لا يثقون كثيراً في الوعود الانتخابية المجردة، ولذلك يميل جزء منهم إلى النظر في النتائج المباشرة والملموسة: ماذا سيستفيد الفرد أو الدوار أو الجماعة من هذا المرشح؟ وما الذي يمكن أن يتغير فعلياً في حياته اليومية وهو أمامهم فهم يعرفون انه بمجرد ان يختفي من أمامهم لن تراه أعينهم مجددا؟
وهذا لا يعني اختزال الناخب القروي في المصلحة المادية المباشرة، وإنما يعني أن التجربة المتراكمة جعلته أكثر حذراً تجاه الوعود السياسية، وأكثر ميلاً إلى تقييم الفعل السياسي من خلال نتائجه الملموسة الآنية.
ثالثاً: من يستطيع إقناع أهل البادية هو في الغالب من يكون أقرب إلى معاشهم اليومي وهمومهم المباشرة. وللأسف تبدو كثير من الأحزاب الجادة اليوم منفصلة عن هذا الهامش، لأن معظم أطرها وقياداتها نشأت وترعرعت مهنياً واجتماعياً في المدن (طبقة متوسطة)، باستثناء عدد محدود منها ظل مرتبطاً بالمجال القروي. وبذلك تترك الساحة السياسية فارغة أمام فئة من الأعيان المحليين الذين يعيشون في البوادي والمراكز الهامشية، ويملكون معرفة دقيقة بشبكات العلاقات الاجتماعية وبالحاجات اليومية للسكان، وهو ما يمنحهم قدرة أكبر على التواصل والتأثير.
رابعاً: إن توجيه الرأي العام القروي لا تحكمه قاعدة واحدة، بل تتدخل فيه مجموعة من العوامل، تأتي في مقدمتها المصلحة المباشرة والملموسة. ومن خلال الملاحظة الميدانية، سجلت مثلاً أن قرية دوار نائي معزول بإقليم ورزازات، كانت تعاني ساكنته حرمانا من مياه الشرب، وقصد التزود بهذه المادة الحيوية والأساسية بموجب ـ دستور البلاد ـ وضعت بشكل صريح شرطاً عملياً أمام المرشحين: من يستطيع توفير أنبوب للماء بطول ستة كيلومترات، وبمواصفات تقنية مناسبة، فسيحصل على أصواتها. وقد ظهر أثر هذا المطلب بشكل واضح بعد ظهور نتائج الانتخابات وجاءت النتائج كتالي:
من أصل 100 صوت:
الحركة الشعبية 79
الاستقلال 17
الأصالة والمعاصرة 1
العدالة والتنمية 0
هذه الحالة في حد ذاتها تكشف أن التصويت القروي لا يمكن فهمه دائماً من خلال ثنائية “الوعي” و”الجهل”، وإنما ينبغي فهمه في ضوء شروط العيش والحاجات الأساسية وانتظارات السكان من الفعل السياسي.
خامساً: تعرف القرية حضوراً قوياً لما يمكن تسميته بـ”فائض الأعيان”، وهم فاعلون محليون يمتلكون القدرة على ترجمة البرنامج الانتخابي وتبسيطه للساكنة وتحويل الخطاب السياسي العام إلى وعود ومطالب ومصالح يفهمها المواطن القروي ويستطيع ربطها بواقعه اليومي. ومن هنا تأتي أهمية الوسيط المحلي في فهم السلوك الانتخابي في البادية.
سادساً: إن رجال السلطة المحليين، من مقدم وشيخ وغيرهما، يكونون في كثير من الأحيان أقرب إلى المواطن القروي من المرشح الحزبي نفسه. فالمواطن القروي البسيط يتعامل معهم بشكل يومي، ويعرفهم ويعرفون حاجاته ومشاكله بينما قد يظهر المرشح الحزبي في المجال القروي فقط خلال فترة الانتخابات.
ومن ثم فإن فهم السلوك الانتخابي في البادية يقتضي تجاوز الأحكام الجاهزة التي تحمل القرية مسؤولية نتائج الانتخابات، والنظر إليها باعتبارها مجالاً اجتماعياً وسياسياً له منطقه الخاص، تحكمه شبكة معقدة من المصالح والحاجات والعلاقات والوساطات والرموز المحلية.
فالقرية ليست مجرد خزان انتخابي وليست أيضاً فضاءً للجهل السياسي كما يحاول البعض تصويرها؛ إنها مجال سياسي واجتماعي له عقلانيته الخاصة، ولا يمكن فهم اختيارات سكانه إلا من داخل شروطهم الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، ومن خلال علاقتهم الفعلية بالدولة والأحزاب والسلطة والفاعلين المحليين.