يمثل الهدر المدرسي احد ابرز التحديات التي تواجه الانظمة التربوية، بالنظر الى اثاره المباشرة على ضمان الحق في التعلم والانصاف وتكافؤ الفرص، فضلا عن انعكاساته الاجتماعية والاقتصادية. غير ان تطوير السياسات الرامية الى الحد منه يقتضي تجاوز النظر اليه باعتباره مجرد نتيجة نهائية تقاس بأعداد المنقطعين ونسبهم، نحو فهمه باعتباره سيرورة مركبة وتراكمية تتشكل عبر الزمن، وتتفاعل في انتاجها عوامل مرتبطة بالمتعلم والتعلمات والاسرة والمؤسسة، والمجال والسياق الاجتماعي والثقافي. ومن هذا المنطلق، يصبح التحدي الحقيقي ليس متعلقا بمن انقطع عن الدراسة، وانما بالقدرة على تحديد من يوجد في وضعية احتمال الهدر، وفهم اسباب ذلك، والتدخل في الوقت المناسب لحماية مساره التعليمي.
من الهدر كحدث منعزل الى الهدر كسيرورة تراكمية: يقتضي هذا التحول اعادة بناء مفهوم الهدر المدرسي نفسه. فعدم الالتحاق او عدم اعادة التسجيل، والانقطاع اثناء السنة الدراسية، والفصل، تمثل الاشكال الظاهرة والنهائية للظاهرة، لكنها غالبا ما تكون مسبوقة بمسار اقل وضوحا يبدأ بإشارات قد تبدو منفصلة، مثل الغياب المتكرر، والتعثر الدراسي، والتكرار، والتأخر الدراسي، وتراجع الدافعية، وضعف الاندماج في الحياة المدرسية. ومع تراكم هذه المؤشرات وتفاعلها مع عوامل أسرية او اجتماعية او اقتصادية او نفسية ومجالية، قد ينتقل المتعلم تدريجيا من المواظبة الدراسية الى الهشاشة، ثم الى خطر الانقطاع، وصولا الى الهدر الفعلي.
وعليه، يمكن النظر الى الهدر من خلال متصل دينامي يبدأ بالانتظام الدراسي، ثم ظهور مؤشرات الهشاشة، فتراكم عوامل الخطر، ففك الارتباط التدريجي بالمدرسة، ثم خطر الانقطاع، واخيرا الانقطاع الفعلي. وتكمن اهمية هذا التصور في نقل التدخل من نهاية المسار الى بدايته؛ فالانقطاع الذي يظهر في الاحصائيات ليس بالضرورة لحظة مفاجئة، بل قد يكون النهاية المرئية لمسار من فك الارتباط التدريجي بالمدرسة.
من البحث عن الاسباب الى تحليل منظومة الخطر والحماية: ان تفسير الهدر المدرسي بعامل منفرد يظل محدودا، لان المسارات المؤدية اليه تختلف من متعلم الى اخر ومن مؤسسة ومجال ترابي الى اخر. فقد يرتبط الخطر لدى متعلم بالتعثر الدراسي، ولدى اخر بالغياب المتكرر او ضعف الدافعية، بينما ينتج لدى حالات اخرى عن تفاعل صعوبات النقل او الوضع الاقتصادي للأسرة او ظروف اجتماعية ونفسية مع عوامل مدرسية.
لذلك تبدو المقاربة النسقية أكثر ملاءمة لفهم الظاهرة، فهي تميز بين عوامل الخطر وعوامل الحماية على مستويات متعددة. فعلى مستوى المتعلم، تقابل التعثر والتكرار وضعف الدافعية عوامل أخرى مثل النجاح والشعور بالكفاءة وامتلاك مشروع شخصي. وعلى مستوى المؤسسة، قد يقابل ضعف الاندماج وجود مناخ مدرسي ايجابي واليات فعالة لليقظة والمواكبة والانشطة الموازية. كما تمثل الاسرة والمجال الترابي والخدمات الاجتماعية والشركاء مستويات اخرى يمكن ان تنتج الخطر او تسهم في الحد منه. وبالتالي، فان وجود عامل خطر لا يعني حتمية الانقطاع، وانما تتحدد النتيجة من خلال طبيعة تفاعل المخاطر مع الموارد وعوامل الحماية المتاحة للمتعلم.
من قياس الهدر الى بناء منظومة للانذار المبكر: إذا كان الهدر سيرورة، فان الوقاية منه تفترض القدرة على التقاط اشاراته المبكرة قبل اكتمالها. ومن هنا تبرز اهمية بناء منظومة للانذار المبكر لا تعتمد على مؤشر واحد، وانما تجمع بين مؤشرات المواظبة، والتعلمات، والمسار الدراسي، والسلوك، والدافعية والاندماج، والوضع الاجتماعي والاسري، والعوامل المجالية. ولا تكمن القيمة الاساسية لهذه البيانات في تجميعها، بل في قدرتها على انتاج معرفة قابلة للتحويل الى قرار تربوي.
ويمكن، في هذا السياق، التفكير في تصنيف دينامي للمتعلمين الى مستويات متدرجة: وضعية تتطلب المتابعة، ثم يقظة، ثم خطر مرتفع، ثم خطر حرج. ولا ينبغي النظر الى هذه التصنيفات باعتبارها اوصافا ثابتة للمتعلمين، وانما باعتبارها وضعيات قابلة للتغير بفعل الزمن والتدخل. حيث يصبح هاجس المؤسسة لا يتعلق بكم لديها من متعلمين في وضعية خطر؟ وانما: كم انتقل منهم، بفضل المواكبة، من الخطر الحرج او المرتفع الى مستوى اقل، وكم استطاع استعادة الانتظام والاستمرار في مساره الدراسي؟
كما يمكن مستقبلا التفكير في بناء مؤشر مركب للخطر يجمع عددا من المتغيرات، شريطة اخضاع مكوناته واوزانه للاختبار العلمي والتحقق من قدرتها الفعلية على تفسير الانقطاع والتنبؤ به في السياق التربوي المغربي. فليس كل مؤشر مرتبط بالهدر بالضرورة مؤشرا تنبؤيا صالحا لبناء القرار.
من التدخل الموحد الى الاستجابة المتدرجة: لا يمكن لمواجهة ظاهرة متعددة الاسباب ان تقوم على تدخل واحد يطبق بالطريقة نفسها على جميع الحالات. فكلما اختلف مستوى الخطر واسبابه، وجب ان تختلف طبيعة الاستجابة. ويمكن في هذا الإطار التمييز بين وقاية شاملة تستهدف جميع المتعلمين من خلال جودة التعلمات والمناخ المدرسي والانشطة الموازية والتوجيه والدعم؛ ووقاية مستهدفة لفائدة من بدأت تظهر لديهم اشارات الخطر؛ ومواكبة فردية مكثفة للحالات التي تتراكم لديها عوامل متعددة؛ ثم تدخلات للاسترجاع واعادة الادماج او التوجيه الملائم عندما يتحقق الانقطاع.
ويستدعي ذلك الانتقال من منطق الاجراء الى منطق تدبير الحالة. فبعد اكتشاف المتعلم المعرض للخطر، ينبغي تثبيت المعطيات المتعلقة به، وتشخيص وضعه بصورة متعددة الابعاد، وتحديد مستوى الخطر والعوامل المسببة له، ثم بناء خطة مواكبة تحدد التدخل المطلوب والمسؤول عنه واجله والنتيجة المنتظرة منه. وهكذا لا يعود الهدف هو تنفيذ مجموعة من الانشطة حول الهدر، بل انتاج مسار تدخل فردي يمكن تتبعه وتقويمه وتعديله.
خلية اليقظة من بنية تنظيمية الى الية للحكامة وقيادة التدخل: ضمن هذا التصور، تكتسب خلية اليقظة وظيفة تتجاوز عقد الاجتماعات وتسجيل الحالات. فهي تمثل فضاء مؤسساتيا لتحويل المعطيات الى تشخيص، والتشخيص الى قرار، والقرار الى تدخل قابل للتتبع. وتقوم فعاليتها على قدرتها على الاجابة بصورة منتظمة عن اسئلة عملية: من دخل دائرة الخطر؟ ما طبيعة الخطر واسبابه؟ ما التدخل الذي تقرر؟ من يتحمل مسؤوليته؟ وما الذي تغير في وضعية المتعلم منذ التدخل السابق؟
ويتطلب ذلك تكاملا وظيفيا بين الادارة التربوية والمدرسين وأطر التوجيه والمختصين الاجتماعيين والتربويين ومنسقو الحياة المدرسية والاسرة وباقي الشركاء، مع الانتقال من تعدد التدخلات المتوازية الى وحدة خطة المواكبة. فالمتعلم لا يحتاج الى سلسلة اجراءات منفصلة بقدر ما يحتاج الى استجابة منسجمة تعالج الاسباب الفعلية التي تهدد استمراره الدراسي.
من مؤشرات الانجاز الى قياس النتائج والاثر: تطرح مواجهة الهدر ايضا اشكالا اساسيا يتعلق بكيفية قياس النجاح. فعدد اجتماعات خلايا اليقظة والزيارات والاتصالات وخطط العمل ومختلف انشطة المواكبة يقدم معلومات ضرورية عن مستوى التنفيذ، لكنه لا يكفي للحكم على فعالية السياسة المتبعة. انها اساسا مؤشرات للإنجاز والعمليات، بينما يقتضي تقييم النجاعة الانتقال الى مؤشرات النتائج والاثر.
وعليه، ينبغي ان تشمل منظومة التقييم مؤشرات مثل نسبة حالات الخطر التي تم تشخيصها، ونسبة الحالات المستفيدة من خطط مواكبة، وسرعة الاستجابة بعد ظهور الانذار، وتحسن المواظبة والتعلمات والاندماج، ونسبة الحالات التي تراجعت درجة خطورتها، ونسبة المسترجعين، وخاصة مدى استمرارهم في الدراسة بعد الاسترجاع قصد الوقوف على ماذا تغير فعليا في مسار المتعلم نتيجة تدخلنا.
البعد الترابي وحكامة الاستهداف: تتطلب الطبيعة المركبة للهدر الجمع بين المقاربة الفردية والمقاربة الترابية. فالمعدل الوطني او الجهوي، رغم اهميته، قد يخفي تفاوتات كبيرة بين المديريات والجماعات والمؤسسات والمستويات والفئات. ومن ثم ينبغي ان يسمح نظام الرصد بالانتقال من المستوى الوطني الى الجهة فالمديرية والجماعة والمؤسسة، وصولا الى الحالة الفردية، ليس بهدف ترتيب المجالات، وانما لتحديد بؤر الخطر وتوجيه الموارد والتدخلات حيث تكون الحاجة أكبر.
ويترتب على ذلك توزيع متكامل للوظائف بين مستويات الحكامة. فالمؤسسة التعليمية هي المجال الاساسي للكشف والتشخيص والتدخل القريب من المتعلم، بينما تضطلع المديرية الاقليمية بوظائف المواكبة والتنسيق وتعبئة الموارد والشركاء، وتتولى الاكاديمية التحليل الترابي والتاطير والاستهداف والتقييم، في حين يوفر المستوى المركزي المرجعيات الوطنية ونظم المعلومات والمؤشرات والموارد واليات التقييم. ونجاعة المنظومة تظل مرتبطة بقدرتها على ضمان تدفق المعلومات والقرارات والتغذية الراجعة بين هذه المستويات.
نحو نظرية للتغيير في مواجهة الهدر المدرسي: ان الانتقال الى مقاربة علمية للظاهرة يقتضي في النهاية صياغة نظرية واضحة للتغيير: فاذا أمكن الكشف المبكر والدقيق عن المتعلمين المعرضين للخطر، وتشخيص العوامل الفعلية التي تهدد مساراتهم، وربط كل نمط من المخاطر بتدخل مناسب، وضمان استمرارية المواكبة، فمن المتوقع ان تتحسن المواظبة والتعلمات والدافعية والاندماج المدرسي، بما يعزز فرص استمرار المتعلم واتمام مساره الدراسي.
غير ان هذه العلاقة لا ينبغي افتراضها فقط، بل يجب اختبارها وتقويمها. وهو ما يفتح مجالا لبرنامج بحثي وطني يهتم بتحديد المؤشرات الاكثر قدرة على التنبؤ بالانقطاع في السياق المغربي، وفهم مسارات فك الارتباط بالمدرسة، وتحليل اختلاف انماط الخطر حسب المستويات والفئات والمجالات، وتحديد جانبيات التلميذ المهدد بخطر الهدر المدرسي، وقياس فعالية تدخلات الدعم والتوجيه والانشطة الموازية والمواكبة النفسية والاجتماعية، فضلا عن دراسة استدامة اعادة ادماج المنقطعين.
في الختام، ان تجويد مواجهة الهدر المدرسي يستدعي، في المحصلة، تحولا في موضوع التدخل نفسه: من الاهتمام بمن غادر المدرسة الى الاهتمام ايضا بمن بدا يبتعد عنها؛ ومن احصاء الهدر بعد وقوعه الى استشعار الخطر قبل تحوله الى انقطاع؛ ومن تنفيذ اجراءات متفرقة الى تدبير متكامل لمسارات المتعلمين؛ ومن قياس حجم النشاط المؤسساتي الى قياس اثره الفعلي.
وبهذا المعنى، يصبح الرهان ابعد من مجرد خفض مؤشر احصائي للهدر المدرسي؛ انه بناء قدرة مؤسساتية مستدامة على حماية المسارات التعليمية، تجعل من المعطيات اداة للإنذار، ومن التشخيص اساسا للقرار، ومن المواكبة استجابة متدرجة للحاجات، ومن تقييم الاثر الية دائمة للتعلم والتحسين. وهنا يمكن الانتقال من سياسة لمحاربة الهدر بعد وقوعه الى منظومة استباقية تمنع تشكل مسار الانقطاع كلما كان ذلك ممكنا، وتحافظ على حق المتعلم في التعلم والاستمرار والاندماج.