دخل المغرب مرحلة جديدة من المسار السياسي مع انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، عقب تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر 2026، وتكليفها بتشكيل الحكومة، وفقاً للمقتضيات الدستورية ذات الصلة.
وتأتي هذه المشاورات عقب الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر، والتي أفرزت مشهداً برلمانياً جديداً، ما يجعل تشكيل الأغلبية الحكومية إحدى أبرز المحطات السياسية التي تلي الاستحقاق الانتخابي.
وبعيداً عن أسماء الوزراء والحقائب الحكومية، تطرح المشاورات الحالية سؤالاً أوسع يتعلق بطبيعة التفاهمات التي ستؤسس للمرحلة المقبلة. فالحكومة لا تقوم فقط على توزيع المسؤوليات، وإنما تحتاج أيضاً إلى برنامج واضح وأولويات محددة وآليات عملية لتنفيذ الالتزامات المعلنة.
وقد بدأت اللقاءات السياسية بين رئيسة الحكومة والأحزاب المعنية بالمشاورات، في إطار البحث عن الصيغة المناسبة لتشكيل الأغلبية الحكومية. ومن الطبيعي، في مثل هذه المرحلة، أن تتعدد النقاشات والتصورات، باعتبار أن تشكيل الحكومة هو في جوهره مسار سياسي ومؤسساتي يقوم على الحوار والتوافق.
ومن وجهة نظر تحليلية، فإن أهمية هذه المرحلة لا تختزل في توزيع الحقائب الوزارية أو تحديد أسماء أعضاء الحكومة، وإنما تتجاوز ذلك إلى طبيعة التفاهمات التي ستؤسس للأغلبية الجديدة. فالحكومة، في نهاية المطاف، تحتاج إلى أرضية سياسية وبرنامج عمل واضحين، بما يسمح بتحويل التوافقات السياسية إلى سياسات عمومية وبرامج قابلة للتنفيذ.
وتبرز أمام الحكومة المقبلة مجموعة من الملفات ذات الأولوية في النقاش العمومي، من بينها التشغيل، والسياسات الاجتماعية، وتحسين الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز الاستثمار، إلى جانب مواصلة تنفيذ الأوراش الوطنية الكبرى.
ومن هنا، فإن النقاش حول تشكيل الحكومة لا ينبغي أن يقتصر على سؤال: من سيدخل الحكومة؟ بل يمتد أيضاً إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالسياسات العمومية: ما هي الأولويات التي ستضعها الحكومة المقبلة، وكيف ستتحول هذه الأولويات إلى إجراءات وبرامج قابلة للتنفيذ والتقييم؟
كما أن المرحلة الحالية تكتسي دلالة مؤسساتية خاصة مع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، في سابقة بالنسبة إلى تولي امرأة هذا المنصب في المغرب. غير أن أهمية هذه اللحظة ستظل مرتبطة، في جانب منها، بما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من برنامج حكومي وأداء مؤسساتي.
وفي انتظار اكتمال المشاورات والإعلان الرسمي عن تركيبة الحكومة وبرنامجها، من المهم التمييز بين المعطيات المؤكدة رسمياً وبين التوقعات والتحليلات المتداولة في المجال السياسي والإعلامي. فالمشاورات بطبيعتها تظل مفتوحة على احتمالات متعددة إلى حين الإعلان عن نتائجها بشكل رسمي.
إن تشكيل الحكومة الجديدة يمثل، في المحصلة، بداية لمسار سياسي ومؤسساتي جديد. وستكون وضوح الأولويات، وانسجام العمل الحكومي، والقدرة على تنفيذ البرامج، وآليات المساءلة أمام البرلمان والرأي العام، من العناصر التي يمكن من خلالها قراءة أداء المرحلة المقبلة.