حميد عنايا
منتدى العمق

محددات السلوك الانتخابي للمواطن المغربي

عرف المغرب أزيد من ثلاثين استشارة سياسية “consultations politiques”، غير أنه لم يعرف إلا دراسات قليلة حول محددات السلوك الانتخابي والسياسي للمواطن المغربي. ومع غياب دراسات لهذه الظاهرة في الجامعات وفي المعاهد العليا، تبقى الدراسة الأهم المنجزة حول المغرب في هذا الإطار هي ” السوسيولوجيا الانتخابية في شمال افريقيا ” ل ” André Valentino ” و ” Christian Purtschet ” والمنشورة في السبعينيات. وقدم لها ” جورج بوردو “، ويقول فيها هذا الأخير ” إننا في المغرب نرى الانتخابات، لكن أين هو الناخب “.

الشيء الذي سوف نتطرق معه، لمحددات السلوك الانتخابي والسياسي في أوروبا وأمريكا، مع مجموعة من المقاربات التي تطرقت لهذه الظاهرة، وسوف نبين مختلف العوامل المؤثرة على السلوك الانتخابي والسياسي للمواطن، وعلاقتها بإشكالية العزوف وارجاع الثقة للمواطن.

أولا: مقاربات محددات السلوك الانتخابي والسياسي

انطلاقا من القرن 19 وبداية القرن 20، بدأت الدراسات الانتخابية ودراسة السلوك الانتخابي والسياسي في إثارة اهتمام الباحثين. إذ رغم فساد العمليات الانتخابية نجد التاريخ، يقول ” اندريه سيغفريد”، كما رسم حدود وسواحل جبال لم تستطع العواصف مهما كانت شدتها الأخذ من صمودها، قد رسم كذلك خرائط جهات سياسية على غرار خرائط الجهات الاقتصادية والجهات الجيولوجية والمناخات الطبيعية.

اشتهر اندريه سيغفريد بالبحث عن محددات السلوك السياسي، انطلاقا من معايير جغرافية وجيولوجية مثل: التكوين الجبصي أو الكلسي للمنطقة، والاطلال على البحر والاستقرار بأعالي الجبال…إلخ. ومن أهم خلاصاته قولته المشهورة: “جبص أو كلس ذلك هو الفرق الكبير”. ويعني بذلك: إن كان التكوين الجيولوجي للأرض كلسا، فاليمين والفكر اليميني هو المهيمن. وإن كان جبصا فاليسار هو السائد. ويعني باليمين الفكر المحافظ والرجعي الذي يحن إلى النظام الملكي الإقطاعي… وباليسار الفكر التقدمي المتشبث بالمساواة والفكر الجمهوري وبإرث الثورة الفرنسية.

ومفاد ذلك، أن التكوين الكلسي للأرض يتميز بقلة نقط المياه، وبالتالي قلة الكثافة البشرية والبعد الشاسع بين القرى، مما يساعد الحكم بالتحالف مع الملاكين الكبار والكنيسة على السيطرة على السكان. أما التكوين الجبصي فتكثر فيه نقط المياه، وتجمع الناس بكثافة ويكثر فيه الملاكين الصغار، مما يساعد على نشر أفكار المساواة والفكر الجمهوري.

فالسلوك السياسي من جهة، والانتخابي من جهة أخرى، له محددات جغرافية، كالعزلة وتشتت القرى والدواوير وانعدام الطرق، وبالتالي تواصل الأفكار، مما يزيد من هيمنة السلطة التي تتحالف مع النخب التقليدية وغياب الأحزاب التي تتواجد بكثرة في المدن. وهناك نظام الملكية، حيث تملك الدولة ما يفوق %90 من الأراضي في أحواز مراكش كلها خصبة.

والأمر يتعلق كذلك بالمقاطعة، التي ترتفع في الجبال، وتنخفض في السهول، عندما يتعلق الأمر باستفتاء ملكي، وعكسيا تنخفض في الجبال، وترتفع في السهول عندما يتعلق الأمر بالانتخابات، محلية كانت أو وطنية.

وقد استهزئ بأفكار ” سيغفريد” أيما استهزاء. وكان ” ريمون آرون” أهم منتقديه، والذي عاتبه على عدم تفتحه على الفكر والمنهج السوسيولوجي، خصوصا وأن “سيغفريد” بقي وفيا لمنهجه ومتشبثا بأفكاره التي ما فتئ يحسنها إلى أن توفي سنة 1959.

أما الذين خاضوا في هذا الميدان، من منظوره السوسيولوجي، فهم تلامذته وأشهرهم ” فرانسوا غوغل” ابتداء من 1947 متأثرين في ذلك بالدراسات الأمريكية البرغماتية التي انتشرت مع بداية الخمسينيات.

وأول دراسة في ميدان تفسير السلوك السياسي قام بها أساتذة وطلبة من جامعة كولومبيا، يتزعمهم كل من ” لازارسفيلد” و “بيزيلسون” و “غودي”، واستهدفت البحث في تأثير الحملة الانتخابية على قرار التصويت عند المواطن الأمريكي. ومن بين خلاصات مدرسة كولومبيا أن التصويت عمل ” فرديindividuel ” تحدده قيم جماعية كالحالة الاجتماعية والاقتصادية لصاحبه والدين ومحل الإقامة. فالسلوك السياسي للمواطن الأمريكي، خلافا لما كان يعتقد، لا يصدر عن تفكير بل تحدده عوامل اجتماعية. أما وقع الحملة الانتخابية، وهو محور بحثهم، على قرار التصويت عنده فيبقى ضعيفا. وقد كانت هذه الخلاصة مفاجئة للأوروبيين خصوصا وللأمريكيين أنفسهم، وصدمتهم في نظرتهم المثالية عن الناخب الأمريكي العقلاني.

وكرد فعل عن هذا العمل، ذهب آخرون إلى بناء نموذج آخر لسلوك المواطن الأمريكي السياسي انطلاقا من معايير نفسانية فردية وليس سوسيولوجية جماعية. ومفادها أن للمواطن الأمريكي هوية حزبية تلقاها منذ صغره، وإذا وافقت هذه الهوية برنامج الحزب ومرشحيه وحملته الانتخابية فإنه يصوت تبعا لذلك.

وهذا يعني أن الناخب الأمريكي بعيد جدا، بل عاجز، عن التفكير الأيديولوجي في تحديد قرار تصويته، ولا ينظر إلى السياسة إلا بنظارات الحزب. كالذي يشتري سيارته فقط لأنها من نوع معين، وليس انطلاقا من معرفته التقنية للسيارات.

أما نموذج ” الناخب الجديد” الذي جاء به “Vlandimir Orlando KEY ” مع بداية السبعينيات، فهو محاولة لرد الاعتبار للناخب الأمريكي ذي الثقافة السياسية الهزيلة والسلوك التبعي “Conformisme “. فبالنسبة ل ” KEY “، ظهر منذ السبعينيات ناخب جديد وشاب، يتمتع باستقلال أفكاره عن الأحزاب وله ثقافة سياسية عالية. والناخب الجديد شاب يكره الأحزاب و”السياسة السياسوية politique politicienne” ولا يعطي صوته إلا عن دراية ودراسة لرهانات ولأداء الحكومة.

في العلوم السياسية، هناك ثلاثة نماذج رئيسية لشرح السلوك الانتخابي في المنافسة. الأول، ذو طبيعة اجتماعية، يقوم على افتراض تأثير المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية (الجنس، والعمر، والطبقة الاجتماعية، وما إلى ذلك). والثاني يقوم على نظرية ذات طبيعة نفسية – اجتماعية: يختار الناخب مرشحه من خلال التماهي الحزبي الذي يوجه اختياره. أخيرا، يفترض النموذج الثالث، المستوحى من النماذج الاقتصادية، وجود ناخب عقلاني يتخذ خيارات سياسية مع تعظيم مصالحه.

هذا التعدد في المقاربات يؤكد أنه ليس هناك مقترب وحيد صالح لكل السياقات والتجارب والدول، فالسياق يفرض على الباحث المقاربة التي يجب تبنيها. فمن خلال هذه المقاربات نستنتج أن السلوك الانتخابي يبقى سلوكا معقدا، تتداخل فيه العوامل العقلانية والدينية والاثنية، ويتغير تأثير هذه العوامل بتغير الظروف والسياقات والأزمنة.

لذلك سنحاول في هذه المقالة فهم المؤثرات الكبرى في السلوك الانتخابي للمواطن المغربي في الانتخابات، من خلال مقاربتين أساسيتين، هما المقاربة العقلانية، والمقاربة السوسيولوجية. دون أن ننسى المحددات البنيوية وتجاذبات الفعل الانتخابي في المغرب.

ثانيا: محددات السلوك السياسي والانتخابي للمواطن المغربي

لا يمكن فهم الواقع الانتخابي في المغرب، على الأقل كما ترجم على مستوى الممارسة السياسية، دون استقراء الأرضية الموضوعية المفرزة له إن على صعيد التصور أو على مستوى آليات التفعيل. واقع تتداخل في سياقه معطيات شتى يمتزج فيها البنيوي بالظرفي والمرحلي بالاستراتيجي. فالنفاذ إلى السياق يفرض نفسه منهجيا لأنه يتيح، إلى حدود معينة، إمكانية قراءة من الداخل تتسم باللمسة الجوهرية وتتجاوز القراءات الإسقاطية التي تغض الطرف- على العموم- عن واقع الحال لتفرض تصورا غالبا ما يجافي الصواب أو يجعل القراءة متترعة بذاتية قد لا تسائل الواقع مطلقا ومن ثمة قد لا تجد سبيلا إلى فهمه والنبش في مدلولاته.

لا شك أن الانتخابات في المنظومة الديمقراطية، تبقى الأداة الحاسمة المؤدية إلى اختيار الشعب لممثليه، وترجمة مفهوم المواطنة في مختلف أبعاده ومستوياته.

ومن ثمة يضطلع الاقتراع بوظائف مباشرة منها إضفاء الشرعية على الحاكمين خاصة في الاقتراع العام المباشر الذي يرمز إلى “سيادة الشعب” وتفعيل الإحساس بالانتماء وجعل القوى السياسية أمام حقيقة تمثيليتها.

وتطرح في هذا السياق الانتخابات التنافسية كمحدد محوري لديمقراطية الاختيار، إذ أن الطابع التنافسي لاقتراع ما، يجد سنده في حرية الناخبين، من خلال نزاهة العملية الاقتراعية، والتنافس بين المرشحين، فضلا عن الرهانات السياسية المتصلة بطبيعة الاقتراع.

على هذا الصعيد تعتبر نزاهة الاقتراع شرطا تأسيسيا لبلورة أي توجه ديمقراطي وإتاحة مؤسسات تمثيلية حقيقية تنال ثقة الشعب ناهيك عن الاعتبارات السوسيولوجية التي تعد وازنة في تحديد معالم الخارطة الانتخابية شريطة أن يكون ذلك في سياق تنافسي أصلا.

حيث تتدخل الدولة مباشرة في تدبير العملية الانتخابية في المغرب، عن طريق مجموعة من الضوابط السياسية والقانونية والتقنية والتمويلية والإعلامية. الشيء الذي يجعل الدولة في شخص الفاعلين السياسين الرئيسين والثانويين يؤثرون بشكل مباشر وغير مباشر على محددات الناخب والمرشح المغربي سواء بالسلب أو بالإيجاب في المشاركة السياسية والانتخابية في المغرب.

فالدولة في شخص الإدارة الوصية على العملية الانتخابية، تتدخل قانونيا وتقنيا في تدبير الانتخابات، من خلال التحكم في عملية التقطيع الانتخابي ” تجميع وتشتيت الدوائر الانتخابية “، مما يسمح لها ضمنيا معرفة من الناجحين مسبقا فيها. بالإضافة إلى اعتماد القاسم الانتخابي في كل مرة على أساس ” الأصوات المعبر عنها، الأصوات الصحيحة، المسجلين في اللوائح الانتخابية “. حيث أثار نقاشا حادا بين الأحزاب فمنها من رأى فيه وسيلة لتقزيم حضوره في المشهد السياسي ، وأخرى أكدت أهميته وبأنه لا يمس بمبدأ تكافؤ الفرص، بل يمثل – بحسبها – مدخلا لتعزيز المشاركة في الانتخابات وتجاوز حالة العزوف السياسي والانتخابي السائدة منذ سنوات، ويحول دون احتكار المواقع الحكومية والبرلمانية من طرف حزب أو أحزاب معينة.

بالإضافة إلى طبيعة حياد الإدارة هل هو سلبي أم ايجابي، خصوصا في تتبع ومراقبة العملية الانتخابية من بدايتها حتى نهايتها. وخاصة في مسألة توزيع المال من قبل مرشحي الأحزاب على الناخبين من أجل التصويت عليهم، وعدم شفافية مصدر تلك الأموال وضعف مراقبة ومحاسبة الإدارة لتمويلات الأحزاب لحملاتها الانتخابية، وتغاضي الإدارة على مجموعة من الخروقات الانتخابية من قبل مرشحي الأحزاب.

ودون أن ننسى تضييق وغياب حق المقاطعين من القوى السياسية المعارضة، في الشارع والإعلام من أجل توصيل رسالتها ومبرراتها لمقاطعة العملية الانتخابية. وهذا راجع لكونها تعتبر نفسها، صوت معبر للكتلة العازفة والممتنعة عن التصويت، والتي تعرفها كل الاستحقاقات الانتخابية.

فالجميع مسؤول، دولة ومؤسسات ومجتمع مدني، على الوضع السياسي والانتخابي الذي تعيشه البلاد منذ الاستقلال وحتى الآن لما يفوق نصف قرن من الزمان.

فمع بداية الاستقلال كان الصراع بين المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية حول من يحكم وفي اقتسام السلطة فيما بينهما. تلتها مجموعة من الاضطرابات، ودخول البلاد في حالة الاستثناء، عرفت البلاد بعدها انقلابين عسكريين فاشلين، تقوت معهما المؤسسة الملكية. وبروز أحزاب إدارية مُنحت الأغلبية الانتخابية في تسيير البلاد. مما شهد سنوات من الإضرابات والاعتقالات، واكبتها بلقنة وتمييع في المشهد الحزبي والسياسي المغربي، ساهمت فيها غياب الديمقراطية الحزبية الداخلية، وبروز المصالح الذاتية الضيقة للقيادات السياسية والحزبية، مما أنذر بوقوع الأزمة في البلاد.

عرفت بعدها البلاد انفتاح حقوقي، وتوافقات سياسية توجت بوصول حزب المعارضة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للحكومة، وبداية العهد الجديد بأحلامه وإكراهاته، حيث أحسن النظام التعامل مع موجة ما سمي ” بالربيع العربي” بسن دستور جديد، ووصول حزب العدالة والتنمية لتدبير الحكومة لولايتين متتاليتين.

ومع تفشي وباء كورونا كوفيد 19 في العالم والمغرب، وظهور الأزمة في جميع القطاعات وعلى كافة المستويات، والتدخل المباشر للدولة في شخص الإدارة الوصية ” وزارة الداخلية ” بتوجيهات ملكية، ومساعدة وتنفيذ حكومي، لتدبير المرحلة الطارئة بإجراءات استثنائية.

فرض على الدولة وباقي القوى السياسية في المغرب على إجراء انتخابات 2021 التشريعية والجماعية والجهوية في يوم واحد ل 8 من شتنبر 2021، سبقتها انتخابات باقي القطاعات لممثلي الأجراء والنقابات وممثلي الغرف المهنية، وتلتها انتخابات باقي ممثلي أعضاء مجلس المستشارين.

عرفت معها سقوط وتدني لنتائج حزب العدالة والتنمية في كافة القطاعات والمستويات وباقي المجالس.

كما عرفت معها انتخابات 2021 على كافة المستويات والقطاعات نتائج متطابقة في الترتيب للأحزاب الفائزة فيها، والتي عقدت تحالفات في جميع المجالس، توجت بتحالف ثلاثي حزبي بأغلبية مريحة لتشكيل الحكومة.

واصطفاف معارضة حكومية بباقي الأحزاب الأخرى ” اتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحركة الشعبية، التقدم والاشتراكية، الإتحاد الدستوري، العدالة والتنمية…إلخ.

وبعد اجراء الانتخابات ل 8 شتنبر 2021، اتضح أن نسبة المشاركة وصلت %50.86، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه النسبة بلغت في العديد من القرى والمدن وخاصة في الجنوب المغربي ما يقارب %70، وذلك راجع لكون المشاركة في الانتخابات الجماعية والجهوية عادة ما تكون مكثفة مقارنة بالانتخابات التشريعية، كما عرفت الانتخابات الجماعية والجهوية ل 4 شتنبر 2015 نسبة مشاركة وصلت ل %53.67› حيث تمتاز الانتخابات المحلية بمشاركة واسعة مقارنة مع الانتخابات التشريعية وذلك حتى في الدول الديمقراطية.

وهذا ما يفسر سياسيا وتقنيا ظاهرة العزوف السياسي والانتخابي التي ظل يعرفها المغرب. وذلك راجع لتراكم سلبي نتيجة معاقبة النظام السياسي لخصومه السياسيين المعارضين لسياساته وتوجهاته المختلفة. مع ضعف التمكين للشباب والنساء داخل الأحزاب السياسية وفي المؤسسات المنتخبة، بالإضافة لتفشي الجهل والفقر داخل فئات واسعة من السكان، وعدم اهتمامهم بالشأن السياسي والانتخابي للبلاد.

الحاصل إذن، أن ظاهرة العزوف السياسي المرتبطة بالامتناع عن التصويت أو الانتماء للأحزاب، وعدم الإقبال على الصحافة الحزبية، سواء في شكلها الواعي المرتبط بمواقف واضحة من العمل السياسي أو الحزبي، أو مظهرها المنطوي على الجهل بالأمور السياسية وما يتعلق بها من انتخابات وتحزب… أضحت من ضمن أبرز الاختلالات العميقة التي تعتري المشهد السياسي المغربي في السنوات الأخيرة وهي تتصاعد بشكل لافت ومثير.

والحقيقة أن هذا العزوف يجد أساسه في العديد من العوامل والإكراهات الاجتماعية والسياسية التي يعرفها المغرب والتي تنفر من العمل السياسي، ويتخذ هذا الأخير مظاهر مختلفة يمكن اعتبارها وقائع موضوعية، ومظاهر اجتماعية خطيرة أصبحت تتطلب التدخل والحزم الجديين للقضاء عليها والحد منها.

بناء على “المقاربة العقلانية”، هناك تقدير عقلاني شخصي للعملية الانتخابية، يؤثر في قرار المشاركة من عدمه، لكن في العديد من الأحيان وبالخصوص في مجالنا السياسي، هناك حضور قوي لعوامل اخرى تقليدية ” المقاربة السوسيولوجية” أكثر تأثيرا في قرار المشاركة.

ورغم أن العوامل الاجتماعية الاثنية والدينية لا تؤثر بشكل مباشر في السلوك الانتخابي، فإنها تلعب دورا مهما في خلق الصورة حول الحزب أو المرشح، حيث تساهم العائلة والقبيلة والدين في تكوين هذه الصورة، وبالتالي تؤثر بشكل غير مباشر.

ويبقى حضور هذه العوامل أكثر بروزا في مجالنا السياسي العربي الاسلامي. حيث يرى “عبد الله العروي” أن معرفة واقع السلطة والدولة في العالم الإسلامي، يتطلب إدراك المادة الخام التي بها وعليها تجري السياسة، أي نفسانية الفرد، فكرته عن الحكم والدولة. كل هذا ناشئ عن تربية لا تقوم بها الدولة وحدها، بل إن المسؤولون عنها هم الأب في البيت، والإمام في المسجد، والشيخ في الزاوية، وهؤلاء متأثرون بالمؤلفات الشرعية، بتخيلات الدولة النموذجية بما سماه العروي الطوباويات الإسلامية.

إذا انتقلنا إلى مجالنا السياسي المغربي، نجد أن هذا التداخل بين العقلاني والعاطفي أكثر وضوحا. فهناك حضور قوي للمحددات العاطفية المتمثلة في القبيلة، العائلة، العقيدة، العلاقات الشخصية… كمؤثرات قوية في السلوك الانتخابي في المغرب، ويختلف تأثير هذه المحددات من منطقة إلى أخرى. ففي المناطق الجنوبية والقرى المغربية، تؤكد العديد من الدراسات الدور الحاسم للعامل القبلي في السلوك الانتخابي.

لكن رغم ذلك لا يمكن الحديث عن جمود الوعي السياسي لدى الناخبين، فهناك العديد من التطورات التي سيكون لها تأثير على كيفية تفكير الناس في السياسة وبالأخص في العملية الانتخابية، فنسبة الأمية تراجعت نسبيا خصوصا لدى الشباب، وهناك انتشار كبير لوسائل الاعلام سواء التقليدية أو الحديثة، كما أننا نسجل مشاركة سياسية مكثفة للشباب منذ حراك 20 فبراير، تأكدت في انتخابات 2021، ورغم ضعف اللوائح الشبابية المستقلة في انتخابات 2026، مع تزايد نسب مشاركة الشباب سواء في التسجيل في اللوائح أو في الترشيح مع الأحزاب أو في التصويت. إنها عوامل لها تأثير قوي على السلوك الانتخابي، وهو ما يعطي للمقاربة العقلانية أهمية لا بأس بها.

إذن فالتداخل بين العقلاني والعاطفي هو من أهم سمات السلوك الانتخابي في المغرب، فمازال للمحددات التقليدية دور محوري مؤثر في كيفية تعامل الناس مع العمليات الانتخابية، خصوص دور العامل القبلي في الجنوب والقرى والبوادي، لكن لا يمكن القول أن هذا العامل يبقى المؤثر الوحيد الحاسم، بل هناك أيضا حضورا قوي للدوافع العامة والخاصة العقلانية التي تلعب دورا مهما في كيفية تصرف الناس، من أهمها: إيمان فئة مهمة بقدرة اختياراتها الانتخابية على التأثير في العملية التنموية في المنطقة، وهناك من اختار التصويت للحزب بدل الشخص، خصوصا مع الصراع القوي الذي عرفه الفضاء السياسي المغربي في الحملة الانتخابية بين الأحزاب السياسية الكبرى.

نستنتج من خلال هذه المقاربات، أن المواطن يشارك في المسلسل الانتخابي، إذا آمن بقدرته على التأثير، وأن مشاركته بإمكانها إحداث التغيير. كما أننا أمام إنسان تحركه مصالحه ورغباته، فهو يشارك إذا رأى أن هناك مكافأة خاصة أو عامة سيحققها بقرار التصويت. وبشكل عقلاني يشارك الفرد إذا آمن واقتنع ببرنامج حزب معين يحقق له هذه الأهداف. بالإضافة لسياقنا المغربي المليء بالعوامل الاجتماعية والاثنية والدينية، وخاصة العامل القبلي والروابط الشخصية وتأثيرها على السلوك الانتخابي.

فالحديث عن الانتخابات هو قبل كل شيء حديث عن أسس السلطة. والوقوف على أزمة الانتخابات أو أزمة التعبير التمثيلي هو وقوف على “عجز بنيوي” في المراهنة على الإرادة الشعبية في تشكيل القرار السياسي وبناء مؤسسات الدولة والمجتمع.

فالفكرة الأساسية هي أن الناس كيفما كان الحال لا ينتخبون بصفة عشوائية أو مجانية بل وراء ذلك موقف سياسي ناتج عن سلوك سياسي معين.

الشيء الذي يضع الانتخابات التشريعية لسنة 2026 أمام عزوف سياسي وانتخابي محتمل الوقوع، نتيجة مجموعة عوامل متداخلة ومعقدة تطبع السلوك الانتخابي للمواطن المغربي والعملية الانتخابية برمتها.