فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة
اقتصاد

معادلة الـ350 مليارات.. هل تملك حكومة المنصوري الموارد المالية لتنفيذ وعود الانتخابات؟

وضعت الوعود الاجتماعية الضخمة لرئيسة الحكومة المعينة حديثا فاطمة الزهراء المنصوري برنامجها تحت مجهر التدقيق المالي والاقتصادي، حيث قدرت مجلة جون أفريك التكلفة الإجمالية لهذه الالتزامات بحوالي 350 مليار درهم، وهو ما يعادل 32 مليار يورو، مما يطرح تساؤلات ملحة حول قدرة التشكيلة الحكومية المرتقبة على تطبيق التزامات حملة حزب الأصالة والمعاصرة عقب التعيين الملكي الصادر يوم 29 شتنبر.

وشملت الالتزامات البارزة للبرنامج الحكومي المرتقب الرفع من الحد الأدنى لمعاشات التقاعد إلى 3000 درهم، ومجانية الكهرباء للأسر المعوزة، وإلغاء الضريبة على الدخل للرواتب التي تقل عن 15 ألف درهم خام، إضافة إلى خلق مليون منصب شغل، وهي أهداف أوردت المجلة أن حكومة عزيز أخنوش السابقة لم تنجح في تحقيقها رغم تولي حزب الأصالة والمعاصرة فيها حقائب وزارية استراتيجية كالتشغيل والطاقة وإعداد التراب والتعليم العالي.

واعتبر الوزير السابق والرئيس الأسبق للاتحاد العام لمقاولات المغرب حسن الشامي في تصريح للمنبر الإعلامي ذاته أن السياسة في المغرب انصبت لفترة طويلة على إنجاز البنى التحتية بمختلف أنواعها، مبرزا أن الوقت قد حان للقيام بإصلاحات اجتماعية عميقة، ومشددا على أن انتخاب امرأة على رأس الحكومة يمثل قفزة إلى الأمام ستجعل المغرب يجسد وجها أكثر اجتماعية وديمقراطية وانفتاحا.

ووصف مسؤول حكومي مطلع على كواليس وزارة المالية التدابير المعلنة بأنها تمثل البرنامج الأكثر وضوحا ودقة بالأرقام مقارنة بباقي الأحزاب، في حين اعتبر الخبير الاقتصادي والنائب السابق لرئيس الباطرونا حماد كسال أن مقترح الرفع من الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم يظل إجراء شعبويا، رغم اتفاقه على أن المستوى الحالي المحدد في 3422 درهما يعتبر غير كاف بتاتا.

وأضاف كسال أن زيادة الأجور في الوقت الحالي غير ممكنة نظرا لكون الإنتاجية في المغرب هي الأضعف في المنطقة، مستندا في ذلك إلى دراسة مقارنة أنجزها بين المغرب وتونس والمجر ورومانيا، ومؤكدا أنه بدون مكاسب في الإنتاجية وابتكار وتكوين لا يمكن تحقيق هذا الهدف، وهو الطرح الذي زكاه الشامي بدعوته إلى ضرورة تكوين الشباب وخلق نمو اقتصادي قبل إرباك الدورة الاقتصادية.

وأكد مصدر رسمي من الاتحاد العام لمقاولات المغرب للمجلة الفرنسية عدم معارضة أرباب العمل للرفع من الحد الأدنى للأجور، مشترطا لتحقيق ذلك التوجه نحو صناعة ذات قيمة مضافة محلية عالية واعتماد اندماج محلي يضمن توفير هوامش ربح تسمح بدفع أجور أعلى للعمال.

وكشفت المعطيات المنشورة أن مقترح تبسيط الضريبة على الدخل يتضمن تقليص الأشطر من ستة إلى ثلاثة، بصفر بالمائة للرواتب التي تقل عن 15 ألف درهم خام، و10 بالمائة للرواتب بين 15 ألف و46 ألف درهم، و20 بالمائة لما فوق ذلك، مع خفض الحد الأقصى للضريبة من 37 إلى 20 بالمائة، ورفع عتبة الإعفاء من 6000 إلى 15 ألف درهم، وهو ما سيكلف الخزينة خسائر تفوق 30 مليار درهم سنويا.

وأوضح الباحث البارز بمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد العربي الجعيدي أن احتساب تكلفة هذا الإعفاء الضريبي يعد أمرا بسيطا لتوفر المعطيات حول الكتلة الأجرية في القطاعين العام والخاص، مشيرا إلى أن إيرادات الضريبة على الدخل بلغت حوالي 70.4 مليار درهم سنة 2025، تأتي 73 بالمائة منها من الأجور بحوالي 50 مليار درهم، مما يعني أن التكلفة ستبتلع أكثر من نصف الضريبة المؤداة من طرف الأجراء، في وقت تعتمد فيه هذه الإيرادات حاليا على التسوية الضريبية الطوعية غير القابلة للتكرار.

وأشار التقرير الصحفي إلى التزام الحزب بضمان معاش تقاعد لا يقل عن 3000 درهم ابتداء من السنة الثانية لولايته، في وقت يبلغ فيه الحد الأدنى حاليا 1000 درهم بصندوق الضمان الاجتماعي و1500 درهم بالصندوق المغربي للتقاعد، مع التعهد برفع معاش ذوي الحقوق للأرامل من 50 إلى 100 بالمائة من معاش المتوفى.

وفصلت المجلة أرقام المتقاعدين المعنيين بهذه الخطوة، مبرزة أن 689 ألفا من أصل 848 ألف متقاعد في صندوق الضمان الاجتماعي يتقاضون أقل من 3000 درهم، بينما يبلغ العدد في النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد 28 ألفا من أصل 96 ألفا، مما سيجعل تكلفة سد الفجوة تصل إلى 7.5 مليار درهم سنويا لصندوق الضمان الاجتماعي وحده، لترتفع إلى 13 مليار درهم عند إضافة معاشات ذوي الحقوق.

ونبه الجعيدي إلى أن هذه الإجراءات ستشكل عبئا ثقيلا على صناديق التقاعد التي تعاني أصلا من شبه اختناق مالي، حيث يسجل الصندوق المغربي للتقاعد عجزا بقيمة 5.4 مليار درهم ومهدد بنفاد احتياطياته بحلول سنة 2031، بينما لا يغطي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سوى 58 بالمائة من التزاماته وقد يستنزف احتياطياته في حدود سنة 2034، مؤكدا أن نظام التوزيع يعتمد على المساهمين الجدد في وقت تحد فيه أزمة التشغيل من توسيع قاعدة المنخرطين.

وتابع الاقتصادي أحمد أزيرار تحليله مؤكدا أن رفع المعاشات يظل أمرا مرغوبا فيه، غير أنه فصل بين القطاع العام الذي يمكن للحكومة اتخاذ قرار بشأنه، والقطاع الخاص الذي يستوجب التفاوض مع المقاولات لتجنيبها أعباء ضرائب إضافية والتزامات اجتماعية توصف بالمرتفعة جدا.

وذكرت جون أفريك بأن وعد خلق مليون فرصة عمل سبق أن التزم به التجمع الوطني للأحرار سنة 2021 وانتهى بمعدل بطالة بلغ 13 بالمائة أواخر 2025، موردة تقريرا للبنك الدولي الصادر في أبريل يؤكد تفاقم الوضعية بـ 370 ألف وظيفة مفقودة سنويا بين 2020 و2024، مع الإشارة إلى أن دينامية النمو القوية التي يشهدها البلد مؤخرا لم تترجم بعد إلى فرص عمل فعلية.

وختم كسال تحليله لوعود التشغيل بتأكيده على أن كل نقطة نمو تخلق رياضيا حوالي 30 ألف منصب شغل، وباحتساب المناصب المفقودة لا يمكن لنسبة نمو تبلغ 4 بالمائة أن تخلق 200 ألف منصب سنويا، محددا قدرة الاقتصاد حاليا في 80 ألف وظيفة فقط، في حين اعتبر الجعيدي أن أرقام التشغيل تظل مجرد أداة جذب انتخابية أكثر من كونها مقاييس قابلة للتحقيق، مذكرا بفشل جميع التوقعات السابقة خلال الولاية المنتهية.