انتخابات 2026

دراسة: ثقل الأرياف وعزوف الشباب.. المعادلة التي حسمت تشريعيات المغرب 2026

أعادت الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026 ترتيب المشهد الحزبي، بعدما جرى الاستحقاق في سياق سياسي اتسم باستقطاب حاد وتراجع في مستوى المشاركة الانتخابية، وسط تصاعد النقاش حول العدالة الاجتماعية وارتفاع تكلفة المعيشة والبطالة، وما رافق ذلك من احتجاجات حركة “جيل Z” وانتقادات موجهة إلى الحكومة.

وحسب دراسة أعدتها وحدة الدراسات السياسية بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حول الانتخابات التشريعية المغربية، فإن الاستحقاق جرى في سياق سياسي واجتماعي اتسم بارتفاع منسوب الاستياء لدى شرائح واسعة من الشباب، خصوصاً في ظل ظروف اقتصادية صعبة وبطالة تتجاوز 27 في المئة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة، ووجود نحو 2.9 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة لا يعملون ولا يدرسون.

كما شكلت مظاهرات حركة “جيل Z” وما رافقها من شعارات تطالب بالعدالة الاجتماعية والعيش الكريم ورفض الفساد، إلى جانب حادثة توجه عشرات الآلاف من الشبان نحو سبتة في يوليوز 2026، خلفية أساسية لاستقطاب سياسي تصاعد قبل موعد الاقتراع.

وتزامن ذلك مع تراجع المشاركة الانتخابية إلى حوالي 39 في المئة، وهي من أدنى النسب المسجلة في الانتخابات التشريعية المغربية منذ 2007، بما أعاد إلى الواجهة سؤال علاقة الشباب بالأحزاب ومؤسسات التمثيل السياسي.

وفي المقابل، أظهرت النتائج استمرار قوة الأحزاب الثلاثة التي كانت تشكل الائتلاف الحكومي، مع انتقال الصدارة إلى الأصالة والمعاصرة، وتقدم العدالة والتنمية بـ41 مقعداً مقارنة بنتيجته في انتخابات 2021، في وقت بقي فيه حضور عدد من الأحزاب التاريخية محدوداً، بينما سجل تحالف اليسار تحسناً في تمثيله البرلماني.

وتكشف النتائج، بحسب الدراسة، عن تفاوت جغرافي واضح في أنماط التصويت، بين مشاركة أعلى في القرى والأرياف ونتائج أقوى للأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار في المناطق الريفية، مقابل تمركز قاعدة العدالة والتنمية في المدن والحواضر.

استقطاب سياسي حاد.. “جيل Z” والغلاء والبطالة في قلب المعركة الانتخابية

سبقت الانتخابات التشريعية أجواء سياسية اتسمت باستقطاب حاد حول شخص رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بعدما تصدرت قضايا العدالة الاجتماعية وارتفاع تكلفة المعيشة النقاش العام خلال الأشهر التي سبقت الاقتراع.

وجاء ذلك في أعقاب مظاهرات حركة “جيل Z”، التي انطلقت عبر منصات التواصل الاجتماعي ثم امتدت إلى الشارع، ورفعت شعارات العدالة الاجتماعية والعيش الكريم ورفض الفساد، ووجهت انتقادات حادة إلى الحكومة ورئيسها، زعيم حزب التجمع الوطني للأحرار، محملة إياه مسؤولية “الفشل” في إدارة الشأنين الاقتصادي والاجتماعي.

وأظهرت هذه الاحتجاجات، بحسب الدراسة، ارتفاع مستوى الاستياء لدى شرائح واسعة من الشباب الذين يواجهون ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة، في مقدمتها البطالة التي تتجاوز 27 في المئة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة، كما تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن نحو 2.9 مليون شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة لا يعملون ولا يدرسون، وهو ما جعل القضايا المرتبطة بالشباب حاضرة بقوة في السياق السياسي الذي سبق الانتخابات.

وزاد التوتر خلال أواخر يوليوز 2026، عندما توجه عشرات الآلاف من الشبان المغاربة نحو مدينة سبتة الخاضعة للاحتلال الإسباني، في ما وصف بأوسع موجة هجرة جماعية يشهدها المغرب في تاريخه المعاصر.

ورأى بعضهم في تلك الحادثة فرصة جديدة للتعبير عن “فقدان الأمل في العيش الكريم”، في وقت تصاعدت فيه الاتهامات الموجهة إلى رئيس الحكومة وعدد من أعضاء حكومته، خصوصاً المنتمين إلى حزبه، بشأن تضارب المصالح، ولا سيما في ما يتعلق بارتفاع أسعار المحروقات.

وتطرقت الدراسة إلى الاتهامات المرتبطة بكون رئيس الحكومة مالكاً لأكبر شركة للمحروقات في بلد يستورد نحو 90 في المئة من احتياجاته من الطاقة، في وقت كانت فيه الأسواق العالمية تشهد ارتفاعاً في أسعار الطاقة بسبب أزمة مضيق هرمز والحرب الروسية-الأوكرانية.

وأسهمت هذه الأحداث والاتهامات في تعميق الاستقطاب السياسي، بينما اتهم أنصار رئيس الحكومة أحزاب المعارضة، خصوصاً حزب العدالة والتنمية وزعيمه رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران، بمحاولة “شيطنة” خصومهم.

ومع اقتراب موعد الانتخابات، بدأ الحزبان الحليفان لرئيس الحكومة، حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة، ينأيان بنفسيهما عنه، إلى حد باتا معه يتصرفان كما لو كانا حزبي معارضة، لا شريكين في الائتلاف الحكومي الذي استمر خمس سنوات وتوليا خلاله وزارات مهمة، من بينها العدل والتجهيز والإسكان.

وانطلقت الحملة الانتخابية قبل أسبوعين من موعد الاقتراع، في أجواء اتسمت باستقطاب حاد حول رئيس الحكومة، وزاد من حدته تداول تصريحات سابقة نسبت إليه بشأن المواطنين المغاربة، قبل أن تسهم منصات التواصل الاجتماعي في نشرها وتأجيج ردات الفعل عليها.

وفي المقابل، أخفق رئيس الحكومة، وفق الدراسة، في تسويق ما عدته حكومته إنجازات على صعيد الحفاظ على التوازنات المالية والمؤشرات الاقتصادية الكبرى، وتحقيق معدلات نمو مرتفعة، وتعميم نظام الرعاية الصحية.

صدارة البام وتقدم البيجيدي 

تزامن الاستقطاب السياسي مع تحول لافت في موازين القوى الحزبية، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات بـ97 مقعداً، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار الذي حصل على 66 مقعداً، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، وهي الأحزاب الثلاثة التي كانت تشكل الائتلاف الحكومي المنتهية ولايته.

ووفق الدراسة، فإن تصدر هذه الأحزاب الثلاثة للنتائج يرتبط بامتلاكها، مقارنة ببقية الأحزاب، هياكل انتخابية قوية وقدرتها على استقطاب النخب المحلية في مختلف مناطق البلاد، سواء رجال الأعمال أو الأعيان المحليين التقليديين أو فعاليات المجتمع المدني التي تتوفر على شبكات اجتماعية واسعة تمكنها من حشد الأنصار والناخبين يوم الاقتراع.

وسجل حزب الأصالة والمعاصرة دينامية انتخابية قبيل الاقتراع، استفاد فيها، على الأرجح، من التحاق فوزي لقجع بصفوفه. واعتبرت الدراسة أن انضمام لقجع شكل مكسباً مهماً للحزب، بالنظر إلى حضوره العام، وترؤسه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، والنجاحات الدولية التي حققتها كرة القدم المغربية منذ مونديال قطر 2022، فضلاً عن شغله منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في الحكومة المنتهية ولايتها بصفته مستقلاً غير منتم إلى أي حزب.

وأشارت الدراسة إلى مؤشرات عديدة على ما يحظى به لقجع من تأييد شعبي واسع، فضلاً عن تمتعه بثقة القصر الملكي، معتبرة أن التحاقه بالأصالة والمعاصرة شكل مكسباً مهماً للحزب، كما تمثلت إحدى أبرز مظاهر الدينامية الانتخابية التي عرفها الحزب في انتقال عدد من المرشحين ذوي الحضور الانتخابي القوي من أحزاب أخرى إليه خلال الأسابيع التي سبقت الانتخابات، ولا سيما من حزب التجمع الوطني للأحرار.

في المقابل، سجل حزب العدالة والتنمية ارتفاعاً كبيراً في عدد مقاعده مقارنة بانتخابات 2021، بعدما أضاف 41 مقعداً إلى رصيده السابق ليصل إلى 54 مقعداً. وأظهرت النتائج أن قاعدته الانتخابية لا تزال ترتكز أساساً في المدن والحواضر الكبرى والمتوسطة.

وربطت الدراسة بين هذا التقدم وبين عوامل متعددة، من بينها احتمال مساهمة استئناف العلاقات المغربية-الإسرائيلية، في إطار ما سمي بالاتفاقات الإبراهيمية، وقرار رفع التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مستوى السفراء، في استنفار القواعد الاجتماعية للحزب أو شرائح قريبة منه، ودفع بعض الناخبين إلى التعبير عن موقفهم من هذه المسألة عبر التصويت للعدالة والتنمية.

وجاء الاتفاق على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي قبل أسبوع واحد فقط من إجراء الانتخابات، خلال اجتماع ثلاثي عقد في نيويورك بدعوة من السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة، وضم وزيري خارجية المغرب وإسرائيل.

ورغم عودة عبد الإله بنكيران إلى زعامة الحزب، لم يتمكن العدالة والتنمية من استعادة موقعه في صدارة الانتخابات كما حدث في استحقاقي 2011 و2016، وهو ما ترى الدراسة أنه يعكس استمرار الصعوبة التي يواجهها الحزب في توسيع قاعدته الانتخابية خارج دائرة الناخبين الأقرب إلى مرجعيته الإسلامية.

مشاركة ضعيفة.. تفاوت بين المدن والقرى وتراجع حضور الأحزاب التاريخية

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات بما بقارب 39 في المئة، وفق ما أعلنت وزارة الداخلية عقب الاقتراع، وهي من أدنى نسب المشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية منذ 2007. وأكدت الدراسة أن هذه النسبة تنخفض بشكل كبير إذا احتسبت على أساس إجمالي المواطنين الذين يحق لهم الاقتراع، وليس فقط على أساس المسجلين في اللوائح الانتخابية.

واكتسبت هذه النسبة دلالة سياسية خاصة، بحسب الدراسة، في ظل النقاش حول مستوى التأثير الفعلي للبرلمان والسلطات المنتخبة في إدارة الدولة، واتساع فجوة الثقة بين الأحزاب السياسية ومختلف شرائح المجتمع، ولا سيما الشباب. وأظهرت بيانات وزارة الداخلية أن المواطنين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة لا يمثلون سوى نحو 4 في المئة من مجموع الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية، علماً أن التسجيل فيها طوعي، وهي نسبة تقل كثيراً عن حجم هذه الفئة بين السكان الذين بلغوا سن التصويت.

وربطت الدراسة استمرار محدودية مشاركة الشباب بالسياق السياسي الذي أعقب احتجاجات “جيل Z”، معتبرة أن مستوى مشاركة هذه الفئة في انتخابات 2026 يشكل مؤشراً على مدى نجاح الأحزاب والمنظومة السياسية في التواصل مع الشرائح الشابة واستقطابها وتحفيزها على المشاركة السياسية، وعلى قدرتها على استعادة ثقة الشباب بالأحزاب بوصفها قنوات للتمثيل والمشاركة.

أما بقية الأحزاب، فلم يتمكن أي منها من تجاوز حاجز الثلاثين مقعداً، باستثناء الحركة الشعبية التي أضافت مقعداً واحداً إلى رصيدها لتصل إلى 29 مقعداً، كما تراجعت نتائج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية والاتحاد الدستوري، إلى جانب بقية الأحزاب التي كانت تطمح إلى تعزيز حضورها البرلماني والحصول على وزن أكبر في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة.

وفي المقابل، حصل تحالف اليسار، الذي يضم الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار، على ثمانية مقاعد، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف حصيلته في انتخابات 2021، وهو ما شكل تحسناً ملحوظاً في حضوره البرلماني رغم بقاء تمثيله العددي محدوداً داخل مجلس النواب.

وسجلت الانتخابات أيضاً ارتفاعاً في نسبة المشاركة في القرى والأرياف إلى 45 في المئة، مقابل 37 في المئة في المدن والحواضر. وانعكس هذا التفاوت على النتائج، إذ حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 63 مقعداً في المناطق الريفية مقابل 34 فقط في المناطق الحضرية، بينما حصل التجمع الوطني للأحرار على 40 مقعداً في القرى والأرياف مقابل 26 في المدن والحواضر.