أثار قرار القناة الثانية “دوزيم” عرض فيلم “الجميع يحب تودا” للمخرج نبيل عيوش، نهاية الأسبوع الجاري، نقاشا على مواقع التواصل الاجتماعي، بالنظر إلى طبيعة الفيلم والمواضيع التي يتناولها، فضلا عن انتقال عدد من الأعمال السينمائية التي أثارت جدلا عند عرضها في القاعات إلى الشاشة التلفزيونية.
ويتناول الفيلم قصة “تودا”، وهي امرأة تنحدر من بلدة صغيرة وتحلم بأن تصبح “شيخة”، حيث تشتغل في الغناء داخل الحانات والفضاءات الشعبية، قبل أن تقودها ظروفها إلى مغادرة بلدتها والتوجه إلى الدار البيضاء بحثا عن الاعتراف بموهبتها ومستقبل أفضل لها ولابنها.
ويركز العمل على عالم “الشيخات” وفن العيطة، من خلال شخصية امرأة تواجه نظرة المجتمع وسلوك الرجال في الفضاءات التي تعمل فيها، فيما يجعل عيوش من رحلة تودا مدخلا لمعالجة قضايا مرتبطة بالحرية والكرامة والبحث عن حياة مختلفة.
والفيلم من إنتاج مشترك بين المغرب وفرنسا وبلجيكا والدنمارك وهولندا والنرويج، وشارك في بطولته نسرين الراضي، التي نالت عنه جائزة أفضل دور نسائي في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، فيما حصل العمل أيضا على جائزة لجنة التحكيم مناصفة، إلى جانب جائزتي أفضل صوت وأفضل صورة.
ويأتي عرض “الجميع يحب تودا” على “دوزيم” في سياق أوسع من حضور أعمال عيوش وتوزاني في البرمجة التلفزيونية، إذ سبق أن منحت القناة الثانية الضوء الأخضر لعرض فيلم “زنقة مالقة” لمريم التوزاني، وهو عمل أثار بدوره نقاشا بسبب طبيعة بعض مشاهده وموضوعاته.
وكانت أفلام نبيل عيوش قد ارتبطت منذ سنوات بطرح موضوعات اجتماعية حساسة وبالاشتغال على شخصيات تنتمي إلى فئات وهامشيات اجتماعية مختلفة. وفي “الجميع يحب تودا”، يواصل المخرج هذا الاهتمام من خلال الاقتراب من عالم الشيخات والعيطة، في عمل عرض لأول مرة عالميا ضمن مهرجان كان السينمائي سنة 2024.
وفي خضم النقاش الذي رافق قرار بث الفيلم، انتقد الناقد الفني مصطفى الطالب ما وصفه باختيارات القناة الثانية في التعامل مع بعض الإنتاجات السينمائية، معتبرا أن الإشكال لا يرتبط بعمل واحد، وإنما بما يراه توجها متكررا في البرمجة والإنتاج.
وقال الطالب إن عرض “الجميع يحب تودا” يأتي في سياق برمجة أفلام أخرى يرى أنها تتضمن مشاهد وموضوعات جريئة، مستحضرا فيلم “زنقة مالقة”، إلى جانب أعمال أخرى قال إنها تثير بدورها أسئلة حول حدود ما يمكن أن يعرض على شاشة التلفزيون العمومي.
وانتقد الناقد ما اعتبره حضورا قويا لأعمال نبيل عيوش ومريم التوزاني في التلفزيون والسينما، معتبرا أن النقاش حول بعض أفلامهما لا ينبغي أن يقتصر -في نظره- على سؤال الجرأة الفنية، بل يجب أن يمتد إلى طبيعة الصورة التي تقدمها هذه الأعمال عن المجتمع المغربي.
ويرى الطالب أن السينما المغربية عرفت في مراحل سابقة تعاملا أكثر تحفظا مع المشاهد الجنسية والحميمية، مشددا على أن التطور الذي عرفته حرية التعبير والإبداع لا ينبغي أن يلغي النقاش حول علاقة العمل الفني بالبيئة الاجتماعية والثقافية التي ينتج داخلها ويعرض أمام جمهورها.
كما وجه انتقادات إلى القناة الثانية، معتبرا أن بعض اختياراتها البرمجية لا تراعي -بحسب رأيه- بالقدر الكافي “الخصوصية الثقافية والهوياتية والدينية” للمغاربة، إضافة إلى ما يرتبط بالعائلة المغربية وبالقواعد المنظمة للاتصال السمعي البصري.
وربط الطالب هذا النقاش بما وصفه بالاستعمال الواسع لمفاهيم من قبيل “الحداثة” و”حرية الإبداع”، مشيرا إلى أن تداول هذه المفاهيم لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر جاهز لتجاوز الأسئلة المرتبطة بواقع المجتمع وحاجاته وانتظاراته.
وفي السياق ذاته، انتقد الناقد ما يعتبره تركيزا متزايدا على موضوعات بعينها داخل بعض الإنتاجات السينمائية المغربية، في مقابل محدودية حضور قضايا اجتماعية أخرى يرى أنها أكثر التصاقا بالحياة اليومية للمغاربة، من قبيل غلاء المعيشة والهشاشة والهجرة والتهميش الذي تعرفه بعض المناطق القروية.
وأكد الطالب أن ملاحظاته لا تنطلق -وفق تعبيره- من رغبة في التضييق على الإبداع، وإنما من موقعه كناقد وباحث وفاعل سابق في قطاع الاتصال، قال إنه راكم تجربة في مجالات السينما والتلفزيون والإعلام واطلع على الإطار القانوني المنظم للاتصال السمعي البصري ودفاتر التحملات الخاصة بالقنوات الوطنية.
وشدد على أن انتقاد بعض الاختيارات الفنية والإعلامية يظل -في نظره- جزءا من حق المواطن في التعبير، شريطة الالتزام بالأعراف واللياقة، معتبرا أن النقد لا ينبغي أن يُفهم باعتباره رفضا للإبداع أو دعوة إلى تقييده.
وختم الطالب موقفه بالتأكيد على أن انتقاداته تنطلق -كما يقول- من “الغيرة” على الإنتاج المغربي، ومن رغبته في أن تصل السينما المغربية إلى العالمية انطلاقا من خصوصيتها المحلية، لا عبر التخلي عنها.
وأضاف أن الجمهور المغربي، في تصوره، يحتاج إلى أعمال يرى فيها “ذاته وإنسانيته وثقافته وأحلامه وحياته”، معتبرا أن الرهان الحقيقي يتمثل في إنتاج أعمال صادقة وأصيلة تعكس المجتمع بمختلف جوانبه، بعيدا عن توظيف ما وصفه بـ”التلاعبات” والسعي إلى تحقيق مكاسب مرتبطة بالتمويل أو الجوائز.