في خضم عمل الجماعات الترابية للمملكة على اختلاف مستوياتها (الجهات-العمالات أو الأقاليم-الجماعات) على تحضير الميزانية السنوية للسنة المالية 2027 ودراستها والمصادقة عليها، تأتي الدورية 2026/12855 الصادرة بتاريخ 01 أكتوبر 2026 عن السيد وزير الداخلية حول إعداد وتنفيذ ميزانيات الجماعات الترابية برسم سنة 2027، وفي سياق الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية الجماعية والجهوية المرتقبة خلال نفس السنة، وما تقتضيه هذه المرحلة من تدابير ذات طبيعة مالية وتدبيرية تروم ضمان انتقال مؤسساتي ومالي منضبط بين الولاية الانتدابية الحالية والولاية المقبلة، إذ تكتسي السنة المالية المقبلة (2027) طابعا انتقاليا خاصا، باعتبارها تتزامن مع المرحلة الأخيرة من الولاية الحالية للمجالس الجماعات الترابية بالمملكة، وتمهد في الوقت ذاته لانطلاق ولاية جديدة عقب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة والخاصة بانتخاب أعضاء مجالس هذه الأخيرة لولاية انتدابية جديدة، ومن ثم، فإن تدبير الموارد والنفقات العمومية خلال هذه الفترة تستوجب مراعاة مبادئ الاستمرارية والنجاعة وحسن استعمال المال العام، مع الحرص على عدم اتخاذ قرارات مالية أو إبرام التزامات من شأنها تقييد هامش التصرف المالي للمجالس التي ستتولى تدبير الشأن الترابي خلال الولاية المقبلة.
وفي هذا السياق، تؤكد الدورية على ضرورة إعداد ميزانيات الجماعات الترابية وفق مقاربة واقعية واحترازية، تستند إلى تقدير دقيق للموارد المتاحة وللنفقات الضرورية، وتراعي قواعد الحكامة الجيدة ومبادئ التوازن المالي والاستدامة والشفافية، كما تقتضي هذه المقاربة إعطاء الأولوية لتصفية الالتزامات والنفقات المستحقة، وتسوية الوضعيات المالية القائمة، واستكمال المشاريع والبرامج التي سبق الالتزام بها، بما يضمن استمرارية المرافق العمومية وعدم تعطيل المشاريع التي بلغت مراحل متقدمة من الإنجاز، وبالموازاة مع ذلك، يفهم من التوجه العام للدورية ضرورة التحفظ في إحداث التزامات مالية جديدة، ولا سيما تلك التي لا تكتسي طابعا استعجاليا أو ضرورة مرتبطة باستمرارية المرفق العام أو بتنفيذ التزامات قانونية وتعاقدية قائمة، ويهدف هذا التوجه إلى تفادي ترتيب أعباء مالية غير مبررة أو غير ضرورية على الميزانيات المستقبلية، بما قد يحد من قدرة المجالس المنتخبة المقبلة على تحديد أولوياتها وبرمجة مشاريعها وفق برامجها الانتخابية وحاجيات المجالات الترابية التي ستتولى تدبيرها.
وعليه، فإن تدبير الميزانية خلال هذه المرحلة الانتقالية لا ينبغي أن ينصرف إلى تجميد العمل التنموي أو تعطيل المرافق العمومية، وإنما إلى تحقيق قدر من التوازن بين مبدأ استمرارية المرفق العام من جهة، وضرورة احترام الاختصاصات والهوامش المالية للمجالس المقبلة من جهة أخرى؛ كما يقتضي ذلك التمييز بين الالتزامات الضرورية التي تفرضها استمرارية الخدمات العمومية وتنفيذ المشاريع المبرمجة، وبين الالتزامات الجديدة التي يمكن تأجيلها إلى حين تشكيل المجالس المنتخبة المقبلة وتحديد توجهاتها وأولوياتها، وبهذه المقاربة، تسعى الدورية إلى تأطير المرحلة المالية السابقة للاستحقاقات المقبلة بما يضمن حماية التوازنات المالية للجماعات الترابية، والحد من تراكم المتأخرات والالتزامات، وتعزيز شفافية التدبير المالي، مع تكريس مبدأ المسؤولية في اتخاذ القرارات التي تترتب عنها آثار مالية تتجاوز الولاية الانتدابية التي تشرف على النهاية.
وفي هذا الإطار، وضعت الدورية مجموعة من التوجهات والمبادئ وجب احترامها، ويمكن اجمالها على النحو التالي:
أولا: نجاعة التدبير المالي
يتأسس هذا بضرورة تعزيز التوازن المالي للجماعات الترابية وترسيخ الحكامة الجيدة في تدبير مواردها ونفقاتها، وذلك من خلال مواصلة تعبئة الموارد الذاتية، ولا سيما الجبائية منها، وتحسين أداء القباضات الجماعية والتي انطلقت في تنفيذ مهامها بناء على قرار وزير الداخلية رقم 1810.26 بتفويض السلطة الى الولاة بالجهات وعمال العمالات والأقاليم، وذلك من أجل تنمية الموارد المالية للجماعات الترابية، كما أن هذه الدورية تؤكد على اعتماد تقديرات واقعية للموارد المحولة، بما فيها حصص الضريبة على القيمة المضافة والتحويلات الموجهة للجهات، كما تؤكد ايضا التوجيهات ضرورة ترشيد نفقات التسيير، وتصفية الالتزامات المتراكمة، والتحكم في نفقات النقل والطاقة والاتصالات والاستقبال والدعم الموجه للجمعيات، مع ضمان تنفيذ الأحكام القضائية النهائية وتتبع عقود التدبير المفوض وتحسين تدبير قطاع النظافة والمساحات الخضراء، وفي مجال التجهيز؛ تشدد الدورية على احترام الاختصاصات واعتماد البرمجة متعددة السنوات، وإعطاء الأولوية للمشاريع ذات الأهمية الوطنية والمجالية، وتسوية الوضعية القانونية للعقارات قبل برمجة المشاريع، وتوجيه الاستثمارات نحو برامج التنمية الترابية المندمجة، مع ضبط مساهمات الجهات في الشركات الجهوية لتنفيذ المشاريع والاتفاقيات المبرمة مع مختلف الشركاء، كما تشمل التوجيهات إحكام تدبير الحسابات الخصوصية من خلال إحداثها وتتبع عملياتها وتصفية الحسابات المجمدة، فضلا عن الانتقال إلى تعميم الميزانية المواطنة والتشاركية على كافة الجماعات الترابية ابتداء من سنة 2027، بما يعزز الشفافية وإتاحة المعلومات المالية لعموم المواطنين على حد سواء.
ثانيا: تنزيل المخطط المحاسباتي للجماعات الترابية
في هذا الصدد فإن الدورية الوزارية تولي أهمية خاصة لتعزيز منظومة تدبير ممتلكات الجماعات الترابية، على اعتبارها مكونا أساسيا من مكونات الذمة المالية للجماعة، وأداة لضمان حماية المال العام وحسن استغلاله والمحافظة عليه، وفي هذا الإطار، يتم التأكيد على ضرورة اعتماد مقاربة دقيقة ومنتظمة في جرد مختلف الممتلكات، سواء كانت غير منقولة أو منقولة، مع العمل على تحيين المعطيات المتعلقة بها وضمان ضبط وضعيتها القانونية والمادية والمحاسبية.
وفيما يتعلق بالممتلكات غير المنقولة، يتعين اعتماد الدليل المرجعي المعد بتعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، باعتباره دليل منهجي يساعد الجماعات الترابية على إعداد وتحيين سجل الممتلكات، بما يضمن حصر العقارات والأملاك التابعة لها وتحديد طبيعتها وموقعها ووضعيتها القانونية وكيفية استغلالها، كما تبرز أهمية تقوية الموارد البشرية المكلفة بتدبير الممتلكات، وتوفير الوسائل والتجهيزات والأنظمة المعلوماتية اللازمة، بما يسمح برقمنة المعطيات المتعلقة بالممتلكات وتحيينها وتتبع وضعيتها بصورة مستمرة، والحد من مخاطر ضياعها أو سوء استغلالها أو عدم تحيين وضعيتها القانونية.
أما فيما يخص الممتلكات المنقولة، فينبغي أن تتم عملية جردها وفق مسار منظم يضمن الموضوعية والشفافية ودقة المعطيات، وتبدأ العملية بإصدار قرار من قبل الآمر بالصرف يقضي بإحداث لجنة مستقلة لجرد الممتلكات، تتولى حصر مختلف المنقولات الموجودة فعليا وتحديد خصائصها ومواقعها والجهات أو المصالح المستفيدة منها، ويعقب ذلك إخضاع الممتلكات لعملية الترميز والترقيم، بما يسمح بإعطاء كل منقول هوية تعريفية خاصة تسهل تتبعه ومراقبة حركته واستعماله.
كما تشمل عملية الجرد التقييم المحاسبي للممتلكات المنقولة وإدراج قيمتها وفق القواعد المحاسبية المعمول بها، قبل تسجيلها في سجل المحتويات بشكل رسمي ودقيق، ويتيح هذا المسار تكوين قاعدة بيانات محينة حول ممتلكات الجماعة، تمكن من معرفة طبيعة الأصول الموجودة وقيمتها ومكان وجودها وحالتها، وتساعد على اتخاذ القرارات المناسبة بشأن صيانتها أو إعادة توزيعها أو إخراجها من الخدمة وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل.
ومن شأن اعتماد هذه المنهجية في جرد الممتلكات المنقولة وغير المنقولة أن يعزز شفافية التدبير المالي والإداري، وأن يساهم في حماية الرصيد العقاري والمنقول للجماعات الترابية، فضلا عن تحسين جودة المعطيات المحاسبية والمالية المرتبطة بها كما يسمح الجرد المنتظم بإرساء منظومة فعالة للمراقبة الداخلية، وتحديد المسؤوليات بشأن حيازة واستعمال الممتلكات، وتفادي حالات الإغفال أو التداخل أو الاستعمال غير الملائم للأصول العمومية، بما ينسجم مع مبادئ الحكامة الجيدة وحسن تدبير المال العام.